878 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بفتح الهمزة وبالمد، الضُّبَعي _ بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة _ البصري، ابن أخي جويرية بن أسماء، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وسقط في رواية الأَصيلي «ابن أسماء» .
(قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (جُوَيْرِيَةُ) بضم الجيم وفتح الواو، ويروى وهو عم عبد الله الراوي عنه،
ج 5 ص 10
وهو من الأعلام المشتركة بين الرِّجال والنِّساء، وقد سبق ذكره في باب «الجنب يتوضَّأ ثمَّ ينام» [خ¦289] (عَنْ مَالِكٍ) الإمام.
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) العمري (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (بَيْنَمَا) أصله بين فدخل عليه «ما» فصار بينما، وقد تشبع فتحة النون، فيقال ، وقد روي هاهنا أيضًا، ويضاف إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاج إلى جواب يتمُّ به المعنى، وهو هنا قوله الآتي «إذ دخل رجل» ، والأفصح أن لا يكون فيه «إذ وإذا» .
(هُوَ قَائِمٌ) أي على المنبر جملة مضاف إليها لـ (( بينما ) ) (فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ) ويروى (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) قال الشَّعبي هم من أدرك بيعة رِّضوان، وسأل قتادة عنهم سعيد بن المسيب فقال هم من صلَّى إلى القبلتين.
قال في «الكشَّاف» وقيل هم الذين شهدوا بدرًا.
(مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وذلك الرَّجل هو عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وقد سمَّاه ابن وهب وابن القاسم في روايتهما عن مالك في «الموطَّأ» ، وكذلك سمَّاه معمر في روايته عن الزُّهري، وكذا وقع في رواية ابن وهب عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقال أبو عمر لا أعلم فيه خلافًا.
(فَنَادَاهُ عُمَرُ) رضي الله عنهما؛ أي قال له يا فلان (أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ) استفهام توبيخ وإنكار فكأنَّه يقول لم تركت التَّبكير وتأخَّرت إلى هذه السَّاعة، وقد ورد التَّصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال عمر لم تحتبسون عن الصَّلاة [خ¦882] ، وفي رواية مسلم (( فعرَّض به عمر رضي الله عنه ) )فقال ما بال رجال يتأخَّرون بعد النِّداء، وقد حفظ بعض الرُّواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر رضي الله عنه من هذه المقالة هو الحثُّ والتَّرغيب إلى ساعات التَّبكير التي وقع فيها التَّرغيب؛ لأنَّها إذا انقضت طوت الملائكةُ الصُّحفَ كما ورد في الحديث [خ¦3211] .
وقوله (( أيَّة ) )بتشديد الياء، كلمة يستفهم بها وأُنِّثت لأجل ساعة، وهي إذا أضيفت إلى مؤنَّث يجوز فيه الأمران، يقال أيَّ امرأة جاءتك وأيَّة امرأة جاءتك، قال تعالى {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان 34] .
وقال الزَّمخشري وقرئ (( بأيَّة أرض تموت ) )، وشبَّه سيبويه تأنيث «أي» بتأنيث «كل» في قوله «كلِّهن» ، والسَّاعة اسم لجزء من الزَّمان مخصوص، ويطلق على جزء من أربعة وعشرين جزأ هي مجموع اليوم واللَّيلة، ويطلق أيضًا على جزء ما غير مقدَّر من الزَّمان وعلى الوقت الحاضر.
والهندسي يقسم
ج 5 ص 11
اليوم على اثني عشر قسمًا، وكذا اللَّيلة طالا أو قصرا فيسمُّونه ساعة.
(قَالَ) عثمان رضي الله عنه مبادرًا إلى الاعتذار من التَّأخير (إِنِّي شُغِلْتُ) على صيغة المجهول، وقد بيَّن وجه شغله في رواية عبد الرَّحمن بن مهدي حيث قال انقلبت من السُّوق فسمعت النِّداء (فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي) الانقلاب هو الرُّجوع من حيث جاء.
(حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ) وفي رواية أخرى وهو بكسر النون أشهر من ضمها، والمراد به الأذان بين يدي الخطيب (فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ) أي لم أشتغل بشيء بعد أن سمعت النِّداء إلا بالوضوء، وفي رواية .
(فَقَالَ) أي عمر رضي الله عنه إنكارًا آخر على ترك السنَّة المؤكَّدة وهي الغسل (وَالْوُضُوء أَيْضًا) جاءت الرِّواية فيه بالواو وحذفها، وبنصب الوضوء ورفعها. أمَّا وجه الواو وهو أن يكون للعطف على الإنكار الأوَّل وهو قوله (( أيَّة ساعة هذه ) )لأنَّ معنى الإنكار ألم يكفك أن أخَّرت الوقت وفوَّت وظيفة السنة حتَّى أتبعته بترك الفضل والقناعة بالوضوء، فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولًا عليها بتلك اللَّفظة.
وقال القرطبيُّ الواو عوض عن همزة الاستفهام كقراءة ابن كثير {قال فرعون وآمنتم به} ، وكذا قاله البرماوي والزَّركشي.
وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ تخفيف الهمزة بإبدالها واوًا صحيح في الآية لوقوعها مفتوحة بعد ضمة، وأمَّا في الحديث فليس كذلك لوقوعها مفتوحة بعد فتحة فلا وجه لإبدالها فيه واوًا، ولو حمله على حذف الهمزة على ما ذهب إليه الأخفش في جواز حذفها قياسًا عند أمن اللَّبس لكان أولى، والقرينة الحاليَّة المقتضية للإنكار شاهدة بذلك فلا لبس، وأمَّا وجه حذف الواو فظاهر.
وأمَّا وجه الرَّفع في الوضوء فهو أنَّه مبتدأ قد حذف خبره، وتقديره الوضوءُ أيضًا يقتصر عليه، ويجوز أن يكون خبرًا حذف مبتدأه وتقديره كفايتك الوضوءُ أيضًا.
وأمَّا وجه النصب فهو أنَّه على تقدير أتتوضَّأ الوضوءَ فقط؛ يعني اقتصرت على الوضوء وحده، ويروى بالمد على لفظ الاستفهام.
وقوله «أيضًا» منصوبٌ على أنَّه مصدر آض يئيض؛ أي عاد ورجع، قال ابن السكيت تقول فعلته أيضًا إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنه أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور، والمعنى ألم يكفك أن فاتك فضل التبكير حتَّى أضفت إليه ترك الفعل المرغب فيه.
(وَ) الحال أنَّك (قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ) وفي رواية جويرية (( كنَّا نؤمر ) ) (بِالْغُسْلِ) لمن يريد المجيء إلى الجمعة، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه
ج 5 ص 12
في هذه القصَّة في «الصحيحين» أنَّ عمر رضي الله عنه قال ألم تسمع أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل ) ) [خ¦882] .
ومن فوائد هذا الحديث القيام بالخطبة وأنَّه من سننها، وأنَّه على المنبر. ومنها تفقُّد الإمام رعيَّته وأمره لهم بمصالح دينهم وإنكاره على من أخلَّ بالفضل. ومنها مواجهة الإمام بالإنكار للكبير ليرتدع مَنْ دونه بذلك. ومنها أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يفسدها. ومنها الاعتذار إلى ولاة الأمور. ومنها إباحة الشغل والتصرُّف يوم الجمعة قبل النِّداء، ولو أفضى ذلك إلى ترك فضيلة البكور إلى الجمعة؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه لم يأمر برفع السُّوق بعد هذه القصَّة.
واستدلَّ به مالك على أنَّ السُّوق لا يُمنع يوم الجمعة قبل النداء لكونها كانت في زمن عمر رضي الله عنه، ولكون الذَّاهب إليها مثل عثمان رضي الله عنه، وقد قلنا إنَّ وجوب السَّعي في حرمة البيع والشِّراء بالأذان الذي يُؤذَّن بين يدي المنبر؛ لأنَّه هو الأصل، وبه قال الشَّافعي وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار.
ثمَّ اختلف العلماء في حرمة البيع في ذلك الوقت فعند أبي حنيفة وأصحابه والشَّافعي يجوز البيع مع الكراهة، وعند مالك وأحمد والظَّاهرية البيع باطل وقد عرف في الفروع.
ومنها جواز شهود الفضلاء السُّوق ومعاناة التَّجر. ومنها أنَّ فضيلة التوجُّه إلى الجمعة إنَّما تحصل قبل التَّأذين.
وقد استدلَّ بعضهم بقوله (( كان يأمر بالغسل ) )على أنَّ الغسل يوم الجمعة واجب وهو ضعيف؛ لأنَّه لو كان واجبًا لرجع عثمان رضي الله عنه حين كلَّمه عمر رضي الله عنه، أو لردَّه عمر رضي الله عنه حين لم يرجع، فلمَّا لم يرجع ولم يُؤمر بالرُّجوع ويحضرهما المهاجرون والأنصار دلَّ على أنَّه ليس بواجب، وهذه قرينة على أنَّ المراد من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي فيه (( فليغتسل ) ) [خ¦877] ليس أمر الإيجاب بل هو للنَّدب، وكذا المراد من قوله «واجب» أنَّه كالواجب جمعًا بين الأدلَّة.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومدني، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواية تابعي عن تابعي، وقد أخرجه التِّرمذي أيضًا في «الصَّلاة» .