فهرس الكتاب
887 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْلاَ) مخافة (أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ)
ج 5 ص 32
شكٌّ من الرَّاوي، وفي رواية بإعادة «لولا أن أشقَّ» ، وروى أكثر رواة «الموطَّأ» بلفظ (( المؤمنين ) )بدل (( أمَّتي ) ). و «أنَّ» في قوله (( أن أشقَّ ) )مصدريَّة في محل الرفع على الابتداء والخبر محذوف وجوبًا؛ أي لولا المشقَّة موجودة.
(لأَمَرْتُهُمْ) أمر إيجاب (بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ) فرضًا أو نفلًا، وهو عامٌّ يندرج فيه الجمعة، بل هي أولى لما اختصَّت به من طلب تحسين الظَّاهر من الغسل والتَّنظيف والتطيُّب، خصوصًا تطيب الفم الذي هو محلُّ الذِّكر والمناجاة، وإزالة ما يضرُّ بالملائكة وبني آدم من تغير الفم.
وفي حديث عليِّ رضي الله عنه عند البزَّار (( إنَّ الملك لا يزال يدنو من المصلِّي يستمع القرآن حتَّى يضع فاه على فيه ... ) )الحديث. وبذلك يطابق الحديث التَّرجمة.
وفي رواية أبي العبَّاس أحمد بن طاهر في كتابه «أطراف الموطَّأ» عن أبي هريرة رضي الله عنه (( مع كلِّ وضوء ) ). فإن قيل كيف التَّوفيق بين رواية (( كل وضوء ) )ورواية (( كل صلاة ) )؟
فالجواب أنَّ السِّواك الواقع عند الوضوء واقع للصَّلاة؛ لأنَّ الوضوء شرع لها، ثمَّ إنَّه قد اختلف أنَّ استعمال السِّواك هل هو واجب أو سنة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم وجوبه، بل ادَّعى بعضهم فيه الإجماع.
وحكى الشَّيخ أبو حامد والماوردي عن إسحاق بن راهويه أنَّه قال هو واجبٌ لكلِّ صلاة، فمن تركه عامدًا بطلت صلاته، وعن داود أنَّه واجب ولكنَّه ليس بشرط، واحتجَّ من قال بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجه من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه مرفوعًا (( تسوَّكوا ) ). ولأحمد نحوه من حديث العبَّاس رضي الله عنه.
وفي «الموطَّأ» (( عليكم بالسِّواك ) )والجواب أنَّ شيئًا من الأحاديث المذكورة لم يثبت، وثبوت النَّدبية بدليلٍ آخر كحديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها (( عشر من الفطرة _ فذكر منها _ السِّواك ) ).
وقال الشَّافعي رحمه الله في حديث الباب دليل على أنَّ السِّواك ليس بواجب؛ لأنَّه لو كان واجبًا لأمرهم به شقَّ عليهم أو لم يشق.
قال العينيُّ والعجب من صاحب «الهداية» يقول السِّواك سنَّة؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يواظب عليه ولم يذكر شيئًا من الأحاديث الدَّالة على المواظبة، وقد علم أنَّ مواظبة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على فعل شيء يدلُّ على أنَّ ذلك واجب.
وأعجب منه ما قاله «شرَّاح الهداية» أنَّ المواظبة مع التَّرك
ج 5 ص 33
دليل السنيَّة، وقد دلَّ على تركه حديثُ الأعرابيِّ فإنَّه لم ينقل فيه تعليم السِّواك، فلو كان واجبًا لعلَّمه، فإنَّ فيه نظرًا من وجهين
الأوَّل أنَّهم لم يأتوا بحديث فيه تصريح بأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تركه في الجملة.
والثَّاني أنَّ حديث الأعرابي لا يتمُّ به استدلالهم؛ لأنَّ العلماء اختلفوا في السِّواك فقال بعضهم هو من سنَّة الدِّين، وقال آخرون من سنَّة الوضوء، وقال آخرون من سنَّة الصَّلاة، وقول من قال إنَّه من سنَّة الدِّين أقوى. نقل ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله. وفيه أحاديث تدلُّ على ذلك.
منها ما رواه أحمد والتِّرمذي من حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه (( أربع من سنن المرسلين الختان والسِّواك والتعطُّر والنِّكاح ) ).
ومنها ما رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها (( عشر من الفطرة فذكر منها السِّواك ) ).
ومنها ما رواه البزَّار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( الطَّهارات أربع قصُّ الشَّارب، وحلق العانة، وتقليم الأظفار والسِّواك ) ).
وأمَّا وقت الاستياك فعند أكثر أصحابنا وقته وقت المضمضة. وذكر في «المحيط» وغيره أنَّ وقته وقت الوضوء إلَّا أنَّ المنقول عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّه من سنن الدِّين فحينئذٍ يستوي فيه كل الأحوال. وذكر في «كفاية المنتهى» أنَّه يستاك قبل الوضوء.
وعند الشَّافعي هو سنة القيام إلى الصَّلاة، وعند الوضوء وعند كلِّ حال يتغيَّر فيها الفم.
وأمَّا كيفيَّته فقال أصحابنا يستاك عرضًا لا طولًا عند مضمضة الوضوء. وأخرج أبو نُعيم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستاك عرضًا لا طولًا. وفي «مراسيل أبي داود» (( إذا استكتم فاستاكوا عرضًا ) ). وأخرج الطَّبراني بإسناده إلى بَهْزٍ قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستاك عرضًا.
وعن إمام الحرمين أنَّه يُمِرُّ السِّواك على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى. وقال غيره من أصحاب الشَّافعي يستاك عرضًا لا طولًا، ويأخذ السِّواك باليمنى، والمستحبُّ فيه ثلاث بثلاث مياه.
ثمَّ إنَّه لا تقدير في السِّواك بل يستاك إلى أن يطمئنَّ قلبه بزوال النَّكهة واصفرار السنِّ، ويقول عند الاستياك اللَّهم طهِّر فمي، ونوِّر قلبي، وطهِّر بدني، وحرِّم جسدي على النَّار، وأدخلني برحمتك في عبادك الصَّالحين.
وفي «المحيط» العلك للمرأة يقوم مقام السِّواك؛ لأنَّ أسنانها ضعيفة يخاف منها السُّقوط، وهو ينقِّي الأسنان ويشدُّ اللثَّة كالسِّواك؟
ثمَّ إنَّ من لا يجد السواك يعالج بالإصبع لما روى البيهقي في «سننه» من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( يجزئ من السِّواك الأصابع ) )
ج 5 ص 34
وضعَّفه.
وروى الطَّبراني في «الأوسط» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله الرَّجل يدهن فوه أيستاك؟ قال (( نعم ) )قلت كيف يصنع؟ قال (( يدخل إصبعه في فِيْه ) ).
ثمَّ إنَّ المستحبَّ أن يستاك بعود من أراك.
وروى البخاري في «تاريخه» وغيره من حديث أبي خَيْرة الصُّبَاجي كنت في الوفد تزوَّدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالأراك، وقال (( استاكوا بهذا ) ).
وروى الطَّبراني في «الأوسط» من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( نعم السِّواك الزَّيتون من شجرة مباركة يُطيب الفم، ويُذهب بالخفر، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي ) ).
وروى الحارث في «مسنده» عن ضمرة بن حبيب قال نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن السِّواك بعود الرَّيحان وقال (( إنَّه يحرِّك الجذام ) ).
ثمَّ إنَّ الحكمة في الاستياك عند القيام إلى الصَّلاة على ما قال ابن دقيق العيد كونها حال تقرُّب إلى الله تعالى، فاقتضى أن يكون حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة، وقد ورد من حديث عليِّ رضي الله عنه عند البزار ما يدلُّ على أنَّه لأمر يتعلَّق بالملَك الذي يستمع القراءة من المصلِّي فلا يزال يدنو منه حتَّى يضع فاه على فِيْه.
وروى أبو نُعيم من حديث جابر رضي الله عنه برواة ثقات (( إذا قام أحدكم من اللَّيل يصلِّي فليستك فإنَّه إذا قام يصلِّي أتاه ملَك يضع فاه على فِيْه فلا يخرج شيء من فِيْه إلَّا وقع في فيِّ الملك ) ).
وأمَّا فضيلة السِّواك فقد روى أحمد وابن حبَّان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( السِّواك مطهرة للفم مرضاة للربِّ ) ). وروى ابن حبَّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( عليكم بالسِّواك فإنَّه مطهرة للفم مرضاة للربِّ ) ).
وروى أحمد وابن خزيمة والحاكم والدَّارقطني وابن عديِّ والبيهقي في «الشُّعب» وأبو نُعيم من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فضل الصَّلاة التي يُستاك فيها على الصَّلاة التي لا يُستاك لها سبعون ضعفًا ) ).
وقال أبو عمر فضل السِّواك مجمعٌ عليه لا اختلاف فيه، والصَّلاة به أفضل منها بغيره عند الجميع حتَّى قال الأوزاعي هو شطر الوضوء، ويتأكَّد طلبه عند إرادة الصَّلاة، وعند الوضوء وقراءة القرآن والاستيقاظ من النَّوم، وعند تغيُّر الفم. ويستحبُّ بين كلِّ ركعتين من صلاة اللَّيل، ويوم الجمعة، وقبل النَّوم، وبعد الوتر، وعند الأكل، وفي السَّحر.
ثمَّ في الحديث بيان ما كان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الشفقة على أمَّته؛ لأنَّه لم يأمر بالسِّواك على سبيل الوجوب مخافة المشقَّة
ج 5 ص 35
عليهم.
وفيه أيضًا جواز الاجتهاد منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما لم ينزل عليه فيه نصٌّ، لكونه جعل المشقَّة سببًا لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفًا على النصِّ لكان سبب انتفاء الوجوب عدمَ ورود النَّص لاوجود المشقَّة، وقيل فيه نظر؛ لأنَّه يجوز أن يكون إخبارًا منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّ سبب عدم ورود النَّص وجود المشقَّة، فيكون معنى قوله (( لأمرتهم ) )أي عن الله بأنَّه واجب.
وأنت خبير بأنَّه احتمال بعيد، والظَّاهر أنَّ ترك الأمر به لخوف المشقَّة، والأمر منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر من الله في الحقيقة؛ لأنَّه لا ينطق عن الهوى.
وفيه أيضًا استحباب السِّواك للصَّائم بعد الزَّوال لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( عند كلِّ صلاة ) )قاله النَّسائي.
وفيه أيضًا استحباب السِّواك للفرائض والنَّوافل وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف لاقتضاء العموم ذلك.
وفيه ما قال المهلَّب إنَّ السنن والفضائل ترتفع عن النَّاس إذا خشي الحرج على النَّاس.
وفيه أيضًا إباحة السِّواك في المسجد؛ لأنَّ «عند» تقتضي الظَّرفية حقيقة فيقتضي استحبابه في كلِّ صلاة.
وعن بعض المالكيَّة كراهته في المسجد لاستقذاره، والمسجد ينزَّه عن ذلك، والله أعلم.
وقال الشَّيخ أبو إسحاق في «اللُّمع» فيه دليل على أنَّ الاستدعاء على جهة النَّدب ليس بأمر حقيقة؛ لأنَّ السِّواك عند كلِّ صلاة مندوب، وقد أخبر الشَّارع أنَّه لم يأمر به، انتهى.
قيل والمرجَّح في الأصول أنَّ المندوب أيضًا مأمور به. فليتأمَّل.