فهرس الكتاب
892 - (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بلفظ المفعول من التثنية، وقد مرَّ في باب «حلاوة الإيمان» [خ¦16] (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمر العَقَدي _ بفتح المهملة والقاف _ نسبة إلى العقد، قوم من قيس وهم صنف من الأزد، وقد مرَّ في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] .
(قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح المهملة وسكون الهاء، الخراسانيُّ مرَّ في باب «القسمة وتعليق القنو في المسجد» [خ¦421] (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصر بن عمران (الضُّبَعِيِّ) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة وبالعين المهملة، نسبة إلى ضُبَيْعة أبو حي من بكر بن وائل، وقد مرَّ في باب «أداء الخمس من الإيمان» [خ¦53] .
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ورجالُ هذا الإسناد ما بين بصري ومدني، والحديث من أفراد البخاري (أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ) بضم الجيم وتشديد الميم المكسورة، يقال جمَّع القوم تجميعًا؛ أي شهدوا الجمعة وقضوا الصَّلاة فيها، وفي رواية أبي داود (( جمَّعت في الإسلام ) ) (بَعْدَ جُمُعَةٍ) وزاد المؤلف في أواخر «المغازي» [خ¦4371] (( بعد جمعة جمَّعت ) ) (فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي «في المدينة» كما في رواية وكيع، ووقع في رواية المعافي (( بمكَّة ) )وهو خطأ بلا نزاع.
(فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ) قبيلة كانوا ينزلون بالبحرين، وهو موضع قريب من عمَّان بقرب القطيف والأحساء، ومرَّ قصَّة عبد القيس في آخر كتاب «الإيمان» [خ¦53] (بجُواثى) بضم الجيم وتخفيف الواو وبالثاء المثلثة وبالقصر، ومنهم من يهمزها، وهي قرية من قرى البحرين.
وهكذا وقع في رواية وكيع عند أبي داود، وفي رواية عثمان شيخ أبي داود «قرية من قرى عبد القيس» ، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي من رواية محمَّد بن أبي حفصة عن ابن طهمان. وحكى ابن التِّين عن الشَّيخ أبي الحسن أنَّها مدينة.
وفي «الصَّحاح» للجوهريِّ و «البلدان» للزَّمخشري جُواثى حصن البحرين.
وقال أبو عُبيد البكري هي مدينة بالبحرين لعبد القيس، قال امرؤ القيس شعر
~وَرُحْنا كأنَّا من جُواثى عَشِيَّة نُعَالي النِّعَاج بَين عِدْلٍ ومُحْقَبِ
يريد كأنا من تجَّار جُواثى لكثرة ما معهم من الصَّيد، وأراد كثرة أمتعة تجَّار جواثى، وكثرة الأمتعة تدلُّ غالبًا على كثرة التُّجار، وكثرة التُّجار تدلُّ على أن جواثى مدينة قطعًا؛ لأنَّ القرية لا يكون فيها تجَّار كثيرون غالبًا عادة، وأمَّا إطلاق لفظ «القرية» على «المدينة» ، كما في قوله تعالى لَوْلَا نُزِّلَ
ج 5 ص 42
هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف 31] يعني مكَّة والطَّائف، فباعتبار المعنى اللُّغوي، ولا يخرج ذلك عن كونه مدينة فلا يتم استدلال من يُجيز الجمعة في القرى بهذا الوجه، كما سيجيء مستوفى إن شاء الله تعالى.
واعلم أنَّه قد استدلَّ الشَّافعية بهذا الحديث على أنَّ الجمعة تقام في القرية إذا كان فيها أربعون رجلًا أحرار مقيمون، حتَّى قال البيهقيُّ باب العدد الذي إذا حضروا في قرية وجبت عليهم، ثمَّ ذكر فيه إقامة الجمعة بجواثى.
وقالت الحنفيَّة لا نسلِّم أنَّها قرية بل هي مدينة كما حُكِي عن البكري وغيره حتَّى قيل كان يسكن فيها أربعة آلاف نفس، والقرية لا تكون كذلك، وإطلاق القرية عليها من الوجه الذي سبق آنفًا، ولئن سلَّمنا أنَّها قرية فليس في الحديث أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اطلَّع على ذلك وأقرَّهم عليه.
ثمَّ إنَّه قد اختلف العلماء في الموضع الذي تُقام فيه الجمعة، فقال مالك كلُّ قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبةٌ على أهلها، ولا يجبُ على أهل العمود وإن كثروا؛ لأنَّهم في حكم المسافرين.
وقال الشَّافعي وأحمد كلُّ قرية فيها أربعون رجلًا أحرارًا بالغين عقلاء مقيمين بها لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء إلَّا ظَعْنَ حاجةٍ، فالجمعة واجبةٌ عليهم، وسواء كان البناء من حجرٍ أو خشبٍ أو طينٍ أو قصبٍ أو غيرها بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة فإن كانت متفرِّقة لم تصح.
وأمَّا أهلُ الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاء أو صيفًا لم تصح الجمعة بلا خلاف، وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفًا وهي مجتمعة بعضها إلى بعض ففيه قولان
أصحَّهما لا تجب عليهم الجمعة ولا تصحُّ منهم، وبه قال مالك.
والثَّاني تجب عليهم وتصحُّ منهم، وبه قال أحمد وداود.
ومذهب أبي حنيفة رحمه الله لا تصحُّ الجمعة إلَّا في مصرٍ جامع أو في مصلَّى المصر أو في فنائه، ولا تجوز في القرى وتجوز في منى، [وقال محمد لا جمعة بمنى] [1] ولا تصحُّ بعرفات في قولهم جميعًا.
وقال أبو بكر الرَّازي في كتابه «الأحكام» اتَّفق فقهاء الأمصار على أنَّ الجمعةَ مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره؛ لأنَّهم مُجمِعون على أنَّها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب.
وذكر ابنُ المنذر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمِّعون. ثمَّ إنَّه قد اختلف أصحابنا في المصر الذي تجوز فيه الجمعة، فعن أبي حنيفة رحمه الله كلُّ بلدة فيها أسواق ولها رساتيق ووالٍ يدفع الظُّلم، وعالم يُرجع إليه في الحوادث.
وعن أبي يوسف رحمه الله كلُّ موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج النَّاس إليه من معايشهم عادةً، وبه قاض، يُقيم الحدود، وعنه إذا بلغ سكَّانه عشرة آلاف، وقيل عشرة آلاف
ج 5 ص 43
مقاتل، وقيل بحيث إن لو قصدهم عدو لأمكنهم، وقيل كلُّ موضع فيه أمير وقاض ينفِّذ الأحكام وهو مختارُ الكرخي. وقيل أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم، وقيل أن يكون بحال بعيش كل محترفٍ بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغلَ بحرفة أخرى.
وعن محمَّد رحمه الله كلُّ موضع مصَّره الإمام فهو مصر حتَّى إنَّه لو بعث إلى قرية نائبًا لإقامة الحدود والقصاص تصير مصرًا، فإذا عزله ودعاه تلحق بالقرى، وأمَّا فناؤه فهو ما أُعِدَّ لحوائج المصر من ركض الخيل والخروج للرَّمي وغيرهما.
وفي «الخانية» لا بدَّ أن يكون متَّصلًا بالمصر حتَّى لو كان بينه وبين المصر فرجة من المزارع والمراعي لا يكون فناء له، ومقدار التَّباعد أربعمائة ذراع، وعند أبي يوسف ميلان.
ثمَّ إنَّه قد استدلَّ أبو حنيفة رحمه الله على أنَّها لا تجوزُ في القرى بما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال لا جمعةَ ولا تشريق إلَّا في مصر جامع.
ورواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» نا عبَّاد بن العوام، عن الحجَّاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه قال لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلَّا في مصر جامع أو مدينة عظيمة.
ورُوِي أيضًا بسند صحيحٍ نا جرير، عن منصور، عن طلحة، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرَّحمن قال قال علي رضي الله عنه لا جمعةَ ولا تشريق إلَّا في مصرٍ جامع، وقد أطال الكلام في ذلك العيني وقد رأينا تركه أولى.
[1] ما بين معكوفتين من العمدة، وهو ضروري لسياق الكلام وتمامه.