893 - (حَدَّثَنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، أبو محمَّد السِّجستاني (المَرْوَزِيُّ) وسقط في رواية لفظ «المروزي» ، وقد مرَّ في كتاب «بدء الوحي» [خ¦6] (قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسَ) هو ابن يزيد الأيلي (عَنْ الزُّهرِيِّ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنَا) بالجمع، وفي رواية بالإفراد.
(سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ) أي ابن عمر (عَنْ ابنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ) وفي رواية (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ) مِنْ رعى رعاية وهي حفظ الشَّيء وحسن التعهُّد له، والرَّاعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم لصلاحِ ما قام عليه وما هو تحت نظره، فكلُّ من كان تحتَ نظره شيءٌ فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودُنياه، فإن وفَّى ما عليه من الرِّعاية حصل له الحظُّ الأوفر والجزاء الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كلُّ أحد من رعيَّته بحقِّه.
(وَزَادَ اللَّيْثُ) هو ابن سعدٍ إمام المصريِّين في روايته
ج 5 ص 44
على رواية عبد الله بن المبارك، وقد وصله الذُّهلي عن أبي صالح كاتب اللَّيث (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد (كَتَبَ زُرَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ) بضم الزاي وفتح الراء، وبضم الحاء المهملة وفتح الكاف، على صيغة التصغير فيهما، الفزازيُّ مولى بني فزارة الأيلي والي أيلة لعمر بن عبد العزيز، وقيل رُزَيق _ بضم الراء وفتح الزاي _ قيل وهو المشهور.
قال ابن الحدَّاد كان حاكمًا بالمدينة، وقال ابن ماكولا كان عبدًا صالحًا، وقال علي ابن المديني نا سفيان مرَّة رُزيق بن حُكيم، ومرَّة حَكيم، وكثيرًا ما كان يقول حَكيم الفتح، والصَّواب الضم.
(إِلَى ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي الْقُرَى) هو من أعمال المدينة وقراها ممَّا يلي الشَّام، فتحه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جمادى الآخرة سنة سبع من الهجرة لمَّا انصرف من خيبر بعد أن امتنع أهلها وقاتلوا، ذكره ابن السَّمعاني.
وذكر بعضهم أنَّه صلى الله عليه سلم قاتل فيها، ولمَّا فتحها عنوةً قسم أموالها، وترك الأرض والنَّخل في أيدي اليهود وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، وأقام عليها أربع ليالي.
(هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ) أي أصلِّي بمن معي الجمعة (وَرُزَيْقٌ) يومئذٍ (عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا) أي يزرع فيها (فِيهَا جَمَاعَةٌ) جملة اسمية، قُدِّم خبرها (مِنَ السُّودَانِ) جمع الأسود (وَغَيْرِهِمْ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ) أمير من قِبَل عمر بن عبد العزيز (عَلَى أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون التحتانية وفتح اللام.
قال أبو عُبيد هي مدينة على شاطئ البحر في منتصف ما بين مكَّة ومصر، وبتبوك وَرَدَ صاحب أيلةَ على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعطاه الجزية.
وقال البكريُّ سمِّيت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم عليه السَّلام، وقد رُوي أنَّ أيلة هي القرية التي كانت حاضرة البحر.
وقال اليعقوبي أيلة مدينة جليلة على ساحل البحر الملح، وبها يجتمع حاجُّ الشَّام ومصر والمغرب وبها التِّجارة الكثيرة، ومن القلزم إلى أيلة ست مراحل في بريَّةٍ صحراءَ يتزوَّد النَّاس من القلزم إلى أيلة لهذه المراحل.
قيل هي بلدة ذات قلعة وهي الآن خراب ينزل بها حاجُّ مصر وغزَّة، وبعض آثارها ظاهر، وقيل بينها وبين المدينة خمسة عشر مرحلة، والذي يظهر أنَّه سأله عن إقامة الجمعة في الأرض التي كان يزرعها من أعمال أيلة لا عن أيلة نفسها؛ لأنها كانت بلدة لا يُسأل عنها، فافهم.
(فَكَتَبَ) إليه (ابْنُ شِهَابٍ، وَأَنَا أَسْمَعُ) قال الكرمانيُّ المكتوب هو الحديث والمسموع هو المأمور به، وقال الحافظ العسقلانيُّ
ج 5 ص 45
والذي يظهرُ أنَّ المكتوب عين المسموع وهو الأمر والحديث معًا، ثمَّ الظَّاهر أنَّ الذي كتب هو ابن شهاب؛ لأنَّ الأصل في الإسنادِ الحقيقةُ.
ويجوز أن يكون كاتبه كتبه بإملائه عليه فسمعه يونس منه، ففي الوجه الأوَّل فيه تقدير وهو كتب ابنُ شهاب، وقرأه وأنا أسمع.
(يَأْمُرُهُ) جملةٌ حالية؛ أي يأمر ابن شهاب زُريق بن حُكيم في كتابه إليه (أَنْ يُجَمِّعَ) أي بأن يصلِّي بالنَّاس الجمعة، ثمَّ استدلَّ ابن شهاب على أمره زُريقًا بالجمعة بحديث سالم عن أبيه على ما سيأتي.
وقوله (يُخْبِرُهُ) أي يخبر ابن شهاب زُريقًا في كتابه إليه، وهي جملة حاليَّة من الضَّمير المرفوع في (( يأمره ) )فهي حال متداخلة، وأمَّا الأوَّلان أعني «وأنا أسمع» و «يأمره» فمترادفتان.
(أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (يَقُولُ) وفي رواية (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ) في الآخرة (مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) وفي رواية وإفراد الخبر بالنَّظر إلى لفظة «كل» (الإِمَامُ رَاعٍ) قد تقدَّم أنَّ أصل الرِّعاية حفظ الشَّيء، وحسن التعهُّد له، وجرى اسمها على هؤلاء المذكورين على السويَّة، لكن المعاني فيه مختلفة كما ستقف عليه فرعاية الإمام فيمن ولي عليهم إقامة الحدود والأحكام فيهم على سَنَن الشَّرع، ولما كان زُريق عاملًا من جهة الإمام كان عليه أن يراعيَ حقوق من ولي عليهم، ومن جملتها إقامة الجمعة بهم، وهذا هو وجه الاستدلال بالحديث.
(وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) في الأخرى هل وفَّى حقوقهم (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ) يجب عليه القيام عليهم، والسِّياسة لأمرهم، وتوفية حقوقهم في النَّفقة والكسوة والعشرة (وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) وسقط في رواية لفظ «هو» (وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) بحسن تدبيرها في العيشة، والنُّصح له، والأمانة في ماله، وحفظ عياله وأضيافه ونفسها.
(وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ) بحفظ ما في يده من ماله، والقيام بما يستحقُّ من خدمته (وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) قال العيني والرَّجل الذي ليس بإمام ولا له أهل ولا خادم يراعي أصحابه وأصدقاءه بحسن المعاشرة على منهج الصَّواب. فإن قيل إذا كان كلٌّ من هؤلاء راعيًا فمن المرعيُّ؟
فالجواب هو أعضاء نفسه وجوارحه وقواه وحواسُّه، أو الرَّاعي يكون مرعيًّا باعتبارٍ آخر ككون الشَّخص مرعيًا للإمام راعيًا لأهله، أو الخطاب خاصٌّ بأصحاب التصرُّفات، ومن تحت نظره مَن عليه إصلاح حاله.
(قَالَ) أي ابن عمر أو سالم أو يونس
ج 5 ص 46
(وَحَسِبْتُ أَنْ) مخفَّفة من الثقيلة؛ أي أنَّه، وفي رواية (قَدْ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ) بحفظه (وَمَسْؤُولٌ) وفي رواية (عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ) أي حافظ مؤتمن ملتزم إصلاح ما عليه (وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) وفي رواية بالفاء بدل الواو وإسقاط الواو من «ومسؤول» ، وفي نسخة .
واعلم أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمَّم أوَّلًا ثمَّ خصَّص ثانيًا، وقسم الخصوصيَّة إلى أقسام؛ لأنَّها إما بحسب الرِّعاية العامَّة، أو بحسب الرِّعاية الخاصَّة ثمَّ الخاصَّة، أما بحسب الزَّواج إمَّا من جهة الرَّجل أو من جهة المرأة، وإمَّا بحسب الخدمة، وإمَّا بحسب النَّسب، ثم عمَّم ثالثًا تأكيدًا وردًّا للعَجُزِ إلى الصَّدر بيانًا لعموم الحكم أولًا وآخرًا.
قيل في هذه القصَّة؛ يعني القصَّة المذكورة في الحديث إيماءٌ إلى أنَّ الجمعة تنعقد بغير إذن من السُّلطان إذا كان في القوم من يقوم بمصالحهم، وهذا هو مذهب الشَّافعية إذ إذن السُّلطان عندهم ليس شرطًا لصحَّتها اعتبارًا بسائر الصَّلوات، ولكن السنَّة أن لا تقام إلَّا بإذن السُّلطان، وبه قالت المالكيَّة وأحمد في رواية عنه.
وكذا احتجُّوا بما رُوي أنَّ عثمان رضي الله عنه كان محصورًا بالمدينة صلَّى علي رضي الله عنه الجمعة بالنَّاس ولم يُرْوَ أنَّه صلى بإذن عثمان رضي الله عنه وكان الأمر بيده.
وقالت الحنفيَّة وكذا في روايةٍ عن أحمد أنَّه شرطٌ لحديثٍ أخرجه ابن ماجه والبزَّار وغيرهما وفيه (( من تركها في حياتي أو بعدي وله إمامٌ عادل أو جائر استخفافًا بها وجحودًا لها فلا جَمَعَ الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاةَ له، ولا زكاةَ له، ولا حجَّ له، ولا صومَ له، ولا بِرَّ له ) )الحديث، فشَرَطَ فيه أن يكون له إمام ويقوم مقامه نائبه وهو الأمير أو القاضي.
والجواب عن الحديث المذكور في الباب أنَّ الذي يقوم بمصالح القوم هو المولَّى عليهم من جهة السُّلطان، ومن كان مولًّى من جهة السُّلطان كان مأذونًا بإقامة الجمعة؛ لأنَّها من أكبر مصالحهم. وعن الاحتجاج بصلاة عليٍّ رضي الله عنه أنَّه يحتمل أنَّ عليًّا رضي الله عنه فعل ذلك بأمره، أو كان لم يتوصَّل إلى إذن عثمان رضي الله عنه.
ونحن أيضًا نقول إذا لم يُتوصَّل إلى إذن الإمام فللنَّاس أن يجتمعوا ويقدِّموا من يُصلِّي بهم، فمن أين علم أنَّ عليًّا رضي الله عنه فعل ذلك بلا إذن عثمان رضي الله عنه وهو بحيث يتوصَّل إلى إذنه.
هذا. وقال ابن المنذر مضت السنَّة بأنَّ الذي يقيم الجمعة السُّلطان، أو من قام بها بأمره، فإذا لم يكن ذلك صلُّوا الظُّهر. وقال الحسن البصري أربع إلى السُّلطان فذكر منها الجمعة.
وقال حبيب بن أبي ثابت
ج 5 ص 47
لا تكون الجمعة إلَّا بأمير وخطبة، وهو قول الأوزاعي ومحمَّد بن سلمة، ويحيى بن عمر المالكي.
وعن مالك إذا تقدَّم رجل بغير إذن الإمام لم يجزهم، وذكر صاحب «البيان» قولًا قديمًا للشَّافعي أنَّها لا تصح إلَّا خلف السُّلطان أو من أذن له.
وعن أبي يوسف أنَّ لصاحب الشرطة أن يصلِّي بهم دون القاضي. وقيل يصلِّي القاضي.
وقيل وفي الحديث أيضًا إقامة الجمعة في القرى خلافًا لمن منعها، ولا دليل على ذلك فيه أصلًا؛ لأنَّه إن كان ذلك القائل يدَّعي بذلك الحديث المتَّصل فلا يقوم به حجَّة ولا تتم، وإن كان يدَّعي كتاب ابن شهاب فلا يتم به حجَّته أيضًا؛ لأنه من أين علم أنَّه أمره بذلك سواء كان في قرية أو مدينة، فإن قال زُريقٌ كان عاملًا على أرض يعملها، وكان فيها جماعة من السُّودان وغيرهم، وليس هذا إلَّا قرية فلا يتم به استدلاله أيضًا؛ لأنَّ الموضع المذكور صار حكمه حكم المدينة بوجود المتولِّي عليهم من جهة الإمام، وقد مضى أنَّ الإمام إذا بعث إلى قرية نائبًا لإقامة الأحكام تصير مصرًا، على أنَّ إمام ذلك القائل لا يرى قول الصَّحابي حجَّة فكيف بقول التَّابعي، والله أعلم.
وقال الحافظ المنذري عن بعضهم إنَّه استدلَّ بالحديث على سقوط القطع عن المرأة إذا سرقت من مال زوجها، وعن العبد إذا سرق من مال سيِّده إلَّا فيما حجبهما عنه، ولم يكن لهما فيه تصرُّف.
ورجال الإسناد المذكور الاثنان منهم مروزيَّان والثَّالث أيلي، وكان مرجئًا وكذلك السَّابع والرَّابع والخامس مدنيان، وشيخ المؤلِّف من أفراده.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الوصايا» [خ¦2751] ، و «النِّكاح» أيضًا [خ¦5200] . وأخرجه مسلم في «المغازي» ، وكذا التِّرمذي.