فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 11127

76 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ؛ وفي رواية هو ابن عبد الله المشهور بابن أبي أويس ابن أخت مالك، وأبو أويس ابن عم مالك، وقد مرَّ في باب «تفاضل أهل الإيمان» [خ¦22] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس إمام دار الهجرة.

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم مدنيون، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلف هنا، وفي «الصلاة» [خ¦493] ، وفي «الحج» [خ¦1857] ، وفي «المغازي» [خ¦4412] ، وأخرجه مسلم في «الصلاة» ، وأخرجه أبو داود، والترمذي وابن ماجه فيها أيضًا، وأخرجه النسائي فيها، وفي «العلم» .

(قَالَ) ؛ أي إنَّه قال (أَقْبَلْتُ) ؛ حال كوني، (رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ) بالتنوين، وقوله (أَتَانٍ) صفة للحمار، أو بدل منه، إما بدل الغلط، وإما بدل البعض من الكل، إذ قد يطلق الحمار على الجنس فيشمل الذكر والأنثى، أو بدل الكل من الكل كقوله تعالى {شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} [النور 35] . وروي بالإضافة

ج 1 ص 503

أي حمار هذا النوع وهو الأتان وهو بفتح الهمزة وشذ كسرها، كما حكاه الصغاني، الأنثى من الحمير، ولا يقال أتانة وإن كان حكاه يونس، ولماَّ كان الحمار شاملًا للذكر والأنثى خصصه بقوله «أتان» .

وقال الكرماني ما حاصله إنه لم يقل على حمارة فيستغني عن لفظ «أتان» ؛ لأن التاء في حمارة يحتمل أن تكون للوحدة، وأن تكون للتأنيث، فلا يكون نصًا في أنوثته.

وقال محمود العيني (والأحسن أن يقال إن الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين كما قاله الصغاني، فلو قال على حمارة ربما كان يُفهم أنه أقبل على فرس هجين، وليس الأمر كذلك، على أن الجوهري حكى أن الحمارة في الأنثى شاذة) ، وذكر ابن الأثير (أن فائدة التنصيص على كونها أنثى الاستدلال بطريق الأولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة؛ لأنهن أشرف) ، وعورض بأن العلة ليست مجرد الأنوثة فقط، بل الأنوثة بقيد البشرية؛ لأنها مظنة الشهوة، ومحل هذه المسألة الفقه.

(وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ) ؛ أي قاربت، يقال ناهز الصبي البلوغ إذا داناه وقاربه، ونهز الشيء قرب، وقيل المناهزة المبادرة، والنُّهزة _ بالضم _ الفرصة، ونهزت الشيء دفعته، ونهزت إليه نهضت إليه، (الاِحْتِلاَمَ) ؛ أي البلوغ الشرعي، وهو مشتق من الحُلم _ بالضم _ وهو ما يراه النائم.

واختلف في سن ابن عباس رضي الله عنهما عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقيل عشر، وقيل ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة، ويؤيد الثاني قول الزهري إنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وأما الثالث فقد قال أحمد هذا هو الصواب، والله أعلم.

(وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِمِنًى) ؛ مقصور موضع بمكة تذبح فيه الهدايا وترمى فيه الجمرات. قال الجوهري (هو مذكر منصرف، قيل لأنه علم للمكان فلم) يوجد فيه شرط المنع، وقال النووي فيه لغتان الصرف والمنع، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، سمي هذا الموضع بمنى؛ لِما يمنى بها من الدماء؛ أي يراق.

(إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) ؛ أي متوجهًا إلى غير جدار؛ أي إلى غير سترة أصلًا كما قاله الشافعي، قيل [1] إن قوله «إلى غير جدار» وإن كان لا ينفي شيئًا غيره يستره، لكن سياق الكلام يدل عليه؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ (( والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة ليس شيء يستره ) ).

(فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ) ؛ أي قدَّامه؛ لأن الصف لا يدَ له، فيكون مجازًا، وبعض الصف يحتمل

ج 1 ص 504

أن يكون المراد به صفًا من الصفوف، وأن يكون بعضًا من أحد الصفوف.

(وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ) ؛ أي تأكل وترعى، فجملة «ترتع» برفع العين حال مقدرة؛ أي أرسلتها مقدرًا رتوعها، وجُوِّز أن يكون المراد لترتع، فلما حذف اللام رفع الفعل المضارع كقوله تعالى {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر 64] .

وقيل معناه تسرع في المشي، وجاء كسر العين على وزن تفتعل من الرعي، وأصله ترتعي حذفت الياء تخفيفًا، والأول أصوب، ويدل عليه رواية المصنف في «الحج» [خ¦1857] (( أقبلت أسير على أتان لي حتى صرت بين يدي الصف، ثم نزلت عنها فرتعت ) ).

(وَدَخَلْتُ الصَّفَّ) وفي رواية بالفاء وبـ «في» ، (فَلَمْ يُنْكَرْ) بصيغة المجهول (ذَلِكَ عَلَيَّ) أي لم ينكره عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيره.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن العلماء جوزوا المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن سترة برواية ابن عباس هذه، وابن عباس رضي الله عنه تحمَّل هذا في حال الصبي، فعلم منه قبول سماع الصبي إذا أداه بعد البلوغ، فإن قلت ليس في الحديث سماع الصبي والترجمة في السماع. فالجواب أن المقصود من السماع هو وما يقوم مقامه كتقرير الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألتنا لمروره، فإن قلت عقد الباب على الصبي الصغير، أو الصغير فقط على ما في بعض النسخ، والمناهز للاحتلام ليس صغيرًا، فما وجه المطابقة؟ فالجواب أن المراد من الصغير غير البالغ، وذكره مع الصبي من باب التوضيح والبيان، ويحتمل أن يكون لفظ «الصغير» متعلقًا بقصة محمود، ولفظ «الصبي» متعلقًا بهما معًا.

قيل ذِكْرُ المناهزة يقتضي تأكيد الحكم وهو عدم بطلان الصلاة بمرور الحمار؛ لأنه استدل على ذلك بعدم الإنكار، وعدم الإنكار على من هو في مثل هذا السن أدل على هذا الحكم، فإنه لو كان في سن عدم التمييز؛ لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه؛ لعدم مؤاخذته لصغر سنه، فعدم الإنكار دليل على جواز المرور، والجواز دليل على عدم فساد الصلاة.

ثم في الحديث فوائد منها جواز سماع الصغير، وضبطه السنِّ، والتحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء كما تقدَّم، ويلحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكافر.

ومنها قيام حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره مقام حكاية قوله، ومنها إجازة مَن عَلِمَ الشيء صغيرًا وأدَّاه كبيرًا كصبي شهد بشيء علِمَه قبل بلوغه بعد أن يكبُرَ ويبلغ، ولا خلاف فيه، وأخطأ من حكى فيه خلافًا، وكذا الفاسق والكافر إذا أديا حال الكمال. ومنها احتمال

ج 1 ص 505

بعض المفاسد؛ لمصلحة أرجح منها، فإن المرور أمام المصلين مفسدة، والدخول في الصلاة وفي الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار، ولا يقال منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نفى الإنكار مطلقًا، فتناول ما بعد الصلاة أيضًا، وأيضًا فكأن الإنكار يمكن بالإشارة أو التسبيح، ومنها جواز الركوب إلى صلاة الجماعة، ومنها جواز التقدم إلى القعود لسماع الخطبة والخطيب يخطب إذا لم يضرَّ بأحد من الناس، ولم يتخطى رقابهم، ومنها أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، وعليه بَوَّبَ أبو داود في (( سننه ) )، وما ورد من قطع ذلك فهو محمول على قطع الخشوع، ومنها صحة صلاة الصبي، ومنها أنه إذا فعل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولم ينكره فهو حجة، ومنها جواز إرسال الدابة من غير حافظ أو مع حافظ غير مكلف، ومنها ما قاله ابن بطال وأبو عمر والقاضي عياض من أنه دليل على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وكذا بوَّب عليه البخاري [خ¦493] ، وحكى ابن بطال وأبو عمر فيه الإجماع قالا وقد قيل في الإمام نفسه سترة لمن خلفه، وسيأتي بسط الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

[1] في هامش الأصل (( عسقلاني وعيني والقسطلاني ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت