77 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو البيكندي أبو أحمد، نص عليه البيهقي وغيره، وقد مرَّ في باب «ما كان النبي يتخولهم» [خ¦68] ، وليس هو الفريابي، إذ ليست له رواية عن أبي مسهر.
(قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ) ؛ بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء، هو عبد الأعلى بن مُسهِر الغساني [1] الدمشقي، قيل ما رأى أحد في كورة من الكور أعظم قدرًا ولا أجلَّ عند أهلها من أبي مُسهر بدمشق، كان إذا خرج إلى المسجد اصطف الناس يسلمون عليه، ويقبلون يده، وكان شيخ الشاميين في زمانه، وحمله المأمون إلى بغداد في أيام المحنة، فجُرِّد للقتل على أن يقول بخلق القرآن فأبى، ومد رأسه إلى السيف، فلما رأوا ذلك منه حُمل إلى السجن، فمات ببغداد سنة ثمان عشرة ومائتين، ودفن بباب التِّين.
قال يحيى بن معين (منذ خرجت من باب الأنبار إلى أن رجعت ما رأيت مثل ابن [2] مُسهر) ، وقد لقيه البخاري وسمع منه شيئًا يسيرًا،
ج 1 ص 506
وحدث عنه هنا بواسطة، وذكر ابن المرابط فيما نقله ابن رُشَيد أن أبا مسهر تفرد برواية هذا الحديث، وليس كما قال؛ فإن النسائي رواه في «سننه الكبرى» عن محمد بن المصفى، عن محمد بن حرب.
وأخرجه البيهقي في «المدخل» من رواية ابن جَوْصا _ بفتح الجيم والصاد المهملة _ عن سلمة بن الخليل وابن التَّقِي _ بفتح المثناة الفوقية وكسر القاف _ كلاهما عن محمد بن حرب، فهؤلاء ثلاثة غير أبي مُسهر، فكأنه المنفرد به عن الزُّبيدي.
(قَالَ حَدَّثَنِي) ؛ بالإفراد، وفي رواية (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين وباء موحدة، هو الأبرش الذي يكون فيه نكت صغار تخالف سائر لونه، الخَوْلَانِي الحمصي، أبو عبد الله، سمع الأوزاعي وغيره، وولي قضاء دمشق وهو ثقة، مات سنة أربع وسبعين ومئة.
(قَالَ حَدَّثَنِي) ؛ بالإفراد، (الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وبالموحدة المفتوحة نسبة إلى زُبيد، قبيلة من مَذْحج _ بفتح الميم وسكون الذال المعجمة _ هو أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الشامي الحمصي، قاضيها الثقة الكبير، المفتي الكبير، روى عن مكحول والزهري وغيرهما، وعنه محمد بن حرب، ويحيى بن حمزة، وهو أثبت أصحاب الزهري، قال أقمت مع الزهري عشر سنين بالرصافة، وقال محمد بن عون (هو من ثقات المسلمين، فإذا قال الزبيدي عن الزهري، فاستمسك به) ، قال محمد بن سالم (أتيت الزهري أسمع منه فقال تسألني ومحمد بن الوليد بين أظهركم) ؟ مات بالشام سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة، وهو شاب على ما قاله أحمد بن محمد ابن عيسى البغدادي، وقال ابن سعد مات وهو ابن سبعين سنة، روى له الجماعة.
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) ؛ محمد بن مسلم بن شهاب، (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) ؛ بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن سراقة الأنصاري الخزرجي أبي نعيم، وقيل أبي محمد، وهو ختن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما نزل بيت المقدس، ومات بها، سنة تسع وتسعين، عن ثلاث وتسعين سنة.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ومنها أن رواته إلى الزهري شاميون، ومنها أن هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وقد أخرج متنه المؤلف هنا، وفي «الطهارة» [خ¦189] ، وفي «الدعوات» [خ¦6354] ، وأخرجه النسائي في «العلم» ، وفي «اليوم والليلة» ،
ج 1 ص 507
وأخرجه ابن ماجه في «الطهارة» .
(قَالَ) أي إنه قال (عَقَلْتُ) بفتح القاف من باب ضرب؛ أي عرفت أو حفظت (مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَجَّةً) مفعول عقلت (مَجَّهَا) أي تلك المجة، فهو مفعول مطلق لـ «مج» ، من مج الشراب من فِيْه إذا رمى به، وقال أهل اللغة المج إرسال الماء من الفم مع نفخ، وقيل لا يكون مجًا حتى يباعد به، وكذلك مج لعابه، والمُجاجة والمُجاج _ بالضم _ الريق الذي تمجه من فِيْك، ومجاجة الشيء أيضًا عصارته، ويقال إن المطر مجاج المزن، والعسل مجاج النحل. والمجاج أيضًا اللبن؛ لأن الضرع تمجه، والتركيب يدل على رمي الشيء بسرعة.
(فِي وَجْهِي) ؛ حال من الضمير، وقوله (وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ) جملة اسمية وقعت حالًا إما من تاء «عقلت» ، أو من ياء في و «جهي» فتوجه (مِنْ) ماء (دَلْوٍ) زاد النسائي (( معلَّق ) )، ولابن حبان (( معلقة ) )، والدلو يذكر ويؤنث، وللمصنف في «الرقاق» من رواية معمر [خ¦6422] (( من دلو كانت في دارهم ) )وله في «الطهارة» [خ¦189] و «الصلاة» [خ¦1185] وغيرهما (( من بئر ) )بدل (( دلو ) )، ويجمع بينهما بأن الماء أخذ بالدلو من البئر، وتناوله النبي صلى الله عليه وسلم من الدلو، وإنما فعله صلى الله عليه وسلم على وجه المداعبة، أو ليبارك عليه كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مع أولاد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن العلماء استدلوا على إباحة مجِّ الريق على الوجه إذا كان فيه مصلحة، وعلى طهارته، وغير ذلك برواية محمود بن الربيع هذه، فدل على أن سماع الصغير صحيح والترجمة فيه.
بل مطابقة هذا الحديث للترجمة أشد من مطابقة حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فإن من ناهز الاحتلام لا يسمى صغيرًا عرفًا، ومحمود بن الربيع أخبر بذلك، وقد سمعه، وهو ابن خمس سنين.
ثم إنه استدل بعضهم بهذا الحديث على تسميع من يكون ابن خمس، ومن كان دونها يكتب له حضر، وليس في الحديث ولا في تبويب البخاري ما يدل عليه، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب سمع وإن كان دون خمس وإلا فلا.
وقال ابن رُشَيد الظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك، لا أن بلوغها شرط لابد من تحققه، وقريب منه ضبط الفقهاء سن التمييز بست أو سبع، والراجح أنها مظنة لذلك لا تحديد، ومن أقوم ما يتمسك به في أن المردَّ في ذلك
ج 1 ص 508
إلى الفهم، وهو يختلف باختلاف الأشخاص ما أورده الخطيب من طريق أبي عاصم قال ذهبت بابني وهو ابن ثلاث سنين إلى ابن جريج فحدثه، قال أبو عاصم ولا بأس بتعليم الصبي الحديث والقرآن وهو في هذا السن؛ يعني إذا كان فهيمًا، وقصة أبي بكر بن المقرئ الحافظ في تسميعه لابن أربع بعد أن امتحنه بحفظ سور من القرآن مشهورة، وقد تقدمت في أول الباب [خ¦76] ، وليس في الصحيحين ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد التقييد بالسن عند التحمل في شيء من الطرق إلا في طريق الزُّبيدي هذه، وهو من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهري، حتى قال الوليد بن مسلم كان الأوزاعي يفضله على جميع من سمع من الزهري، وقال أبو داود ليس في حديثه خطأ.
وقد وقع عند الطبراني والخطيب في «الكفاية» من طريق عبد الرحمن بن نَمِر _ بفتح النون وكسر الميم _ عن الزهري قال حدثني محمود بن الربيع، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس سنين، فأفادت هذه الرواية أن الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر ابن حبان وغيره أنه مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، وهو مطابق لهذه الرواية. وذكر القاضي عياض في «الإلماع» وغيره أن في بعض الروايات أنه كان ابن أربع.
وقال الحافظ العسقلاني ولم أقف على هذا صريحًا في شيء من الروايات بعد التتبع التام، فكان ذلك مأخوذ من قول أبي عمر صاحب «الاستيعاب» إنه عقل المجة وهو ابن أربع سنين أو خمس، وكأن الحامل له على ذلك التردد قول الواقدي إنه كان ابن ثلاث وتسعين لما مات، والأول أولى بالاعتماد؛ لصحة إسناده، على أن قول الواقدي يمكن حمله إن صح على أنه ألغى الكسر وجبره غيره، والله أعلم.
ثم إنه قد اعترض المهلب بن أبي صفرة على البخاري بأنه ذكر حديث محمود بن الربيع، ولم يذكر هنا حديث ابن الزبير أنه رأى أباه يختلف إلى بني قريظة ويراجعهم، ففيه السماع منه، وكان سنه إذ ذاك ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمود، وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء، فكان ذكره حديث ابن الزبير أولى لهذين المعنيين.
وأجاب عنه ابن المُنيِّر بأن
ج 1 ص 509
البخاري_ رحمه الله _ إنما أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سنة مقصودة في كون النبي صلى الله عليه وسلم مجَّ مجَّة في وجهه لإفادة البركة، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية يثبت بها كونه صحابيًا. وأما قصة عبد الله بن الزبير فليس فيهما نقل سنة من السنن النبوية حتى تدخل في هذا الباب، ثم أنشد
~وصاحِبُ البيتِ أدرَى بالَّذي فيهِ
انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني (وهو جواب مسدد، وتكملته أن المقصود بلفظ السماع في الترجمة هو أو ما ينزل منزلته من نقل الفعل أو التقرير) .
وغفل البدر الزركشي وقال في «تنقيحه» (يحتاج المهلب إلى ثبوت أن قصة ابن الزبير صحيحة على شرط البخاري) . انتهى، ووجه الغفلة أن البخاري رحمه الله قد أخرج قصة ابن الزبير المذكورة في «مناقب الزبير» في «الصحيح» [خ¦3720] ، فالإيراد موجَّه وقد حصل جوابه، والعجب من متكلم على كتاب يغفل عما وقع فيه في المواضع الواضحة، ويعترض بما يُومئ إلى نفي وروده فيه، والله أعلم.
ثم في الحديث فوائد منها تبريك النبي صلى الله عليه وسلم على أولاد الصحابة رضي الله عنهم، وقد جاء في الرواية أنه عليه الصلاة والسلام كان يحنِّك الصبيان بأن يأخذ التمرة ويمضغها ويجعلها في فِيِّ الصبي، ويحنك بها حنكيه بالسبابة حتى يتحلل في حلقه، وكانت الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على ذلك إرادة بركته صلى الله عليه وسلم لأولادهم، كما رأوا بركته في المحسوسات والأجرام من تكثير الماء بمجه في العزلاوين، وفي بئر الحديبية، ومنها جواز سماع الصغير وضبطه بالسن، ومنها جواز مداعبة الصبي إذ داعبه النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ ماء من الدلو، فمجه في وجهه على ما قاله التيمي.
[1] في هامش الأصل الغساني نسبة إلى غسان ماء بالمشلل قريب من الجحفة، والذين شربوا منه تسموا به وهم من ولد مازن بن الأزد. منه.
[2] كذا في الأصل، والصواب (( أبي ) ).