فهرس الكتاب

الصفحة 1454 من 11127

917 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) وفي رواية سقط «ابن سعيد» (قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ) منون غير مضاف (الْقَارِيُّ) بالقاف والمثناة المشددة من غير همز، نسبة إلى القارة وهي قبيلة (الْقُرَشِيُّ) لأنَّه حليف بني زهرة من قريش، ويقال له المدنيُّ أيضًا؛ لأنَّ أصله من المدينة، وفي رواية سقط لفظ «القرشي» .

(الإِسْكَنْدَرَانِيُّ) لأنَّه سكن فيها، ومات بها سنة إحدى وثمانين ومائة (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ) بالحاء المهملة وبالزاي، واسمه سلمة بن دينار الأعرج (أَنَّ رِجَالًا) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على أسمائهم.

(أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بإسكان الهاء والعين (السَّاعِدِيَّ) رضي الله عنه (وَقَدِ امْتَرَوْا) من الامتراء جملة حالية؛ أي حال كونهم شاكِّين أو مجادلين.

قال الرَّاغب الامتراء والمماراة المجادلة، ومنه قوله تعالى {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} [الكهف 22] ، وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عند مسلم (( تماروا ) )أي تجادلوا.

(فِي الْمِنْبَرِ) النَّبوي (مِمَّ عُوْدُهُ؟) أي من أيِّ شيءٍ هو (فَسَأَلُوهُ) أي سهل بن سعد رضي الله عنه (عَنْ ذَلِكَ) الممتري فيه (فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ) بثبوت ألف «ما» الاستفهامية المجرورة على الأصل وهو قليلٌ، وهي قراءة عبد الله وأُبيٍّ في قوله تعالى (( عمَّا يَتَسَاءَلُونَ ) ) [عم 1] والجمهور على الحذف وهو المشهور، وإنَّما أتى بالقسم مؤكَّدًا بالجملة الاسميَّة، وبكلمة «أنَّ» التي للتَّحقيق، وبلام التَّأكيد لإرادة التَّأكيد فيما قاله للسَّامع.

(وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) أي المنبر (أَوَّلَ) أي في أوَّل (يَوْمٍ وُضِعَ) في موضعه، وهو زيادةٌ على السُّؤال، وكذا قوله (وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفائدة هذه الزِّيادة المؤكَّدة باللام، وكلمةُ «قد» إعلامهم بقوَّة معرفته بما سألوه عنه، ثمَّ استأنف الكلام بيانًا للمرام فقال (أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فُلاَنَةَ) بعدم الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة؛ لأنَّه كنايةٌ عن اسم المؤنث، كما أنَّ فلانًا كناية عن اسم المذكر.

ج 5 ص 80

(امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) بدل من فلانة (قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ) قيل اسمها عائشة الأنصاريَّة، وقيل مِينا _ بالميم المكسورة _ (مُرِي) أمرٌ من الأمر للمؤنث (غُلاَمَكِ النَّجَّارَ) بالنصب على أنَّه صفة الغلام، وقد سمَّاه عبَّاس بن سهل بأنَّه ميمون، كما عند قاسم بن أصبغ، أو إبراهيم في «الأوسط» للطبرانيِّ.

أو باقول _ بالموحدة والقاف واللام _ كما عند عبد الرَّزَّاق، أو باقوم _ بالميم بدل اللام _، كما عند أبي نُعيم في «المعرفة» .

أو صُبَاح _ بضم الصاد المهملة وتخفيف الموحدة وفي آخره حاء مهملة _ كما عند ابن بشكُوال، أو قَبيصة المخزومي مولاهم، كما ذكره عمر بن شبة في «الصحابة» .

أو كلاب مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أو تميم الداريِّ، كما عند أبي داود والبيهقي، أو مينا كما ذكره ابن بشكوال، أو رومي كما عند الترمذيِّ وابن خزيمة وصحَّحاه، ويحتمل أن يكون المراد تميم الداري؛ لأنَّه كان كثير السَّفر إلى أرض الروم.

وأشبه الأقوال بالصَّواب أنَّه ميمون لكونِ الإسناد فيه من طريق سهل بن سعد، وبقيَّة الأقوال بأسانيد ضعيفة. وحمله بعضُهم على أنَّ الجميع اشتركوا في عمل المنبر، وعورض بأنَّه جاء في روايات كثيرة أنَّه لم يكن بالمدينة إلَّا نجارٌ واحدٌ.

وأُجيب بأنَّه يحتمل أن يُحملَ على واحدٍ ماهر في صناعته والبقيَّة أعوان له، والله أعلم.

(أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ) يروى بالرفع على أنَّه صفة «أعواد» أو بالجزم على أنَّه جواب للأمر (عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ، فَأَمَرَتْهُ) أي أمرتُ المرأة أن يعمل (فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ) وفي رواية سفيان عن أبي حازم (( من أثل الغابة ) ) [خ¦377] والطَّرْفاء بفتح الطاء المهملة وسكون الراء وبالفاء ممدودة، شجرٌ من أشجار البادية، واحدها طرفة مثل قصب وقصباء.

وقال سيبويه الطَّرفاء واحد وجمع، والأثْل _ بسكون المثلثة _، قال القزَّاز هو ضربٌ من الشَّجر يشبه الطَّرفاء.

وقال الخطابيُّ هو شجر الطَّرفاء؛ فعلى هذا لا منافاة بين الرِّوايتين، والغابة _ بالغين المعجمة وبعد الألف موحدة _ هي أرضٌ على تسعة أميالٍ من المدينة كانت إبلُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقيمةٌ بها للمرعى، وبها وقعت قصَّة العرنيِّين الذين أغاروا على سرحه.

وقال ياقوت بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقال الزمخشريُّ الغابة بريد من المدينة من طريق الشَّام، وفي «الجامع» كلُّ شجرٍ ملتفٍّ فهو غابةٌ، وفي «المحكم» الغابة. الأجمة التي طالت ولها أطرافٌ مرتفعةٌ باسقة.

وقال أبو حنيفة الدينوريُّ هي أجمةُ القصب، قال وقد جعلت جماعة الشَّجر غابًا مأخوذ من الغيابة، والجمع غابات وغاب.

(ثُمَّ جَاءَ) الغلام (بِهَا) بعد أن عملها (فَأَرْسَلَتْ) أي المرأة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تُعْلمه بأنَّه فرغ منها، (فَأَمَرَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِهَا) أي بوضعها(فَوُضِعَتْ هَاهُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 5 ص 81

صَلَّى عَلَيْهَا)أي على الأعواد المعمولة منبرًا.

(وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا) جملة حالية، وزاد في رواية سفيان عن أبي حازم «فقرأ» [خ¦377] (ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا) وزاد سفيان «ثم رفع رأسه» (ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى) أي رجع إلى خلفه محافظةً على استقبال القبلة.

فإن قيل يقال رجعَ القهقرى، ولا يقال نزل القهقرى؛ لأنَّه نوعٌ من الرجوع لا من النُّزول.

فالجواب أنَّه لما كان النُّزول رجوعًا من فوق إلى تحت صحَّ ذلك.

(فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ) أي على الأرض إلى جنب الدرجة السُّفلى منه (ثُمَّ عَادَ) أي إلى المنبر، وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطبرانيِّ (( فخطب الناس عليه، ثمَّ أقيمت الصلاة فكبَّر وهو على المنبر ) )فأفادت هذه الرِّواية تقدُّم الخطبة على الصَّلاة (فَلَمَّا فَرَغَ) من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الكريم (فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبيِّنًا لأصحابه حكمة ذلك (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا) بي (وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي) بكسر اللام وفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام، أصله لتتعلموا فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا.

وعرف منه أنَّ الحكمة في صلاته على المنبر أن يراه من قد يخفى عليه رؤيته إذا صلَّى على الأرض، وقال ابن حزم وبكيفيَّة هذه الصَّلاة قال أحمد والشَّافعي واللَّيث وأهل الظاهر، ومالك وأبو حنيفة لا يجيزانها، وقال ابن التين الأشبه أنَّ ذلك كان خاصَّةً له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وفي الحديث أنَّ من فعل شيئًا يخالف العادة يبيِّن حكمته لأصحابه، فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا صلَّى هذه الصلاة بهذه الكيفية بيَّن أنَّ ذلك لتلك المصلحة، فنقول إذا كان مثل ذلك لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته، ولا يكره أيضًا كما في مسألة من انفرد خلف الصَّفِّ وحده، فإنَّ له أن يجذبَ واحدًا من الصَّفِّ إليه ويصطفَّان، فإنَّ المجذوب لا تبطل صلاته ولو مشى خطوةً أو خطوتين، وبه صرَّح أصحابنا في الفقه.

وفيه أيضًا أنَّ الفعل الكثير كالخطوات وغيرها إذا تفرَّق لا يبطل الصلاة؛ لأنَّ النُّزول عن المنبر والصعود، وقد تكرَّر وجملته كثيرةٌ، ولكن أفراده المتفرِّقة كلُّ واحد منها قليلٌ.

وفيه استحباب اتِّخاذ المنبر؛ لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسَّماع منه، وفيه أيضًا جواز قصد تعليم المأمومين لأفعال الصَّلاة بالفعل وارتفاع الإمام على المأمومين وشروع الخطبة على المنبر لكلِّ خطيب، وفيه أيضًا استحباب الاستفتاح بالصلاة في كلِّ شيء جديدٍ إمَّا شكرًا وإمَّا تبركًا.

ورجال إسناد الحديث

ج 5 ص 82

ما بين بلخيٍّ، وهو شيخ المؤلف، ومدنيين وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والنسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت