918 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء المصري، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَنَسٍ) هو حفص بن عبيد الله بن أنس، وقد بيَّنه باسمه في الرِّواية المعلَّقة التي تأتي عن قريبٍ بعد [خ¦918] .
وقال الكرمانيُّ هو مجهولٌ فصار الإسناد به من باب الرواية عن المجاهيل، ثمَّ أجاب عنه بأنَّه لما كان يحيى لا يروي إلَّا عن العدل الضَّابط فلا بأس به، أو لما عُلِم في الطَّريق الذي بعده أنَّه حفص بن عبيد الله بن أنس اكتفى به.
وقال ابن مسعودٍ الدمشقيُّ في «الأطراف» إنَّما أبهم البخاريُّ حفصًا؛ لأنَّ محمد بن جعفر بن أبي كثير يقول عبيد الله بن حفص، فيقلبه.
وكذا رواه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق محمد بن مسكين، عن ابن أبي مريم شيخ البخاري فيه، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عن يحيى بن سعيد.
ولكن أخرجه من طريق أبي الأحوص محمد بن الهيثم عن ابن أبي مريم فقال عن حفص بن عبيد الله على الصَّواب، وقال الصواب فيه حفص بن عبيد الله.
وقال البخاريُّ في «تاريخه» قال بعضهم عبيد الله بن حفص ولا يصحُّ، وفي نسخة أبي ذر بتكبير العبد، وصوابه عبيد الله مصغرًا.
وحفص هذا روى له البخاريُّ ومسلم، روى عن جدِّه وجابر بن عبد الله وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، وقال أبو حاتم لا يثبت له السَّماع إلَّا من جدِّه، والله أعلم.
(أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريَّ رضي الله عنه (قَالَ كَانَ جِذْعٌ) بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة، واحد جذوع النَّخل (يَقُومُ) مستندًا (إِلَيْهِ) وفي رواية (النَّبِيُّ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إذا خطب الناس.
(فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ) أي لأجل الخطبة، وبه يطابق الحديث الترجمة (سَمِعْنَا لِلْجَذْعِ) المعهود صوتًا (مِثْل أَصْواتِ العِشَارِ) بكسر العين المهملة بعدها شين معجمة، جمع عُشَراء _ بالضم ثم الفتح _، وهي النَّاقة الحامل التي مضت لها عشرة أشهر، ولا يزال ذلك اسمها إلى أن تلد.
وفي «المطالع» العِشار النُّوق الحوامل، وقال الداوديُّ هي التي معها أولادها، وقال الخطابيُّ هي التي قاربتِ الولادة، يقال ناقةٌ عُشراء، ونُوق عِشار على غير قياس.
ونقل ابن التِّين أنَّه ليس في الكلام فُعلاء، ويجمعُ على فِعال غير نُفَساء وعُشَراء، ويجمعُ على
ج 5 ص 83
عُشَرَاوات ونُفَسَاوات.
وفي حديث أبي الزبير عن جابر عند النَّسائي في «الكبرى» (( اضطربت تلك السَّارية كحنين الناقة الخَلُوج ) )وهي بفتح الخاء المعجمة وضم اللام المخففة آخرها جيم النَّاقة التي انتُزِعَ منها ولدها، والحنين هو صوت المشتاق المتألِّم عند الفراق.
(حَتَّى نَزَلَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من المنبر (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ) فسكن، وعن الطُّفيل بن أبي كعب عن أبيه رضي الله عنهما قال كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلِّي إلى جذعٍ إذ كان المسجد عريشًا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه يا رسول الله هل لك أن نجعلَ لك منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة وتُسمِع الناس يوم الجمعة خطبتك؟ قال (( نعم ) )فصنع له ثلاثَ درجاتٍ، فلمَّا صُنِع المنبر، وُضِع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبدا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقوم فيخطب عليه فمرَّ عليه، فلمَّا جاز الجذعَ الذي كان يخطب إليه خارَ حتى تصدَّع وانشقَّ، فنزل النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا سمع صوت الجذع فمسحه بيده، ثمَّ رجع إلى المنبر.
وقيل لمَّا سكن لم يزل على حاله، فلمَّا هُدِم المسجد أخذ ذلك أبيُّ بن كعب، فكان عنده إلى أن بَلِيَ وأكلته الأرضة فعاد رفاتًا. رواه الشَّافعيُّ وأحمد وابن ماجه.
وفي رواية (( لمَّا وضع يده على الجذعِ سكن حنينه ) )وجاء في رواية أخرى (( لو لم أفعلْ ذلك لحنَّ إلى قيام السَّاعة ) ).
وحكى بعضهم أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخطبُ على منبرٍ من طينٍ قبل أن يتَّخذَ المنبر الذي من الخشب، ويردُّه الحديث الذي تقدَّم أنَّه كان يستند إلى جذعٍ إذا خطب.
ثمَّ اعلم أنَّ المنبر لم يزلْ على حاله ثلاث درجاتٍ حتَّى زاده مروان في خلافة معاوية رضي الله عنه ست درجاتٍ من أسفله.
وكان سبب ذلك ما حكاه الزُّبير بن بكار في «أخبار المدينة» بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال بعث معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة أن يحملَ المنبر إليه فأمر به فقُلع فأظلمتِ المدينة، فخرج مروان فخطبَ، فقال إنَّما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجَّارًا وكان ثلاث درجاتٍ فزاد فيه الزِّيادة التي هو عليها اليوم.
ورواه من وجهٍ آخر قال فكُسِفت الشمس حتى رأينا النُّجوم قال وزاد فيه ستَّ درجاتٍ وقال إنَّما زدت فيه حين كثر الناس.
فإن قيل روى أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا بَدَّنَ قال له تميم الدَّاري ألا أتَّخذ لك منبرًا يا رسول الله يَجْمعُ أو يحمل عظامك؟
ج 5 ص 84
قال (( بلى ) )فاتَّخذ له منبرًا مرقاتين؛ أي اتَّخذ له منبرًا درجتين، فبينه وبين ما ثبت في «الصحيح» أنَّه ثلاث درجاتٍ منافاة.
فالجواب أنَّ من قال مرقاتين لم يعتبر الدَّرجة التي كان يجلس عليها.
قال العينيُّ وقال ابن النجَّار وغيره استمرَّ على ذلك إلَّا ما أُصلِح منه إلى أن احترقَ مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترقَ، ثمَّ جدد المظفر صاحب اليمن سنة ستٍّ وخمسين وستمائة منبرًا، ثمَّ أرسل الطَّاهر بعد عشر سنين منبرًا، فأزيل منبر المظفر فلم يزل ذلك إلى هذا العصر، فأرسل الملك المؤيَّد شيخ [1] رحمه الله في سنة عشرين وثمانمائة منبرًا جديدًا، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرًا جديدًا أيضًا إلى مكَّة.
ثمَّ في الحديث عَلَم عظيم من أعلام نبوَّته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودليلٌ على صحَّة رسالته، وذلك أنَّ الله تعالى جعل للجذعِ حياة حنَّ بها، وهذا من باب الإفضال من الربِّ جلَّ جلاله الذي يُحيي الموتى بقوله {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة 117] .
وفيه ردٌّ على القدريَّة؛ لأنَّ الصِّياح ضربٌ من الكلام، وهم لا يجيزون الكلام إلَّا ممَّن له فمٌ ولسان.
(قَالَ) وفي رواية (سُلَيمَانُ) هو ابن أبي بلال، لا سليمان بن كثير؛ لأنَّ سليمان بن كثير رواه عن يحيى عن سعيد بن المسيب عن جابرٍ رضي الله عنه.
(عَن يَحْيَى) هو ابن سعيد (أَخْبَرَنِي) أي قال أخبرني بالإفراد (حَفْصُ بنُ عُبْيدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) وفي رواية ، وهذا التَّعليق وصله المؤلِّف رحمه الله في «علامات النبوة» [خ¦3585] .
[1] كذا في العمدة وفي حاشية السيوفي على سنن النسائي الملك المؤيد شيخو