927 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وبعد الألف نون، أبو إسحاق الورَّاق الأزديُّ الكوفي، مات بالكوفة سنة ست عشرة ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ) بفتح المعجمة، هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الرَّاهب المعروف بابن الغسيل الأنصاريِّ المدنيِّ، مات سنة إحدى وسبعين ومائة.
نقل المؤرِّخون أنَّه حين استشهد حنظلة بأحُدٍ قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مات حنظلة وغسَّلته الملائكة ) )فسألوا امرأته، فقالت سَمِعَ الهيعة وهو جنبٌ، فلم يتأخَّر للاغتسال.
(قَالَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عباس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ، وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ، مُتَعَطِّفًا) أي مرتديًا، يقال تعطَّفت بالعطاف؛ أي ارتديت بالرِّداء ويسمَّى الرِّداء، عطافًا؛ لوقوعه على عطفي الرَّجل وهما ناحيتا عنقه ومنكب الرَّجل عطفه.
وفي «المحكم» والجمع عُطُف، وقيل المعاطف الأردية لا واحد لها.
(مِلْحَفَةً) بكسر الميم وسكون اللام وفتح الحاء والفاء، إزارًا كبيرًا (عَلَى مَنْكِبَيْهِ) بفتح الميم وسكون النون وكسر الكاف على صيغة التثنية،
ج 5 ص 99
ويروى بالإفراد.
(قَدْ عَصَبَ) بتخفيف الصاد؛ أي ربط (رَأْسَهُ) الشَّريفة (بِعِصَابَةٍ) أي بعمامة سمِّيت عصابة؛ لأنَّها تعصب الرأس؛ أي تربطه (دَسِمَةٍ) بفتح الدال وكسر السين المهملتين، ويروى أي سوداء.
قال الخطابيُّ ليس الدَّسمة من الدسم الذي هو لطخ الودك ونحوه؛ لأنَّه لا يليق أن يمسَّ رأسه وجبينه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنَّما أراد بالدَّسمة السَّوداء، وقيل لونها لون الدَّسَم كالزيت وشبهه من غير أن يخالطها شيءٌ من الدسم، وقيل متغيِّرة اللون من الطيب والغالية.
وزعم الدَّاوديُّ أنَّها على ظاهرها من عرقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المرض، وقال ابن دريد الدَّسمة غبرة فيها سواد.
(فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهله (ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ) بتشديد الياء متعلق بمحذوف؛ أي تقرَّبوا إليَّ (فَثَابُوا) بالمثلثة والموحدة؛ أي اجتمعوا إليه ورجعوا بالمبادرة، ومنه قوله تعالى {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً} [البقرة 125] أي مرجعًا ومجتمعًا.
(ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ) أي بعد الحمد والثَّناء (فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ) وهم الذين نصروا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهل المدينة حين قَدِمها (يَقِلُّونَ) بكسر القاف من القلَّة، وفي رواية .
(وَيَكْثُرُ النَّاسُ) غيرهم، وهذا من إخباره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالغيب معجزة له، فإنَّ الأنصار قلُّوا وكثر النَّاس، كما قال (فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ) أي في الذي وليه (أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ) الحسنة (وَيَتَجَاوَزْ) بالجزم عطفًا على سابقه؛ أي وليعفُ (عَنْ مُسِيِّهِمْ) السيئة في غير الحدود.
وهذا من جوامع الكلم؛ لأنَّ الحال منحصرٌ في الضَّرِّ والنَّفع، والشَّخص في المحسن والمسيء، وفي الحديث أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد المبالغة في الموعظة طلع المنبر.
وفيه الخطبة بالوصية، وفيه فضيلة الأنصار، وفيه البداءة بالحمدِ والثَّناء، وفيه أنَّ الخلافة ليست في الأنصار، إذ لو كانت فيهم لأوصاهم ولم يوصِ بهم.
ورجال إسناد هذا الحديث ما بين كوفيٍّ وهو شيخ المؤلِّف ومدني وهم البقية وشيخه من أفراده، وقد أخرج متنه المؤلف في «علامات النبوة» أيضًا [خ¦3628] ، وأخرجه الترمذي في «الشمائل» .