81 - (حدَّثنا مسدَّدٌ) ؛ بضم الميم وفتح السين والدال المهملتين، هو ابن مسرهد، وقد تقدم [خ¦13] ، (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيد القطان وقد مرَّ [خ¦13] (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، والكل بصريون، وبهذا الترتيب وقع في باب «الإيمان أن يحب لأخيه. .. إلى آخره» [خ¦13] ، وفيه تحديث وعنعنة، وقد أخرجه مسلم في «القدر» ، وأخرجه الترمذي في «الفتن» ، وقال حسن صحيح، وأخرجه النسائي في «العلم» ، وفي «الفتن» .
(عَنْ أَنَسٍ) أي كما في رواية الأَصيلي (قَالَ لأُحَدِّثَنَّكُمْ) بفتح اللام وبالنون المشددة جواب قسم محذوف؛ أي والله لأحدثنكم، وقد صرح به أبو عَوانة عن هشام عن قتادة، وفي رواية مسلم عن غُندر عن شعبة (( ألا أحدثكم ) )فيحتمل أن يكون قال لهم أولًا ألا أحدثكم، فقالوا نعم، فقال لأحدثنكم.
(حَدِيثًا لاَ يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي) وفي رواية مسلم (( لا يحدث أحد بعدي ) )بحذف المفعول، وفي رواية البخاري من طريق هشام (( لا يحدثكم [به] غيري ) ) [خ¦5577] ، وفي رواية أبي عَوانة من هذا الوجه (( لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، وفي رواية ابن ماجه عن غُندر عن شعبة (( لا يحدثكم به أحد بعدي ) ).
فإن قيل من أين عرف أنس رضي الله عنه أن أحدًا لا يحدثه بعده؟، فالجواب أنه لعله عرفه بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم له، أو قاله بناء على ظنه أنه لم يسمع الحديث غيره من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن بطال (يحتمل أن أنسًا رضي الله عنه قال ذلك؛ لأنه لم يبقَ أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره؛ لأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة) ، قال الحافظ العسقلاني (فلعل الخطاب بذلك كان لأهل البصرة، أو كان عالمًا وكان تحديثه بذلك في آخر عمره؛ لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم إلا النادر) ، هذا وقال ابن بطال أيضًا(أو قاله لما رأى من التغيُّر ونقص
ج 1 ص 530
العلم، فوعظهم بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في نقص العلم أنه من أشراط الساعة؛ ليحضهم على طلب العلم، ثم أتى بالحديث على نصه).
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر (صلى الله عليه وسلم يَقُولُ مِنْ) وفي رواية (أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ) بكسر القاف من القلة.
فإن قيل إن قلة العلم تقتضي بقاء شيء منه، وفي الحديث السابق (( يرفع العلم ) ) [خ¦80] وكذا في «الحدود» [خ¦6808] و «النكاح» [خ¦5231] عنده، وكذا في رواية مسلم، وكذا في رواية سعيد عند ابن أبي شيبة، والرفع يقتضي عدم بقائه فبينهما منافاة، فالجواب أن القلة قد تطلق ويراد بها العدم، أو كان ذلك باعتبار الزمانين بأن تكون القلة في ابتداء ظهور الأشراط، والعدم في انتهائه، ولهذا قال ثمة يثبت الجهل، وهنا يظهر الجهل، قال الحافظ العسقلاني (والأول أولى؛ لاتحاد المخرج) .
(وَ) أن (يَظْهَرَ الْجَهْلُ وَ) أن (يَظْهَرَ الزِّنَا وَ) أن (تَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ) وذلك بسبب تلاحم الفتن، وقتل الرجال فيها، فيكثر النساء؛ لأنهم أهل الحرب دونهن، وبقلتهم وكثرتهن يكثر الفساد والجهل كما ورد في المواضع الأخر، ويكفي كثرتهن في قلة العلم وظهور الجهل والزنا؛ لأن النساء حبائل الشيطان، وهن ناقصات عقل ودين، كذا قال القاضي عياض والنووي.
وقال أبو عبيد الملك (هو إشارة إلى كثرة الفتوح فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوآت) .
وقال الحافظ العسقلاني (فيه نظر؛ لأنه صرح بالعلة في حديث أبي موسى الآتي في الزكاة عند «المصنف» [خ¦1414] فقال(( من قلة الرجال وكثرة النساء ) )، والظاهر أنها علامة محضة لا بسبب آخر).
وتعقبه محمود العيني بأنه ليس في الحديث الآتي شيء من التنبيه على العلة لا صريحًا ولا دلالة، وإنما معنى قوله (( من قلة الرجال وكثرة النساء ) )مثل معنى قوله (( وتكثر النساء ويقل الرجال ) )والعلة لهذا لا تطلب إلا من خارج.
وقد ذكروا هذين الوجهين، ويمكن أن يقال يكثر بتقدير الله تعالى في آخر الزمان ولادة الإناث، وتقل ولادة الذكور، فيرفع العلم، ويظهر الجهل بسبب ذلك.
(حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ) بفتح القاف وتشديد الياء التحتانية، هو القائم بأمور النساء، وكذلك القيام والقوام، يقال فلان قوام أهل بيته وقيامه؛
ج 1 ص 531
أي الذي يقيم شأنهم، وقوام الأرض ملاكه الذي يقوم به، وإنما أتى بلام التعريف وكان الظاهر أن يقال قيم واحد إشعارًا بما هو معهود من كون الرجال قوامين على النساء، ثم إن هذا العدد يحتمل أن يراد به حقيقته، وأن يراد به الكثرة مجازًا.
ويؤيد الثاني ما في حديث أبي موسى (( وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة ) ) [خ¦1414] ، ولعل السر فيه على التقدير الأول أن الأربعة هي كمال نصاب الزوجات، فاعتبر الكمال مع زيادة واحدة؛ ليصير فوق الكمال مبالغة في الكثرة، أو لأن الأربعة منها يمكن تآلف العشرة؛ لأن فيها واحد أو اثنين وثلاثة وأربعة، وهذا المجموع عشرة، ومن العشرات المئات، ومن المئات الألوف، فهي أصل جميع مراتب الأعداد، فزيد فوق الأصل واحد آخر، ثم اعتبر كل واحد منها بعشر أمثالها أيضًا تأكيدًا للكثرة، ومبالغة فيها، وقد تقرر مثله في قوله تعالى {مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج 4] .
هذا وقال أبو عبد الله القرطبي في «التذكرة» (يحتمل أن يراد بالقيِّم من يقوم عليهن، سواء كن موطوآت أو لا، ويحتمل أن يكون ذلك يقع في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول الله الله، فيتزوج الواحد بغير عدد جهلًا بالحكم الشرعي) ، وقال الحافظ العسقلاني (وقد وجد ذلك في بعض التركمان وغيرهم من أهل هذا الزمان مع ادعائهم الإسلام) .
وخصت هذه الأشياء الخمسة بالذكر؛ لكونها مشعرة باختلال الأمور التي بحفظها ورعايتها صلاح المعاش والمعاد، ونظام أحوال الدارين في جميع الأديان، وهي الدين والعقل، والنفس والنسب والمال، فرفع العلم يخل بحفظ الدين، وشرب الخمر يخل بالعقل وبالمال أيضًا، وقلة الرجال بسبب الفتن تخل بالنفس والمال، وظهور الزنا يخل بالنسب، وكذا بالمال غالبًا.
قال الكرماني (وإنما كان اختلال هذه الأمور من علاماتها؛ لأن الخلائق لا يتركون سدى، ولا نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، فتعين خراب العالم وقرب يوم القيامة) .
وقال القرطبي في «المفهم شرح صحيح مسلم» (في هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، إذ أخبر عن أمور ستقع، فوقعت خصوصًا في هذه الأزمان، والله المستعان) .