951 - (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهال السُّلَمي الأنماطي البصريُّ، وقد تقدَّم في آخر كتاب «الإيمان» [خ¦55] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زُبَيْدٌ) بضم الزاي
ج 5 ص 168
وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية وفي آخره دال مهملة، ابن الحارث اليامي الكوفيُّ، وكلُّ ما في البخاريِّ «زُبيد» فهو بالباء الموحدة، وكل ما في «الموطأ» فهو بالمثناة التحتية ذكره العينيُّ.
(قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة، عامر بن شراحيل (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ.
وقد أخرج متنه المؤلف في «العيدين» [خ¦965] و «الأيمان والنذور» [خ¦6673] وأخرجه مسلم في «الذبائح» ، وأبو داود في «الأضاحي» ، وكذا الترمذي وأخرجه النسائي في «الصلاة» و «الأضاحي» .
(قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ) جملة حالية، وقيل أحد مفعولي «سمعت» وهو على مذهب الفارسيِّ، والصَّحيح أنَّه لا يتعدَّى إلَّا إلى مفعولٍ واحدٍ.
(فَقَالَ إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا) أي ، كما في رواية (هَذَا) يوم عيد النحر (أَنْ نُصَلِّيَ صَلَاةَ العِيْدِ) أي أوَّل ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصَّلاة التي بدأنا بها، فعبَّر بالمستقبل عن الماضي، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ نَرْجِعَ) بالنصب عطفًا على «نصلِّي» ، وبالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف تقديره ثمَّ نحن نرجعُ (فَنَنْحَرَ) بالوجهين، وفي رواية محمد بن طلحة عن زُبيد الآتية إن شاء الله تعالى في هذا الحديث بعينه خرج صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أضحى إلى البقيع فصلَّى ركعتين، ثمَّ أقبل علينا بوجهه، وقال (( إنَّ أوَّل نُسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصَّلاة، ثمَّ نرجع فننحر ) ) [خ¦976] .
وقد رُوي أنَّ أوَّل صلاة عيد النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، ذكره القسطلانيُّ.
(فَمَنْ فَعَلَ) أي الابتداء بالصلاة ثمَّ النحر (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) قال الزَّين ابن المُنيِّر فيه إشعارٌ بأنَّ الصَّلاة ذلك اليوم هي الأمر، وأمَّا ما سواهما من الخطبة والنَّحر، وغير ذلك من أعمال البرِّ؛ فبطريق التبع، وهذا القدر مشتركٌ بين العيدين، وبذلك يحصل المناسبة بين الحديث والتَّرجمة كما سبق.
ثمَّ إنَّ ظاهر الحديث أنَّ صلاة العيد سنةٌ ولكنَّها مؤكَّدة، وهو قول الشافعيِّ، وقال الإصطخريُّ من أصحابه فرض كفاية، وبه قال أحمد ومالك في رواية وابن أبي ليلى. والصَّحيح عن مالكٍ أنَّ قوله كقول الشافعي.
وعند أبي حنيفة وأصحابه واجبةٌ على الأعيان، قال صاحب «الهداية» وتجب صلاة العيد على كلِّ من تجب عليه الجمعة.
وفي «مختصر» أبي موسى الضرير هي فرض كفاية، وكذا قال في الغزنوي، وفي «الغنية» قيل هي فرضٌ، ونقل القرطبيُّ عن الأصمعي أنَّها فرضٌ.
واختُلف فيمن يُخاطب بالعيد؛ فروى ابن القاسم عن مالك إذا كان في القرية عشرون رجلًا أرى أن يصلُّوا العيدين.
وروى ابن نافعٍ عنه أنَّه ليس ذلك إلَّا على من يجب عليه الجمعة وهو قول الليث، وأكثر أهل العلم فيما حكاه ابن بطَّال، وقال الأوزاعي من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد.
وقال ابن القاسم وأشهب إن شاء من لا يلزمهم الجمعة أن يصلُّوها بإمامٍ فعلوا ولكن لا خطبة عليهم، فإن خطب فحسنٌ، وحجَّة أصحابنا في الوجوب مواظبة النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير تركٍ، واستدلَّ شيخ الإسلام على وجوبها بقوله تعالى وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ
ج 5 ص 169
عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة 185] ، قيل المراد صلاة العيد، والأمر للوجوب.
وقيل في قوله تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر 2] أنَّ المراد به صلاة عيد النحر فتجب للأمر به، واستدلَّ المالكيَّة والشافعيَّة بحديث الأعرابي في «الصحيحين» هل علي غيرها؟ قال (( لا إلَّا أن تطوَّع ) ) [خ¦46] ، وحديث (( خمس صلوات كتبهنَّ الله في اليوم والليلة ) ).
والجواب عن الأوَّل أنَّ المراد بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا شيء عليك غيرها من الفرائض العينيَّة، وصلاة العيد ليست كذلك.
وعن الثَّاني بأنَّ المراد به الصَّلوات المتكرِّرة كل يوم، وصلاة العيد ليست منها أيضًا.
واستدلَّ الحنابلة بقوله تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر 2] ، وهو يدلُّ على الوجوب، وحديث الأعرابيِّ يدلُّ على أنَّها لا تجب على كلِّ واحدٍ، فتعيَّن أن تكون فرضًا على الكفاية، وجوابه ظاهر مما أُجيب به عن استدلال المالكية والشافعية.
وفي الحديث أيضًا أنَّ الخطبة بعد الصلاة.
وقد روى البخاريُّ ومسلم عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يصلُّون العيد قبل الخطبة.
وقال ابن بطَّال في الحديث أنَّ صلاة العيد سنة وأنَّ النحر لا يكون إلَّا بعد صلاة العيد، وأنَّ الخطبة أيضًا بعدها.
وقال الكرمانيُّ الأخير ممنوعٌ بل المستفاد منه أنَّ الخطبة مقدَّمة على الصلاة.
وقال العينيُّ لا نسلِّم ما قاله؛ لأنَّه صرَّح بأنَّ أول ما يُبدأ به يوم العيد الصَّلاة ثمَّ النحر، ولقد غرَّ الكرماني ظاهر قوله «يخطب فقال» فالفاء فيه تفسيرية، فسَّر في خطبته التي خطب بها بعد الصَّلاة أنَّ أوَّل ما يُبدأ به يوم العيد الصَّلاة، وأنَّها هي الأمر المهم والخطبة من التَّوابع، حتَّى لو تركها لا تضر صلاته بخلاف خطبة الجمعة.
فإن قيل قد استدلَّ النسائيُّ بحديث البراء على أنَّ الخطبة قبل الصَّلاة وترجم له «باب الخطبة يوم العيد قبل الصَّلاة» ، واستدلَّ في ذلك بقوله «أوَّل ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي ثمَّ ننحر» .
وتأوَّل أنَّ قوله هذا قبل الصلاة؛ لأنَّه كيف يقول أوَّل ما نبدأ به أن نصلِّي وهو قد صلى.
فالجواب ما قاله ابن بطال غلط النسائيُّ في ذلك؛ لأنَّ العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضي، فكأنَّه قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوَّل ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصلاة التي قدَّمنا فعلها وبدأنا بها، وهو مثل قوله تعالى {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} [التوبة 74] . المعنى إلَّا الإيمان المتقدِّم منهم.
وقد روى النسائيُّ نفسه «خطب يوم النحر بعد الصَّلاة» .
وفي الحديث أيضًا أنَّ النحر بعد الفراغ من الصَّلاة، وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى [خ¦954] .