964 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي _ بمعجمة ثم مهملة _ البصري (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) بفتح العين المهملة في الأول وبالمثلثة في الثاني، الأنصاري الكوفي.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسدي مولاهم الكوفي، المقتول بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما
ج 5 ص 187
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ) لا أربعًا (لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا) تطوُّعًا، وحكمة ذلك تأتي إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) لكونه رآهنَّ أكثر أهل النَّار (فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ) الصَّدقة في ثوب بلال رضي الله عنه (تُلْقِي الْمَرْأَةُ) فائدة التِّكرار فيه الإيهام والتوضيح؛ لأنَّ الشَّيء إذا ذُكِر أولًا مجملًا ثمَّ مفصَّلًا كان أوقع في القلوب؛ لأنَّه يكون عِلْمين علم إجماليٌّ وعلم تفصيليٌّ، فالعِلْمان خير من علم واحد.
(خُرْصَهَا) بضم الخاء المعجمة وقد تكسر، القرط بحبَّةٍ واحدة، وقيل هي الحلقة من الذَّهب أو الفضة، والجمع الخِرَصة. وفي «الصَّحاح» الخرص _ بالضم والكسر _ والجمع الخرصان.
(وَ) تلقي (سِخَابَهَا) بكسر السين وبالخاء المعجمة الخفيفة وبعد الألف موحدة، قلادةٌ تُتَّخذ من طيب وغيره ليس فيها من الجوهر شيءٌ، وربما تُعمل من خرزات أو نوى الزَّيتون، والجمع سُخُب، مثل كتاب وكتب.
وقال ابن سِيْده هي قلادة تتَّخذ من قرنفل ومسك ومحلب.
وفي «الجامع» للقزاز ويكون من الطِّيب والجوهر والخرز، وقيل هو خيطٌ فيه خرز، وسُمِّي سخابًا؛ لصوت خَرْزِهِ عند الحركة، مأخوذٌ من السَّخب، وهو اختلاط الأصوات يقال بالصاد وبالسين.
وفي الحديث إنَّ صلاة العيد ركعتان، قال ابن بَزِيزة انعقد الإجماع على أنَّ صلاة العيد ركعتان لا أكثر، إلَّا ما رُوي عن عليٍّ أنَّها تصلى في الجامع أربعًا، وفي المصلَّى ركعتين، وهو مخالفٌ لما انعقدَ عليه الإجماع.
وفيه أيضًا أن لا تنفُّل قبل صلاة العيد ولا بعدها، وقد اختلف العلماء فيه؛ فذهب أبو حنيفة والثوريُّ يجوز التنفُّل بعد صلاة العيد، ولا يتنفَّل قبلها.
وقال الشافعيُّ يتنفل قبلها وبعدها، وروى ابن وهب وأشهب عن مالك لا يتنفَّل قبلها ويباح بعدها.
وفي «البدرية» يجوز في بيته، وعن ابن حبيبٍ قال قوم هي سُبْحة ذلك اليوم يقتصر عليها إلى الزَّوال، قال وهو أحبُّ إليَّ.
وفي «الذخيرة» ليس قبل العيد صلاة، كذا ذكر محمَّد بن الحسن في الأصل، وإن شاء تطوَّع قبل الشروع في الخطبة؛ يعني ليس قبلها صلاة مسنونة، لا أنَّها تكره إلَّا أنَّ الكرخي نصَّ على الكراهة قبل العيد حيث قال يكره لمن حضر المصلِّي التنفل قبل صلاة العيد.
وفي بعض «شروح الهداية» كان محمد بن مقاتل المروزي يقول لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج إلى المصلَّى، وإنَّما تكره في الجبانة، وعامَّة المشايخ على الكراهة مطلقًا.
ج 5 ص 188
وعن عليٍّ وابن مسعود وجابر وابن أبي أوفى رضي الله عنهم أنَّهم كانوا لا يرونها قبل ولا بعد، وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما، وكذا قول مسروق والشَّعبي والضَّحاك وسالم والقاسم والزهري ومعمر وابن جريج وأحمد رحمهم الله.
وقال أنسٌ رضي الله عنه والحسن وسعيد بن أبي الحسن وابن زيد وعروة والشافعي يصلِّي قبلها وبعدها.
وزاد ابن أبي شيبة أبا الشعثاء وأبا برزة الأسلمي ومكحولًا والأسود وصفوان بن محرز ورجالًا من الصَّحابة رضي الله عنهم، وهو قول الشافعيِّ في غير «الإمِّ» .
وقال أبو مسعودٍ البدريِّ لا يصلِّي قبلها ويصلِّي بعدها، وهو قول علقمة والأسود والثوري والنخعي والأوزاعي وابن أبي ليلى.
قال الترمذيُّ بعد أن أخرج حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور والعمل عليه عند بعض أهل بيت النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرهم، وبه يقول الشافعيُّ وأحمد وإسحاق.
وقد رأى طائفة من أهل العلم الصَّلاة بعد صلاة العيد وقبلها، من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرهم، والقول الأول أصحُّ.
ولمَّا روى الترمذيُّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذا قال وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأبي سعيد.
أمَّا حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه؛ فأخرجه ابن ماجه عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصلِّ قبلها ولا بعدها.
وأمَّا حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه؛ فقد أخرجه ابن ماجه أيضًا عنه قال كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُصلِّي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلَّى ركعتين.
قال العينيُّ وفي الباب أيضًا عن عليِّ بن أبي طالب وأبي مسعود وكعب بن عُجرة رضي الله عنهم.
أمَّا حديث علي رضي الله عنه؛ فعند البزَّار في حديث طويلٍ، وفيه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصلِّ قبلها ولا بعدها، فمن شاء فعل ومن شاء ترك.
وأمَّا حديث أبي مسعودٍ رضي الله عنه؛ فعند الطبرانيِّ في «الكبير» عنه قال ليس من السنَّة الصلاةُ قبل خروج الإمام يوم العيد.
وأمَّا حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه؛ فعند الطبرانيِّ أيضًا وفيه (( إنَّ هاتين الركعتين سبحة هذا اليوم ) ).
وفي الحديث أيضًا إتيانه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النساء بعد خطبته، وأمرهنَّ بالصدقة.
وفيه استحباب عظتهنَّ وتذكيرهنَّ الآخرة وحثهنَّ على الصَّدقة، وهو إذا لم يترتَّب عليه مفسدة، وخوف على الواعظ والموعوظ أو غيرهما.
وفيه أيضًا أنَّ صدقة التطوُّع لا تحتاج إلى إيجابٍ وقبول، بل يكفي فيها المعاطاة؛ لأنهنَّ ألقين الصَّدقة في ثوب بلال رضي الله عنه من غير كلامٍ منهنَّ ولا من بلالٍ ولا من غيره، وهو الصَّحيح
ج 5 ص 189
من مذهب الشافعيِّ، وأكثرُ العراقيين قالوا يفتقر إلى الإيجاب والقبول باللفظ كالهبة.
وفيه أيضًا جواز خروج النساء إلى العيدين، واختلف السلف في ذلك فرأى جماعة ذلك حقًّا عليهنَّ، منهم أبو بكر وعلي وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم.
وقال أبو قلابة قالت عائشة رضي الله عنها كانت الكواعب تخرج لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفطر والأضحى، وكان علقمة [1] والأسود يُخرِجان نساءهما في العيد، ويمنعانهنَّ في الجمعة.
وروى ابن نافعٍ عن مالك أنَّه لا بأس أن يخرج النِّساء إلى العيدين والجمعة، وليس بواجبٍ، ومنهم من منعهنَّ ذلك منهم عروة والقاسم والنخعي ويحيى الأنصاريُّ وأبو يوسف.
وأجازه أبو حنيفة مرَّةً ومنعه أخرى، وقول من رأى خروجهنَّ أصحُّ؛ لشهادة السُّنة الثابتة له. انتهى.
وقال العينيُّ الغالب في هذا الزَّمان الفتنة والفساد فينبغي أن يمنعن من ذلك مطلقًا.
وفيه أيضًا أنَّ النِّساء إذا حضرن صلاة الرِّجال ومجامعهم يكنَّ بمعزلٍ عنهم خوفًا من الفتنة والفساد.
وفيه أيضًا جواز صدقة المرأة من مالها.
وعن مالكٍ لا يجوز الزِّيادة على ثلث مالها إلَّا برضى زوجها، والله أعلم.
ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من حيث إن أمر النِّساء بالصدقة كان بعد الخطبة فكأنَّه جُعِل من تتمة الخطبة، وقد أخرجه المؤلف في «الزكاة» [خ¦1431] و «اللباس» أيضًا [خ¦5881] .
وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في «الصَّلاة» أيضًا.
[1] من قوله (( رضي الله عنها كانت ... إلى قوله علقمة ) )ليست في (خ) .