فهرس الكتاب

الصفحة 1551 من 11127

978 -979 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (إِسْحَاقُ ابْنِ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعديُّ البخاريُّ.

(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام صاحب «المسند» و «المصنف» (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.

(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنه.

(قَالَ) عطاء (سَمِعْتُهُ) أي جابرًا رضي الله عنه (يَقُولُ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ) عن الخطبة (نَزَلَ) أي انتقل كما مرَّ في باب «المشي والركوب إلى صلاة العيد [خ¦961] ، والصَّلاة قبل الخطبة، ويحتمل تعدُّد القضيَّة، فتأمل.

(فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ) بتشديد الكاف (وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلاَلٍ) جملة حالية كقوله (وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ) نصب على المفعولية، وجُوِّز الإضافة.

(يُلْقِي) من الإلقاء (فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ) برفع «النِّساء» ونصب «الصدقة» ، وفي رواية بالتنكير.

قال ابن جُريج بالسند السابق (قُلْتُ لِعَطَاء زَكَاةُ يَوْمِ الْفِطْرِ) أي أهي زكاة يوم الفطر، بتقدير المبتدأ المصدر بهمزة الاستفهام.

(قَالَ) أي عطاء (لاَ، وَلَكِنْ) هي (صَدَقَةً) ويروى ، و «صدقة» بالنصب؛ أي أكانت زكاة يوم الفطر، قال لا، ولكن كانت صدقة (يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ) بها، (تُلْقِي) بضم المثناة الفوقية من الإلقاء؛ أي النِّساء، والنساء وإن كان جمعًا للمرأة من غير لفظه، ولكنه

ج 5 ص 212

مفردٌ لفظًا، إذ لا واحد له من لفظه.

(فَتَخَهَا) بفتح الفاء والمثناة الفوقية والخاء المعجمة جمع فتخة، وهي خواتمٌ بلا فصوص كأنَّها حلق فضة، وفي رواية بلفظ المفرد، وسيأتي تفسيره قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦979] .

وفيه إشعارٌ بأنَّها لم تكن زكاة الفطر؛ لأنَّها عبارةٌ عن القوت المقدَّر شرعًا.

(وَيُلْقِينَ) من الإلقاء أيضًا، وإنَّما كرَّره؛ ليفيد العموم، وقال الحافظ العسقلانيُّ المعنى تلقي الواحدة، وكذلك الباقيات، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يستفاد من التَّركيب، فافهم.

ومفعول «يلقين» محذوف؛ أي كلُّ نوع من أنواع حليِّهن.

قال ابن جُريج بالإسناد المذكور أيضًا (قُلْتُ) لعطاء (أَتُرَى) بضم التاء كما في «اليونينية» ، وضبطه البرماويُّ بفتحها (حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ) أي ما ذكر من الوعظ للنِّساء، وأمرهنَّ بالصدقة.

وقوله (وَيُذَكِّرُهُنَّ) وفي رواية بدون الواو، وفي أخرى ، وهو كالتَّفسير لذلك.

(قَالَ) عطاء (إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا لَهُمْ) أي للأئمَّة بقرينة الإمام (لاَ يَفْعَلُونَهُ) والظاهر أنَّ عطاء يرى وجوب ذلك.

وقال القاضي عياض لم يقل بذلك غيره، والنوويُّ وغيره حملوه على الاستحباب.

(قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) بالإسناد المذكور (وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) وفي رواية (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ شَهِدْتُ الْفِطْرَ) أي صلاة عيد الفطر.

(مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ) رضي الله عنهم فكلهم (كَانُوا يُصَلُّونَهَا) أي صلاة العيد (قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ) بضم المثناة التحتية على البناء للمفعول؛ أي يَخطب كلٌّ منهم (بَعْدُ) بالبناء على الضم؛ لقطعه من الإضافة؛ أي بعد الصَّلاة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما (خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قيل أصله و «خرج» حذف منه حرف العطف، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأنَّ هذا ابتداء كلام من ابن عباس رضي الله عنهما، وفي تفسير «سورة الممتحنة» من وجهٍ آخر عن ابن جريج فنزل نبيُّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [خ¦4895] .

(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) الآن، وفيه تثبيتٌ لروايته وتأكيد لها (حِينَ يُجْلِسُ) بضم أوله وسكون الجيم، من الإجلاس، وفي رواية بفتح الجيم وتشديد اللام، من التَّجليس، ومفعوله محذوف؛ أي حين يجلس النَّاس.

(بِيَدِهِ) أي يشير بيده يأمرهم بالجلوس، وذلك لأنَّهم أرادوا الانصراف، فأمرهم بالجلوس حتَّى يفرغ ممَّا يقصده، ثمَّ ينصرفوا جميعًا، أو أنَّهم أرادوا أن يتبعوه فمنعهم وأمرهم بالجلوس.

(ثُمَّ أَقْبَلَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 5 ص 213

(يَشُقُّهُمْ) أي يشقُّ صفوف الرِّجال الجالسين (حَتَّى أَتَى) وفي رواية .

(النِّسَاءَ مَعَهُ بِلاَلٌ) جملة حالية بلا واو (فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تاليًا لهذه الآية التي في سورة الممتحنة ( {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} الآيَةَ) أي قرأ الآية بتمامها.

وإنَّما تلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية الكريمة؛ ليذكرهنَّ البيعة التي وقعت بينه وبين النِّساء لمَّا فتح مكَّة، وكان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا فرغ من أمر الفتح جمع النَّاس للبيعة، فجلس لهم على الصَّفا، ولمَّا فرغ من بيعة الرِّجال بايع النِّساء، وذكر لهنَّ ما ذكر الله في الآية المذكورة.

(ثُمَّ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حِينَ فَرَغَ مِنْهَا) أي من قراءة الآية (آنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ) بكسر الكاف، وهذا ممَّا وقع «ذلكِ» موقع ذلكنَّ؛ أي أنتنَّ على ما ذُكِر في هذه الآية.

(قَالَتِ) وفي رواية بالفاء (امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا نَعَمْ) نحن على ذلك (لاَ يَدْرِي حَسَنٌ) هو ابن مسلم الرَّاوي عن عطاء [1] (مَنْ هِيَ) المرأة المجيبة، ووقع في رواية مسلم وحده (( لا يدري حينئذٍ من هي ) )هكذا وقع في جميع نسخ مسلم.

وقال القاضي عياض وغيره وهو تصحيفٌ، وصوابه «لا يدري حسن من هي» ، كما في رواية البخاريِّ.

وقيل يحتمل أن تكون هذه المرأة هي أسماء بنت يزيد بن السكن التي تُعرف بخطيبة النِّساء، فإنَّها روت أصل هذه القصَّة في حديث أخرجه الطَّبراني وغيره من طريق شَهْر بن حَوْشب عن أسماء بنت يزيد أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى النِّساء، وأنا معهنَّ، فقال (( يا معشرَ النساء إنكنَّ أكثر حطب جهنَّم ) )فناديت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكنتُ عليه جريئة لم يا رسول الله؟ قال (( لأنكنَّ تكثرنَ اللَّعنَ، وتكفرْنَ العشير ... ) )الحديث؛ لأنَّ القصَّة واحدة.

وتعقَّبه العيني بأنَّه تخمينٌ وحسبان، ويحتمل أن يكون غيرها وباب الاحتمال واسعٌ، والله أعلم.

(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَصَدَّقْنَ) هذه صيغة الأمر لا صيغة جماعة النِّساء من الماضي، فإنَّها تشترك بينهما وتفرق بالقرينة، والفاء يجوز أن تكون للسببية، وأن تكون جواب شرط محذوف؛ أي إن كنتنَّ على ذلك فتصدَّقن.

(فَبَسَطَ بِلاَلٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ) أي بلال رضي الله عنه (هَلُمَّ) من أسماء الأفعال المتعدية نحو هلمَّ زيدًا؛ أي هاتِه وقربِّه، واللازمة نحو هلمَّ إلينا؛ أي تعالَ، وهو مركب من هاء التنبيه المحذوفة الألف، ولُمَّ مِن لممت الشَّيء جمعته عند البصريَّة.

ومن هل وأمَّ بحذف الهمزة عند الكوفيَّة، ويستوي فيه الواحد والمثنى

ج 5 ص 214

والجمع والمذكر، والمؤنث عند أهل الحجاز، وأمَّا بنو تميم فيقولون هلمَّ هلمَّا هلمُّوا هلمِّي هلمَّا هلممْنَ، والأولى أفصح.

(لَكُنَّ) بضم الكاف وتشديد النون؛ لأنَّه خطاب للنِّساء وهو متعلِّق بقوله (فِدَاءٌ) بكسر الفاء يمد ويقصر، وأمَّا بفتحها فهو مقصور، وهو بالرفع خبر لقوله (أَبِي وَأُمِّي) عطف عليه، والتقدير أبي مفدى لكُنَّ وأمي، ويجوز النصب؛ أي جعلت أبي فدا لكُنَّ وأمِّي [2] (فَيُلْقِينَ) بضم الياء، من الإلقاء، وهو الرمي (الْفَتَخَ) بفتحتين جمع فتخة بفتحات، وقد مرَّ آنفًا [خ¦978] (وَالْخَوَاتِيمَ) جمع خيتام أو خاتام، وهما لغتان في خاتم.

(فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْفَتَخُ الْخَوَاتِيمُ الْعِظَامُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قال ثعلب إنهنَّ كنَّ يلبسنها في أصابع الأرجل، ولهذا عطف عليها الخواتيم؛ لأنَّها عند الإطلاق تنصرف إلى ما يلبس في الأيدي.

وعن الخليل إنَّ الفتخ الخواتيم التي لا فصوص لها كما تقدَّم، فعلى هذا يكون من عطف العام على الخاص.

وفي الحديث استحباب وعظ النساء وتعليمهنَّ أحكام الإسلام وتذكيرهنَّ بما يجب عليهنَّ وما يستحب، وحثهنَّ على الصدقة، وتخصيصهنَّ بذلك في مجلسٍ منفرد، ومحلُّ ذلك كله إذا أُمِنَت الفتنة والمفسدة.

قال ابن بطَّال أمَّا إتيانه إلى النساء ووعظهنَّ، فهو خاصٌّ له عند العلماء؛ لأنَّه أبٌ لهنَّ وهم مُجمِعون أنَّ الخطيب لا يلزمه خطبة أخرى للنِّساء، ولا يقطع خطبتها ليتمَّها عند النساء.

وفيه أيضًا جواز التَّفدية بالأب والأم.

وفيه أيضًا ملاطفة العامل على الصَّدقة بمن يدفعها إليه.

وفيه أيضًا أنَّ الصدقة من دوافع العذاب؛ لأنَّه أمرهنَّ بالصدقة، ثمَّ علل بأنهنَّ أكثر أهل النار؛ لما يقع منهنَّ من كفران النعم وغير ذلك.

وفيه أيضًا بذل النَّصيحة والإغلاظ فيها لمن احتيج في حقه إلى ذلك.

وفيه جواز طلب الصَّدقة من الأغنياء للمحتاجين.

وفيه مبادرة تلك النِّسوة إلى الصدقة بما يعزُّ عليهنَّ من حُليِّهن من ضيق الحال في ذلك الوقت، وفي ذلك دلالةٌ على علوِّ مقامهنَّ في الدين، وحرصهنَّ على امتثال أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وفيه أنَّ قول المخاطب نعم يقوم مقام الخطاب.

وفيه أنَّ جواب الواحد عن الجماعة كاف.

وفيه بسط الثَّوب لقبول الصدقة.

وفيه أنَّ الصَّلاة مقدمةٌ على الخطبة.

ورجال إسناد هذا الحديث ما بين بخاريٍّ ويمانيٍّ ومكيٍّ.

وفيه أنَّ شيخه من أفراده، وقد أخرج متنه المؤلف في «التفسير» أيضًا [خ¦4895] ، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه في «الصلاة» .

[1] كذا في الأصل وصوابها الراوي عن طاووس.

[2] قوله (( ويجوز النصب؛ أي جعلت أبي فدا لكُنَّ وأمِّي ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت