فهرس الكتاب

الصفحة 1579 من 11127

998 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مُسَرْهَد (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بصيغة التصغير، هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا)

ج 5 ص 244

وفي الحديث استحباب تأخير الوتر.

وقيل الحكمة فيه أنَّ أوَّل صلاة الليل المغرب وهي وتر، وللابتداء والانتهاء اعتبار زائد على اعتبار الوسط.

وفيه أيضًا الدَّلالة على وجوب الوتر، واختلف العلماء فيه فقال القاضي أبو الطيب إنَّ العلماء كافة قالوا إنَّه سنة حتَّى أبو يوسف ومحمد.

وقال أبو حنيفة وحده هو واجبٌ، وليس بفرض.

وقال أبو حامد في «تعليقه» الوتر سنة مؤكدة ليس بفرضٍ ولا واجبٍ، وبه قالت الأئمة كلها إلَّا أبا حنيفة.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد استدلَّ بهذا الحديث بعض من قال بوجوبه، وتعقِّب بأنَّ صلاة الليل ليست واجبة فكذا آخره، وبأنَّ الأصل عدم الوجوب حتَّى يقوم دليله.

وقال الكرمانيُّ أيضًا ما يشبه هذا، وقال العينيُّ وهذا كله من آثار التعصُّب، وكيف يقول القاضي أبو الطيب وأبو حامد، وهما إمامان مشهوران بهذا الكلام الذي ليس بصحيحٍ ولا قريبٍ من الصِّحَّة؟! وأبو حنيفة رحمه الله لم ينفرد بذلك.

وهذا القاضي أبو بكر بن العربي ذكر عن سُحنون وأصبغ بن فرج وجوبه.

وحكى ابن حزم أنَّ مالكًا قال من تركه أُدِّب، وكان جرحةً في شهادته، وحكاه ابن قُدامة في «المغني» عن أحمد، وفي «المصنف» عن مجاهدٍ بسند صحيح هو واجبٌ ولم يكتب.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما بسندٍ صحيحٍ ما أحبُّ أني تركت الوتر، وأنَّ لي حمر النعم، وحكى ابن بطَّال وجوبه على أهل القرآن عن ابن مسعود وحذيفة وإبراهيم النخعي.

وعن يوسف بن خالد السَّمتي شيخ الشافعي وجوبه أيضًا، وحكاه ابن أبي شيبة أيضًا عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود والضَّحاك. انتهى.

قال العينيُّ فإذا كان الأمر كذلك كيف يجوز لأبي الطيب، ولأبي حامدٍ أن يدعيا ذلك؟

فهذا يدلُّ على عدم اطِّلاعهما بما ذكرنا، وجهل الشَّخص بالشيء لا ينفي علم غيره به، وقول من ادَّعى التعقب بأنَّ صلاة الليل ليست بواجبةٍ. .. إلى آخره قول واهٍ؛ لأنَّ الدَّلائل قد قامت على وجوب الوتر، منها ما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( الوتر حقٌّ فمن لم يوتر فليس منَّا ) )قاله ثلاثًا، وهذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه الحاكم في «مستدركه» ، وصححه.

فإن قيل في إسناده أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله، وقد تكلَّم فيه البخاريُّ وغيره.

فالجواب أنَّه قال الحاكم وثقه ابن معين.

وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول هو صالح الحديث، وأنكر على البخاريِّ إدخاله

ج 5 ص 245

في الضعفاء، فهذا ابن معين إمام هذا الشَّأن، وكفى به حجةً في توثيقه إيَّاه.

فإن قيل قال الخطابيُّ قد دلَّت الأخبار الصَّحيحة على أنَّه لم يُرِدْ بالحقِّ الوجوبُ الذي لا يسع غيره.

منها خبر عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه لما بلغه أنَّ أبا محمدٍ رجلًا من الأنصار يقول الوتر حقٌّ، فقال كذب أبو محمد، ثمَّ روى عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عدد الصلوات الخمس.

ومنها خبر طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في سؤال الأعرابيِّ.

ومنها خبر أنس بن مالك رضي الله عنه في فرض الصَّلوات ليلة الإسراء.

فالجواب ما قاله العينيُّ من أنَّ هذا الكلام أقرب إلى السُّقوط، فمنه يشمُّ رائحة التَّعصب، وكيف لا يكون واجبًا والشارع يقول الوتر حقٌّ؛ أي واجبٌ ثابتٌ؛ لقوله بعده (( فمن لم يوتر فليس منَّا ) ).

ومثل هذا الكلام لا يُقال إلَّا في حقِّ تارك فرضٍ أو واجب، لا سيَّما وقد تأكَّد بالتكرار ثلاثًا، ومثل هذا الكلام بهذه التَّأكيدات لم يأتِ في حق السُّنن، فسقط بذلك ما قاله الخطابيُّ.

وسقط أيضًا قول من قال الأصل عدم الوجوب حتَّى يثبت دليله، فهذا القائل وقف على دليله، ولكن اتبع هواه لغيرة، فالحق أحقُّ أن يتبع.

والجواب عن خبر عُبادة أنَّه إنَّما كذب الرجل في قوله كوجوب الصَّلوات الخمس، ولم يقل أحد إنَّ الوتر واجبٌ كذلك.

فإن قيل قال النَّجم النَّسفي صاحب «المنظومة»

~والوِتْر فرْضٌ ويُرَى بِذِكرِهِ فِي فَجْرِه فَسَادُ فرْضِ فَجْرِه.

فالجواب أنَّ معناه فرضٌ عملًا، سنة سببًا، واجب علمًا.

وأمَّا خبر طلحة بن عبيد الله فكان قبل وجوب الوتر بدليل أنَّه لم يذكر فيه الحجُّ، فدلَّ على أنَّه متقدِّم على وجوب الحج، ولفظ (( زادكم صلاة ) )مشعرةٌ بتأخير وجوب الوتر.

وأمَّا خبر أنس رضي الله عنه؛ فلا نزاع فيه أنه كان قبل الوجوب.

ومنها أي من الدَّلائل الدَّالة على وجوبه ما رواه أبو داود أيضًا بإسناده عن عليٍّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يا أهل القرآن أوتروا، فإنَّ الله وتر يحب الوتر ) ). أخرجه الترمذيُّ والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذيُّ حديث حسنٌ.

وقوله (( أوتروا ) )أمرٌ وهو للوجوب.

فإن قيل قال الخطابيُّ تخصيصه بأهل القرآن يدلُّ على أنَّ الوتر غير واجبٍ، ولو كان واجبًا لكان عامًّا، وأهل القرآن في عرف النَّاس هم القرَّاء والحفَّاظ دون العوام.

فالجواب أنَّ أهل القرآن بحسب اللغة يتناول كلَّ من معه شيءٌ من القرآن ولو كان آيةً، فيدخل فيه الحفَّاظ وغيرهم، على أنَّ القرآن كان في زمنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفرقًا بين الصَّحابة رضي الله عنهم.

ج 5 ص 246

وبهذا التَّأويل الفاسد لا يبطل مقتضى الأمر الدَّال على الوجوب، ولاسيما تأكُّد الأمر بالوتر بمحبَّة الله إيَّاه بقوله (( فإنَّ الله وتر يحبُّ الوتر ) ).

ومنها ما أخرجه الطحاويُّ بإسناده عن خارجة بن حذافة العدويِّ أنَّه قال سمعت النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( إنَّ الله قد أمدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حمر النَّعم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الوتر الوتر ) )مرتين، وهذا بسندٍ صحيح، وإن قيل فيه ما قيل من جهة ابن لهيعة المذكور فيه على ما فصَّله العينيُّ.

ومنها حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أخرجه الحاكم في «مستدركه» بإسناده إليه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من نام عن وتر أو نسيه فليصلِّ إذا أصبح أو ذكره ) ).

قال الحاكم صحيحٌ على شرط الشَّيخين ولم يخرِّجاه، ونقل تصحيحَه ابن الحصَّار أيضًا عن شيخه، وأخرجه الترمذيُّ أيضًا.

ومنها غير ذلك على ما ذكره العينيُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت