فهرس الكتاب

الصفحة 1581 من 11127

999 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس عبد الله، وهو ابن أخت مالك بن أنس، وقد مرَّ غير مرة (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنهما، وأبو بكر لم يعرف اسمه، وقال ابن حبَّان ثقة.

وقال أبو حاتم لا بأس به، وليس له في البخاريِّ غير هذا الحديث، وكذا في مسلم.

(عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالمثناة التحتية ضد اليمين، هو أبو الحُبَاب _ بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى _ من علماء المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة (أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعِيدٌ فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ) أي دخول وقت الصُّبح.

(نَزَلْتُ) عن دابتي (فَأَوْتَرْتُ) على الأرض (ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ) لي (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ) له (خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر) رضي الله عنهما

(أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ) بكسر الهمزة وضمها؛ أي قدوة واقتداء (حَسَنَةٌ) صفة أسوة (فَقُلْتُ بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ) البعير بمنزلة الإنسان بجمع المذكر والمؤنث، فإذا رأيت جملًا على بعدٍ قلت هذا بعير، فإذا استثبتُّه قلت جمل أو ناقة، ويجمعُ على أَبْعرةٍ وأَبَاعِر وأَبَاعِير وبعْران.

واحتجَّ به عطاء بن أبي رباح

ج 5 ص 247

والحسن البصري وسالم بن عبد الله ونافع مولى ابن عمر ومالك، والشَّافعي وأحمد وإسحاق على أنَّ للمسافر أن يصلِّي الوتر على دابته.

وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه صلَّى على راحلته فأوتر عليها، وقال كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوتر على راحلته.

ويُروى ذلك أيضًا عن عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهم، وكان مالكٌ يقول لا يُصلَّى على الراحلة إلَّا في سفرٍ تُقصر فيه الصلاة.

وقال الأوزاعيُّ والشافعي قصير السَّفر وطويله في ذلك سواء، يصلِّي على راحلته.

وقال ابن حزم في «المُحلَّي» وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا يجوز الوتر إلا على الأرض كالفرائض.

ويُروى ذلك عن عمر بن الخطَّاب، وابنه عبد الله في رواية ذكرها ابن أبي شيبة في «مصنفه» ، وقال الثوريُّ صلِّي الفرض والوتر بالأرض، وإن أوترت على راحلتك فلا بأس.

واحتجَّ أهل المقالة الثانية بما رواه الطحاويُّ بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يصلِّي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذلك كان يفعل، وهذا إسناده صحيحٌ، وهو خلاف حديث الباب، وهو يدلُّ على شيئين

أحدهما فعل ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يوتر بالأرض.

والآخر أنَّه رُوِي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه كان يفعل كذلك، وحديث الباب أيضًا يدلُّ على الشَّيئين المذكورين، فلا يتمُّ الاستدلال للطائفتين بهذين الحديثين.

غير أنَّ لأهل المقالة الثانية أن يقولوا إنَّ ابن عمر رضي الله عنهما يحتمل أنه كان لا يرى بوجوب الوتر، وكان الوتر عنده كسائر التطوُّعات، فيجوز فعله على الدابة وعلى الأرض؛ لأنَّ صلاته إيَّاه على الأرض لا ينفي أن يكون له أن يصلِّي على الرَّاحلة.

وأمَّا إيتاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الراحلة؛ فيجوز أن يكون قبل أن يُغلَّظ أمر الوتر، ثمَّ أُحكِم من بعد ولم يرخَّص في تركه، فالتحق بالواجبات.

ووجه النَّظر والقياس أيضًا يقتضي عدم جوازه على الرَّاحلة، وبيان ذلك أنَّ الأصل المتفق عليه عدم جواز صلاة الرجل وتره على الأرض قاعدًا وهو يقدر على القيام، فالنَّظر على ذلك يقتضي أن لا يصليه في السفر على راحلته، وهو يطيق النزول.

قال الطحاويُّ فمن هذه الجهة عندي ثبت نسخ الوتر على الرَّاحلة بأن يكون النص الموجب للمنع متأخِّرًا عن النص الموجب للإباحة.

فإن قيل كيف يكون النسخ، وقد صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يوتر على راحلته بعد النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويقول كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ذلك؟

ج 5 ص 248

فالجواب أنَّه قد تقدَّم أنَّه يجوز أن يكون الوتر عنده كالتطوُّع، فحينئذٍ له الخيار في الصلاة على الراحلة، وعلى الأرض كما في التطوع على أنَّ مجاهدًا قد روى عنه أنَّه كان ينزل للوتر، فعلى هذا يجوز أن يكون ما فعله من وتره على الراحلة قبل علمه بالنسخ، ثمَّ لما علمه رجع إليه، وترك الوتر على الراحلة.

وبهذا سقط ما قاله ابن بطال من أنَّ في هذا الحديث؛ أي حديث الباب حجَّةٌ على أبي حنيفة رحمه الله في إيجاب الوتر؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه لا يجوز أن يُصلِّي الواجب راكبًا في غير حال العذر، ولو كان الوتر واجبًا ما صلَّاه راكبًا.

وكذلك سقط ما قاله الكرمانيُّ من أنَّه نزل طلبًا للأفضل، لا أنَّ ذلك كان واجبًا، وسقط أيضًا ما قاله الحافظ العسقلانيُّ أنَّ هذا الحديث يدلُّ على كون الوتر نفلًا.

قال العينيُّ فيا للعجب من هؤلاء! كيف تركوا الأحاديث الدَّالة على وجوب الوتر، وتركوا الإنصاف، وسلكوا طريق الاعتساف لترويج ما ذهبوا إليه من غير برهانٍ قاطعٍ، والله أعلم.

ورواة الحديث كلهم مدنيون، وقد أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه في «الصلاة» أيضًا.>

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت