86 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي(قَالَ حَدَّثَنَا
ج 1 ص 542
وُهَيْبٌ)بن خالد الباهلي (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن عروة بن الزبير بن العوام، وقد مر في أول حديث من «الوحي» [خ¦2] .
(عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي زوجة هشام بن عروة وبنت عمه، وكانت أكبر منه بثلاث عشرة سنة، روت عن جدتها أسماء أم أبيها، وروى عنها زوجها هشام ومحمد بن إسحاق، قال أحمد بن عبد الله (تابعية ثقة) ، روى لها الجماعة.
(عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهي أخت عائشة رضي الله عنهما لأبيها، وأكبر من عائشة، وكذا هي أخت عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه، وأما عبد الله بن أبي بكر فهو شقيقها؛ أي أخوها لأبوين، وتسمى ذات النطاقين؛ لأنها حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أن يهاجرا إلى المدينة وأتتهما بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها شدادًا شقَّت نطاقها فجعلت نصفًا شدادًا للسفرة، والنصف الآخر عصامًا للقربة، وقيل جعلت النصف نطاقًا لها، وقد أسلمت بمكة قديمًا ثامنة ثمانية عشر إنسانًا، تزوجها الزبير بن العوام بمكة، ثم طلقها بالمدينة، قيل إن ابنه عبد الله وقف يومًا بالباب فلما جاء الزبير رضي الله عنه ليدخل البيت منعه فسأله عن ذلك فقال ما أدعك تدخل حتى تطلق أمي فامتنع عليه، فأبى إلا طلاقها، فسئل عن السبب فقال مثلي لا يكون له أم توطأ، فطلقها الزبير، وقيل ضربها الزبير فصاحت بابنها عبد الله فلما رآه قال أمك طالق إن دخلت، فقال أتجعل أمي عرضة ليمينك، فاقتحم عليه فخلصها منه فبانت منه، وبقيت عند ابنها إلى أن قتله الحجاج، ماتت بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد ما أُنزل ابنها من الخشبة بليال يسيرة، وقد بلغت المئة ولم يسقط لها سن، ولم يتغير عقلها، وما ادخرت قط شيئًا لغد، وهي وابنها وأبوها وجدها صحابيون.
وكانت من أعبر الناس للرؤيا، وتعلمتها من أبيها أبي بكر رضي الله عنه، وقد وُلِدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وخمسون حديثًا، انفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها، واتفقا على أربعة عشر.
(قَالَتْ) أي إنها قالت (أَتَيْتُ عَائِشَةَ) ؛ أم المؤمنين رضي الله عنها.
ج 1 ص 543
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن فيه رواية تابعية عن صحابية مع ذكر صحابية أخرى، ومنها أن رواته ما بين بصري ومدني، وقد أخرج متنه المؤلف في «الطهارة» [خ¦184] ، وفي «الكسوف» [خ¦1053] ، وفي «الاعتصام» [خ¦7287] ، وفي «كتاب الجمعة» [خ¦922] ، وفي «كتاب الخسوف» [خ¦1061] ، وفي «كتاب السهو» أيضًا [خ¦1235] ، وأخرجه مسلم في «الخسوف» .
(وَهِيَ تُصَلِّي) ؛ أي حال كون عائشة رضي الله عنها تصلي، (فَقُلْتُ مَا شَأْنُ النَّاسِ) أي قائمين مضطربين فزعين (فَأَشَارَتْ) عائشة رضي الله عنها (إِلَى السَّمَاءِ) تعني انكسفت الشمس (فَإِذَا) للمفاجأة (النَّاسُ) أي بعضهم (قِيَامٌ) لصلاة الكسوف، والقيام جمع قائم؛ كالصيام جمع صائم، كأنها التفتت من حجرة عائشة رضي الله عنها إلى من في المسجد فوجدتهم قيامًا في صلاة الكسوف، ففيه إطلاق الناس على البعض.
(فَقَالَتْ) أي أشارت عائشة رضي الله عنها فقالت (سُبْحَانَ اللَّهِ) أي أنزهه من النقائص وسمات المخلوقين تنزيهًا، وقولها «سبحان الله» وإن كان مفردًا صورة، لكنه جملة معنى، فلذا وقع مقول القول.
(قُلْتُ) أي قالت أسماء قلت (أآيَةٌ) بهمزة الاستفهام وحذفها خبر مبتدأ محذوف؛ أي أهي آية وعلامة لعذاب الناس كأنها مقدمة له، قال تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء 59] ، أو علامة لقرب زمان قيام الساعة وإمارة من أماراتها، أو علامة لكون الشمس مخلوقة داخلة تحت النقص مسخرة لقدرة الله تعالى، ليست لها سلطنة على غيرها، بل لا قدرة لها على الدفع عن نفسها.
وأما قول أهل الهيئة إن الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض، فلا يرى حينئذ إلا لون القمر، وهو كمدٌ لا نور له، وذلك لا يكون إلا في آخر الشهر عند كون النيرين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، فمقدماتهم كلها ممنوعة، ولئن سلمنا فإن كان غرضهم أن الله تعالى أجرى سنته بذلك كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار به فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنه واجب عقلًا وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل؛ لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداء، ولا يؤثر في الوجود إلا الله تعالى.
(فَأَشَارَتْ) عائشة رضي الله عنها
ج 1 ص 544
(بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ) تفسير لقوله «أشارت» ، قالت أسماء رضي الله عنها (فَقُمْتُ) في الصلاة (حَتَّى) أي إلى أن (عَلَانِي) بالعين المهملة من علوت الرجل غلبته، هذا رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة _ بفتح المثناة الفوقية والجيم وتشديد اللام _ وأصله تجللني؛ أي علاني. وفي «العباب» (تجلله؛ أي علاه، وهو مثل تقضي البازي أصله تقضض، فاستثقلوا ثلاث ضادات فأبدلوا من إحداهن ياء، وكذا استثقلوا ثلاث لامات فأبدلوا من إحداهن ياء، وربما يظنه من لا خبرة له بمواد الكلم أن هذا من الناقص، وهو من المضاعف) .
(الْغَشْيُ) ؛ بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين وفي آخره ياء آخر الحروف مخففة، وقال القاضي رويناه في مسلم وغيره _ بكسر الشين وتشديد الياء وبإسكان الشين _ وهو بمعنى الغشاوة وهي الغطاء، وأصله مرضٌ معروف يحصل بطول القيام في الحر وغير ذلك، وهو طرف من الإغماء، وعرَّفه أهل الطب بأنه تعطُّل القوى المحركة والحساسة لضعف القلب واجتماع الروح كله إليه، والمراد به هنا الحالة القريبة منه فأطلق الغشي عليها مجازًا، ولهذا قالت
(فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ) ؛ أي في تلك الحالة ليذهب عني، قيل أو كان الصب بعد الإفاقة، فلا يقال إذا تعطلت القوى فكيف صبت الماء؟ (فَحَمِدَ اللَّهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عطف على حمد الله من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الثناء أعم من الحمد والشكر، (ثُمَّ قَالَ) ؛ عليه الصلاة والسلام (مَا مِنْ شَيْءٍ) ؛ كلمة «ما» نافية، و «من» زائدة ومدخولها مرفوع المحل على أنه اسم «ما» .
وقوله (لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ) بضم الهمزة صفة لشيء، وقوله (إِلاَّ رَأَيْتُهُ) ؛ في موضع خبر «ما» (فِي مَقَامِي) ؛ أي حال كوني في مقامي؛ أي مكاني، أو قيامي، أو زمان قيامي، وفي رواية زيادة وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو هذا، أو يؤوَّل بالمُشَار إليه فيكون صفة لـ «مقامي» ، والمعنى كل شيء لم أكن أريته مما يصح رؤيته عقلًا كرؤية الباري تعالى، وتليق عُرفًا مما يتعلق بأمر الدين والجزاء ونحوهما من قَبْلِ مقامي هذا أريته في مقامي هذا.
فقوله (( ما من شيء. .. إلى آخره ) )عام مخصوص، وقد قال الأصوليون ما من عام إلا وقد خص سوى قوله تعالى {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور 35] والمخصِّص قد يكون عقليًا، وقد يكون عرفيًا.
(حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارَ) ؛ يجوز فيهما الرفع على أن تكون «حتى» ابتدائية، والتقدير حتى الجنة والنار مرئيتان، والنصب على أن تكون عاطفة عطفتهما على الضمير المنصوب
ج 1 ص 545
في أريته، والجر على أنها جارة، كذا قال الشراح.
لكن استشكل البدر الدماميني الجر بأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم، وهو ممتنع لما يلزم عليه من زيادة (( من ) )مع المعرفة، والصحيح منعه، وهذا ليس بشيء؛ لأن الجر على أنها جارة لا عاطفة حتى يلزم ما ذكره الدماميني، فافهم.
قال العلماء يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤية عين بأن كشف الله تعالى له مثلًا عن الجنة والنار، وأزال الحجب بينه وبينهما كما فُرِجَ له عن المسجد الأقصى حين وصفه بمكة للناس، وقد تقرر في علم الكلام أن الرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الرائي، وليست مشروطة بمقابلة ولا مواجهة، ولا خروج شعاع وغيره، بل هذه شروط عادية جاز انفكاكها عنها عقلًا، ويحتمل أن تكون رؤية علم ووحي باطلاعه وتعريفه من أمورهما تفصيلًا ما لم يعرفه قبل ذلك.
وقال القرطبي وعلى هذا الاحتمال يجوز أن الله تعالى مثَّل له الجنة والنار وصورهما كما يمثل المرئيات في الحائط، ويعضده ما رواه البخاري من حديث أنس في «الكسوف» فقال عليه الصلاة والسلام بعد ما صلى صلاة الكسوف، ثم رقى بالمنبر، فأشار بيديه قِبَل قبلة المسجد (( لقد رأيت الآن مذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار ) ) [خ¦749] .
وفي مسلم (( إني صوِّرت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط ) )، ولا يستبعد ذلك من حيث إن الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة؛ لأن ذلك شرط عاديٌّ لا عقلي، ويجوز أن تنخرق العادة خصوصًا لمقام النبوة، ولو سلم أن تلك الأمور عقلية لجاز أن توجد تلك الأمور في جسم الحائط، ولا يدرك ذلك إلا النبي صلى الله عليه وسلم. قال والأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث؛ كقوله في بعض الأحاديث (( فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ) ) [خ¦748] . انتهى.
فإن قيل هل في الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم رأى في هذا المقام الحق سبحانه وتعالى؟ فالجواب على ما قيل نعم، إن الشيء يتناوله تعالى، والعقل لا يمنعه، والعرف لا يقتضي إخراجه.
(فَأُوحِيَ) على صيغة المجهول (إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة (تُفْتَنُونَ) بصيغة المجهول؛ أي تمتحنون وتختبرون، يقال فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته، ودينار مفتون، ويسمى الصائغُ الفتانَ، وافتتن الرجل وفُتِنَ إذا أصابته فتنة فذهب ماله وعقله، وكذلك إذا اختبر، قال الله تعالى {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه 40] .
ج 1 ص 546
(فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ) بالنصب بلا تنوين (أَوْ قَرِيبًا) بإثبات التنوين، وقول فاطمة (لاَ أَدْرِي) فعلٌ من الدراية معلق بالاستفهام؛ لكونه من أفعال القلوب (أَيَّ ذَلِكَ) كلام إضافي؛ أي أيَّ اللفظين المذكورين من المثل والقريب، وهو مبتدأ وخبره (قَالَتْ) أي قالته (أَسْمَاءُ) رضي الله عنها، ويجوز انتصاب أي بـ «قالت» على معنى ذكرتْ سواء كانت استفهامية أو موصولة، أو بقوله لا أدري على تقدير كونها موصولة جملة معترضة [1] مؤكدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة «أو» ، وليست بأجنبية حتى يلزم الفصل بين المضاف وبين المضاف إليه على تقدير إضافة قوله «مثل» إلى قوله
(مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) بإظهار كلمة «من» في المضاف إليه على مذهب قوم من النحاة؛ كإظهار اللام في قولهم لا أبا لك، أو بين المتعلق والمتعلق على تقدير تعلق «من» بقوله «قريبًا» ، وحذف ما كان «مثل» مضافًا إليه؛ لدلالة ما بعده عليه، وترك «مثلَ» على هيئته قبل الحذف على ما وجَّهه ابن مالك، فيكون من قبيل قول الشاعر
~مَهْ عاذِلِي فهائمًا لنْ أبرَحَا كمثْلِ أَو أحسَنَ منْ شمْسِ الضُّحَى
قال ابن مالك هذه هي الرواية المشهورة، وقال القاضي عياض بحسنها، وفي رواية بغير تنوين فيهما بإضافتهما إلى قوله (( فتنة المسيح الدجال ) )فعلى رواية زيادة «من» قبل «فتنة» تكون الإضافة بإظهار حرف الجر كما سبق، وأما على رواية حذفها فيكون من قبيل قوله أتيم تيم عدي لا أبا لكم، وقوله بين ذراعي وجبهة الأسد.
وقوله
~أمامَ وخلْفَ المرْءِ مِن لُطْف ربِّه كَوالِئ تَزْوي عنهُ ما هُو يحذَرُ
وجملة (( لا أدري. .. إلى آخره ) )اعتراضية أيضًا، وفي رواية أخرى بالتنوين فيهما، فالأول يكون منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، والثاني عطف عليه، والتقدير تفتنون في قبوركم فتنة مثلًا؛ أي مماثلًا فتنة المسيح الدجال، أو قريبًا منها.
والمَسِيح _ بفتح الميم وكسر السين المخففة _ هو الدجال سمي مسيحًا؛ لأنه يمسح الأرض، أو يسيح فيها في زمان قليل، أو لأنه ممسوح إحدى العينين، ووصفه بالدجال؛ ليتميز عن عيسى عليه السلام، وبعض المحدثين يقول فيه المِسِّيح _ بكسر الميم وتشديد السين _ مثل سِكِّيت؛ لأنه مُسِح خَلْقه؛ أي شُوِّه، وأما المَسيح _ بفتح الميم _ فهو عيسى بن مريم عليها السلام. وقال في «العباب» (المسيح هو الممسوح بالشؤم) .
وقال ابن ماكولا عن شيخه الصوري(هو المسيخ _ بالخاء المعجمة _ يقال مسحه الله بالمهملة إذا خلقه خلقًا حسنًا، ومسخه _ بالمعجمة _
ج 1 ص 547
إذا خلقه خلقًا شويهًا. وأما الدجال فهو على وزن فعَّال من الدجل هو الكذب والتمويه، وخلط الحق بالباطل، وهو كذاب مموه خلاط).
وقال أبو العباس (سمي دجالًا لضربه في الأرض وقطعه أكثر نواحيها، يقال دجل الرجل إذا سار، ويقال دجل إذا لبس) ، وقال ابن دريد (سُمِّي به؛ لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير مثل دجلة تغطي الأرض بمائها، والدجل التغطية) .
(يُقَالُ) ؛ هو بيان لقوله «تفتنون» ، ولهذا ترك العطف بين الكلامين؛ أي يقال للمقبور المفتون منكم (مَا عِلْمُكَ) ؛ مبتدأ وخبر (بِهَذَا الرَّجُلِ) ؛ أي بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يقل بي؛ لأنه حكاية قول الملكين المسميان بمنكر ونكير، ولم يقل برسول الله؛ لئلا يصير تلقينًا لحجته، فيتلقن المقبور منهما إكرام الرسول ورفع مرتبته فيعظِّمه تقليدًا لهما لا اعتقادًا، وإنما عدل عن صيغة الجمع في الخطاب إلى صيغة المفرد حيث قال «ما علمك» بعد ما قال «إنكم تفتنون؛ لأنه تفصيل؛ أي يقال لكل واحد ذلك، فإن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله.
وقد يتوهم أن فيه التفاتًا؛ لأنه انتقال من جمع الخطاب إلى مفرده كما قال المرزوقي في «شرح الحماسة» في قوله
.... .... .... .... .... ... ~أحيى أباكن يا ليلى الأماديح
إنهُ التفات، وكما في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق 1] .، والجمهور من أهل المعاني على خلاف ذلك فإنهم قالوا إن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة من التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر، أما الشعر؛ فإن فيه تخصيص الخطاب بعد التعميم؛ لكون المقصود الأعظم هو خطاب ليلى، وأما الآية؛ فقد قال الزمخشري(خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهارًا لتقدمه، واعتبارًا لترؤسه، وإنه مِدْرَةُ [2] قومه ولسانهم والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم وسادًَّا مسدَّ جميعهم.
نعم فيه التفات على قول من يقول من أهل المعاني إن الالتفات هو الانتقال من صيغة إلى صيغة أخرى سواء كان من الضمائر بعضها من بعض، أو من غيرها، فيتناول الانتقال من صنف
ج 1 ص 548
من نوع الضمير إلى صنف آخر من ذلك النوع كما في قول الحماسي المذكور) .
(فَأَمَّا) ؛ تفصيل لما قبله (الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ) أي المصدق أو المعتقد باعتقاد جازم ثابت مطابق للواقع بنبوته صلى الله عليه وسلم، وهو شكٌّ من الراوي، أعني فاطمة بنت المنذر [3] .
وقولها (لاَ أَدْرِي بِأَيِّهِمَا) ؛ وفي رواية ؛ أي أيُّ اللفظين من المؤمن والموقن، (قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ) ؛ بالفاء جواب «أما» ؛ أي يقول ذلك المقبور (هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) هو (جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) بالمعجزات الباهرة الدالة على نبوته (وَالْهُدَى) أي الدلالة الموصلة إلى البغية، والإرشاد إلى الطريق الحق الواضح المستقيم.
(فَأَجَبْنَا) قَبِلنا نبوته معتقدين حقيقتها معترفين بها (وَاتَّبَعْنَا) فيما جاء به إلينا، أو الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل، وفي رواية بالهاء فيهما، وحذفه في الرواية الأولى للعلم به (هُوَ مُحَمَّدٌ) أي يقول المؤمن هو محمد، وفي رواية (ثَلاَثًا) أي قولًا ثلاثًا؛ أي ثلاث مرات مرتين بلفظ «محمد» ومرة بصفته أعني «رسول الله» هكذا قيل. والظاهر أن قوله «ثلاثًا» قيد للقول المذكور؛ أي يقول القول المذكور «من هو محمد إلى قوله هو محمد» ثلاث مرات، فافهم.
(فَيُقَالُ) له (نَمْ) حال كونك (صَالِحًا) ؛ منتفعًا بأعمالك وأحوالك، إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع، ويقال لا روع عليك مما يروع به الكفار من عرضهم على النار أو غيره من عذاب القبر، ويجوز أن يكون معناه صالحًا بأن تُكرَم بنعيم الجنة.
(قَدْ عَلِمْنَا إِنْ) ؛ بكسرة الهمزة وتخفيف النون؛ أي أن الشأن، (كُنْتَ لَمُوقِنًا) ؛ بفتح اللام التي هي للفرق بين «أن» المخففة وبين النافية على قول البصريين، وأما عند الكوفيين فإنها بمعنى «إلا» ، وكلمة «إن» بمعنى «ما» مثل قوله تعالى {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق 4] على قراءة تخفيف «لما» ؛ أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، والتقدير ما كنت إلا موقنًا.
وحكى السفاقسي فتح همزة «أن» على أنها مصدرية؛ أي علمنا كونك موقنًا، ورده بدخول اللام، وتعقبه البدر الدماميني بأنه إنما تكون اللام مانعة إذا جعلت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأما على رأي أبي علي الفارسي وابن جني وجماعة أنها للفرق فيسوغ الفتح، بل يتعين لوجود المقتضي وانتفاء المانع. وأنت خبير بأن الاقتضاء ممنوع. وأما معنى
ج 1 ص 549
هذا الكلام فقال الداودي معناه أنك مؤمن كما قال تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران 110] ؛ أي أنتم خير أمة.
وقال القاضي والأظهر أنه على بابها، والمعنى إنك كنت مؤمنًا، وقد يكون معناه إن كنت لمؤمنًا في علم الله، وكذلك قيل في قوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} أيضًا؛ أي في علم الله.
(وَأَمَّا الْمُنَافِقُ) أي غير المصدق بقلبه بنبوته فهو في مقابلة المؤمن (أَوِ الْمُرْتَابُ) الشاك فيها فهو في مقابلة الموقن (لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ) من لفظ المنافق والمرتاب.
(قَالَتْ أَسْمَاءُ) هذه الجملة معترضة أيضًا بين «أما» وجوابه الذي هو قوله (فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) ؛ أي قلت ما كان الناس يقولونه، وفي بعض النسخ، وذكر الحديث بتمامه وهو كما جاء في بعض الروايات الأخر «يقال له لا دَرَيت ولا تَلَيت [4] ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» [خ¦1338] .
وفي هذا الحديث فوائد منها أن الجنة والنار مخلوقتان اليوم، وهو مذهب أهل السنة، ويدل عليه الآيات والأخبار المتواترة مثل قوله تعالى {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف 22] ، وقوله عند سدرة المنتهى {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم 15] ، وقوله {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران 133] إلى غير ذلك من الآيات، وتواتر الأخبار في قصة آدم عليه السلام من دخوله إياها، وخروجه منها، ووعده الرد إليها كل ذلك ثابت بالقطع.
وقال إمام الحرمين (أنكر طائفة من المعتزلة خلقهما قبل يوم الحساب، وقالوا لا فائدة في خلقهما قبل ذلك، وحملوا قصة آدم على بستان من بساتين الدنيا قال وهذا باطل، وتلاعب بالدين، وانسلال عن إجماع المسلمين) .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي (الجنة مخلوقة مهيأة بما فيها سقفها عرش الرحمن، وهي خارجة عن أقطار السماوات والأرض، وكل مخلوق يفنى ويجدد، أو لا يجدد، إلا الجنة والنار، وليس في الجنة سماء إلا ما جاء في «الصحيح» يعني قوله(( وسقفها عرش الرحمن ) )، ولها ثمانية أبواب. وروي أن كلها مغلقة إلا باب التوبة فإنه مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وأما من قال إن قوله تعالى {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران 133] يدل على أنها مخلوقة فلم يصب؛ لما تقدم أنها خارجة عن أقطار السماوات والأرض
ج 1 ص 550
في عالم آخر، والمعنى عرضها كعرض السماوات والأرض كما جاء في آية أخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وعن ابن عباس رضي الله عنهما معناه كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض، فذلك عرض الجنة ولا يوصف طولها لاتساعه، وقيل عرضها سعتها، ولم يرد به العرض الذي هو مقابل الطول، والعرب تقول (ضربت في أرض عريضة؛ أي واسعة) .
ومنها إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه الدلائل من الكتاب والسنة قال الله تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر 46] الآية، وأما الأحاديث فأكثر من أن تحصى، ولا مانع عقلًا أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد، أو في جميعه على خلاف فيه فيثيبه ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع في ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر كما أن الله تعالى يعيده للحشر فهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك.
فإن قيل نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يسأل ويقعد ويضرب؟. فالجواب أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في الشاهد، فإن أحدنا يجد لذة وألمًا يحسه ولا نحسه نحن، وقد كان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيوحي إليه بالقرآن المجيد ولا يدركه الحاضرون، على ما قاله الطيبي.
ومنها سؤال منكر ونكير وهما ملكان يرسلهما الله تعالى إذا وضع الميت في قبره فيسألانه عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها خروج الدجال، ومنها أن الرؤية ليست مشروطة بشيء عقلًا من المواجهة ونحوها، ومنها وقوع رؤية الله تعالى له عليه الصلاة والسلام، ومنها أن من ارتاب في صدق الرسول وصحة رسالته فهو كافر، ومنها سنية صلاة الكسوف، وتطويل القيام فيها، واستحباب فعلها بالمسجد بالجماعة، وهو حجة على العراقيين حيث قالوا بعدم الجماعة فيها، ومنها مشروعية هذه الصلاة للنساء أيضًا، ومنها جواز حضورهن وراء الرجال في الجماعات، ومنها جواز السؤال عن المُصلَّي، وامتناع الكلام في الصلاة، وجواز الإشارة فيها من غير كراهة إذا كانت لحاجة، ومنها جواز التسبيح للنساء في الصلاة،
ج 1 ص 551
فإن قلت لهن التصفيح إذا نابهن شيء لا التسبيح؟ فالجواب أن المقصود من تخصيص التصفيح لهن أن لا يسمع الرجال صوتهن، وفيما نحن فيه جرت القصة بين الأختين، أو التصفيح هو الأولى لا الواجب.
ومنها ما قاله النووي أن الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل باقيًا، وهذا محمول على أنه لم يكثر أفعالها متوالية وإلا بطلت الصلاة، ومنها أن العمل اليسير وهو صب الماء على الرأس في هذا الحديث جائز في الصلاة، وأنه لا يبطلها، فإن قلت من أين علم أن الغشي والصب كانا في الصلاة؟ فالجواب أنه علم من جعل ذلك مقدمًا على الخطبة، وجعل الخطبة متعقبة للصلاة بلا واسطة بينهما بدليل الفاء في (( فحمد الله ) )، ومنها أن الخطبة ينبغي أن يكون أولها الحمد والثناء على الله تعالى.
[1] في هامش الأصل قوله جملة معترضة خبر لقوله وقول فاطمة. منه.
[2] في هامش الأصل يقال درئت عنه أي دفعت عنه السوء. منه.
[3] في هامش الأصل روى أحمد وأبو داود عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله، فيقولان له وما يدريك؟ فيقول قرأتُ كتاب الله فآمنت به وصدقت، فذلك قوله {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} [إبراهيم 27] الآية، قال فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، ويفتح، قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له فيها مد بصره، وأما الكافر فذكر موته، قال ويعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان من ربك؟ فيقول هاه هاه! لا أدري، فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هاه هاه لا أدري! فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال فيأتيه من حرها وسمومها، قال ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ثم يقيد له أعمى أصم، معه مرزبة أي عصية من حديد، لو ضرب بها جبلًا لصار ترابًا، فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابًا، ثم يعاد فيه الروح )) . من مشكاة المصابيح.
[4] في هامش الأصل قوله ولا تليت أي لا اتبعت الناس بأن تقول شيئًا يقولونه، ويجوز أن يكون من قولهم تلا فلان تلو غير عاقل إذا عمل عمل الجهال؛ أي لا علمت ولا جهلت؛ أي هلكت فخرجت من القبيلتين، وقيل أصله لا تلوت أي لا قرأت فقلبت الواو ياء للازدواج ومعناه ما علمت بنفسك بالنظر والاستدلال ولا اتبعت العلماء بالتقليد وقراءة الكتاب وهو دعاء عليه بنحو ما أجابه. منه.