1002 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَد (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) ويروى (قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان الأحول.
(قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (عَنِ الْقُنُوتِ) الظَّاهر أنَّ أنسًا رضي الله عنه ظنَّ أنَّ عاصمًا سأله عن مشروعيَّة القنوت (فَقَالَ) له (قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ) أي مشروعًا، قال عاصم (قُلْتُ) له هل كان (قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ قَبْلَهُ) وحكمة كونه قبله _ والله أعلم _ هي التَّوسعة لإدراك المسبوق، كذا قرَّره المهلَّب.
وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّه يأباه نهيه عن إطالة الإمام في الرُّكوع ليدركه الدَّاخل، ونُوقض أيضًا بالفذ، وإمام قومٍ محصورين، فليتأمَّل.
(قَالَ) أي عاصم، وفي رواية (فَإِنَّ فُلاَنًا) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على تسميته صريحًا، ويحتمل أن يكون محمَّد بن سيرين بدليل الرِّواية السَّابقة [خ¦1001] ، فإنَّ فيها سأل محمَّد بن سيرين أنسًا.
(أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَنْكَ أَنَّكَ) وفي رواية (قُلْتَ) أنَّه (بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ) أي أنس رضي الله عنه (كَذَبَ) فلان؛ أي أخطأ إن كان أخبرك أنَّ القنوت بعد الرُّكوع دائمًا، أو أنَّه في جميع الصَّلوات، وأهل الحجاز يطلقون الكذب على ما هو أعمُّ من العمد والخطأ.
وقال ابن الأثير في «النِّهاية» ومنه حديث صلاة الوتر كذب أبو محمَّد؛ أي أخطأ سمَّاه كذبًا؛ لأنَّه يشبهه في كونه ضد الصَّواب، كما أنَّ الكذب ضدُّ الصِّدق، وإن افترقا من
ج 5 ص 252
حيث النيَّة والقصد؛ لأنَّ الكاذب يعلم أنَّ ما يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم، وهذا الرَّجل ليس بمخبر، وإنَّما قاله باجتهاد أدَّاه إلى أن الوتر واجب، والاجتهاد لا يدخله الكذب، وإنَّما يدخله الخطأ.
وأبو محمَّد صحابي اسمه مسعود بن زيد. وقال الذَّهبي مسعود بن زيد بن سبيع الأنصاري القائل بوجوب الوتر. وقد تعسَّف الكرماني حيث قال فإن قلت فما قول الشَّافعية حيث يقنتون بعد الرُّكوع متمسِّكين بحديث أنس المذكور، وقد قال الأصوليُّون إذا كذَّب الأصل الفرع لا يعمل بذلك الحديث، ولا يحتجُّ به. قلت لم يكذِّب أنس محمَّد بن سيرين، بل كذَّب فلانًا الذي ذكره عاصم، ولعلَّه غير محمَّد. انتهى.
فإذا عرفت أنَّ معنى «كذب» أخطأ تفصَّيت عن هذا التعسُّف، فتأمَّل.
(إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا) ويستفاد منه أنَّ قنوته بعد الرُّكوع كان محصورًا على الشَّهر، والمفهوم منه أنَّه لم يقنت بعد الرُّكوع إلَّا شهرًا، ثمَّ تركه.
وتعسَّف الكرماني لتمشية مذهبه، وأخرج الكلام عن معناه الحقيقي حيث قال معناه أنَّه لم يقنت إلَّا شهرًا في جميع الصَّلوات بعد الرُّكوع، بل في الصُّبح فقط حتَّى لا يلزم التَّناقض بين كلاميه، ويكون جمعًا بينهما. انتهى.
قال العيني لا نسلِّم التناقض؛ لأنَّ قنوته صلى الله عليه وسلم بعد الرُّكوع شهرًا كان على قوم من المشركين على ما يجيء إن شاء الله تعالى، ثمَّ تركه، والتَّرك يدلُّ على النَّسخ. انتهى.
قال أنس رضي الله عنه (أُرَاهُ) بضم الهمزة؛ أي أظنُّ أنَّه صلى الله عليه وسلم (كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ) وفي رواية (الْقُرَّاءُ) وهم طائفة كانوا من أوزاع النَّاس نزلوا الصفَّة يتعلَّمون القرآن، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجد ليدعوهم إلى الإسلام، وليقرؤوا عليهم القرآن، فلمَّا نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطُّفيل في أحياء، وهم رعل، وذكوان، وعصيَّة، فقاتلوهم فقتلوهم، ولم ينجُ منهم إلَّا كعب بن زيد الأنصاري، وكان ذلك في السنة الرَّابعة من الهجرة. وأغرب مكحولٌ حيث قال إنَّها كانت بعد الخندق.
وقال ابن إسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم _ يعني بعد أُحد _ بقيَّة شوَّال، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرَّم، ثمَّ بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد.
قال موسى بن عُقبة وكان أمير القوم المنذر بن عمرو، ويقال مرثد بن أبي مرثد. وقال ابن سعد قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابي ملاعب الأسنَّة، وفي شعر لبيد ملاعب الرِّماح، فأهدى للنَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 5 ص 253
فلم يقبل منه، وعرض عليه الإسلام فلم يُسلم، ولم يبعد من الإسلام، وقال يا محمَّد لو بعثت معي رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك، فقال صلى الله عليه وسلم (( إنِّي أخشى عليهم أهل نجد ) )قال أنا لهم جار إن تعرَّض لهم أحد، فبعث معه القرَّاء، وهم سبعون رجلًا كما قال أنس رضي الله عنه.
(زُهَاءَ) بضم الزاي وتخفيف الهاء ممدودًا؛ أي حال كونهم مقدار (سَبْعِينَ رَجُلًا) وفي «مسند السَّرَّاج» أربعون، وفي «المعجم» ثلاثون، ستة وعشرون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين، وكانوا يسمَّون القرَّاء يصلُّون باللَّيل حتَّى إذا تقارب الصُّبح احتطبوا الحطب، واستعذبوا الماء، فوضعوه على أبواب حُجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثهم جميعًا، وأمَّر عليهم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعروف بالمعتق ليموت _ أي يقدم على الموت _ فساروا حتَّى نزلوا بئر معونة بالنون، فلمَّا نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوِّ الله عامر بن الطُّفيل، فلمَّا أتاه لم ينظر في كتابه حتَّى عدا على الرَّجل فقتله، ثمَّ اجتمع عليه قبائل من عصيَّة وذكوان ورعل، فلمَّا رأوه أخذوا سيوفهم، ثمَّ قاتلوهم حتَّى قُتلوا عن آخرهم إلَّا كعب بن زيد، فإنَّهم تركوه وبه رمق، فعاش حتَّى قُتل يوم الخندق شهيدًا، وكان في القوم عَمرو بن أمية الضَّمري، فأُخذ أسيرًا، فلمَّا أخبرهم أنَّه من مضر أخذه عامر بن الطُّفيل، فجزَّ ناصيته وأعتقه، فبلغ ذلك أبا براء، فشقَّ عليه ذلك، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطُّفيل، فطعنه بالرُّمح، فوقع في فخذه، فوقع عن فرسه.
(إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) من بني عامر رئيسهم أبو براء عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنَّة (دُونَ أُولَئِكَ) يعني غير الذين دعى عليهم (وَكَانَ بَيْنَهُمْ) أي بين المدعو عليهم (وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ) فغدروا وقتلوهم.
(فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الصَّلوات الخمس (شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ) في كلِّ صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده. وفي الحديث التَّصريح عن أنس رضي الله عنه أنَّ القنوت قبل الرُّكوع، وأنَّه حين سأله عاصم قال قبل الرُّكوع.
وأنكر على من نقل عنه أنَّه بعد الرُّكوع، ونسبه إلى الكذب، وقال لم يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الرُّكوع إلَّا في شهر واحد يدعو على قتلة القرَّاء المذكورين.
فإن قيل حديث أنس المذكور في الباب في مطلق القنوت في مطلق الصَّلاة، والمراد منه جميع الصَّلوات المفروضة، ويدلُّ عليه حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 5 ص 254
أنَّه قال قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا متتابعًا في الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والصُّبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده في الرَّكعة الأخيرة، رواه أبو داود في «سننه» ، والحاكم في «مستدركه» . وقال صحيح على شرط البخاري، وليس في حديث أنس ما يدلُّ على أنَّه قنت في الوتر.
فالجواب أنَّه روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر، فيقنت قبل الرُّكوع.
وروى التِّرمذي في حديث أبي الحوزاء _ بالحاء المهملة _، واسمه ربيعة بن شيبان قال قال الحسن بن علي رضي الله عنهما علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهنَّ (( اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، فإنَّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنَّه لا يذلُّ من واليت، تباركت ربَّنا وتعاليت ) ).
وقال التِّرمذي لا نعرف عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئًا أحسن من هذا، رواه أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه.
وفي الباب أيضًا عن عليٍّ رضي الله عنه، وهو ما رواه الأربعة من رواية عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره (( اللَّهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) ). ورواه الحاكم في «مستدركه» ، وقال صحيح الإسناد.
وروى النَّسائي كما روى ابن ماجه من حديث أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الرُّكوع.
وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الوتر قبل الرُّكوع.
ورواه الدَّارقطني بلفظ بتُّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنظر كيف يقنت في وتره، فقنت قبل الرُّكوع، ثمَّ بعثتْ أمِّي أمَّ معبد، فقلت بيتي مع نسائه، فانظري كيف يقنت في وتره، فأتتنا فأخبرتنا أنَّه قنت قبل الرُّكوع.
وروى محمَّد بن نصر المروزي بإسناده إلى سعيد بن عبد الرَّحمن بن أَبْزى، عن أبيه قال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الرَّكعة الأولى من الوتر بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، وفي الثَّانية بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثَّالثة بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ويقنت.
قال محمَّد بن نصر
ج 5 ص 255
في رواية أخرى زاد بعد قوله «ويقنت قبل الرُّكوع» . والحديث عند النَّسائي من طُرُق، وليس في شيء من طرقه ذكر القنوت.
وقال التِّرمذي واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه القنوت في الوتر في السَّنة كلها، واختار القنوت قبل الرُّكوع، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثَّوري، وابن المبارك وإسحاق. انتهى.
وروى ابن أبي شيبة في «المصنَّف» من رواية الأسود عنه أنَّه كان يختار القنوت في الوتر في السَّنة كلها قبل الرُّكوع. وروى أيضًا من رواية علقمة أنَّ ابن مسعود وأصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الرُّكوع. ورواه محمَّد بن نصر عن ابن مسعود وعمر أيضًا من رواية عبد الرَّحمن بن أبزى. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة، ومحمَّد بن نصر من رواية الأسود عن عَمر.
وحكاه ابن المنذر عنهما، وعن علي، وأبي موسى الأشعري، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عبَّاس، وعمر بن عبد العزيز، وعَبيدة السَّلماني، وحُميد الطَّويل، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى رضي الله عنهم.
وروى السَّرَّاج بإسناده عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى أنَّه سأل البراء بن عازب عن القنوت في الوتر فقال سنَّة ماضية.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان يقول في قنوت الوتر لك الحمد ملأ السَّموات السَّبع. وعن الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما أنَّه كان يقول في قنوت الوتر [1] اللَّهم إنَّك تَرى ولا تُرى، وأنت بالمنظر الأعلى، وإنَّ إليك الرُّجعى، وإنَّ لك الآخرة والأولى، اللَّهم إنَّا نعوذ بك من أن نذلَّ ونخزى.
وهذا الذي ذكر كلَّه يدلُّ على أن لا قنوت في شيء من الصَّلوات المكتوبة إنَّما القنوت في الوتر قبل الرُّكوع. ثمَّ إنَّ هذا الحديث رجاله الأربعة كلهم بصريُّون. وقد أخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4088] ، و «الجنائز» [خ¦1300] ، و «الجزية» [خ¦3170] ، و «الدعوات» أيضًا [خ¦6394] ، وأخرجه مسلم في «الصَّلاة» .
[1] من قوله (( لك الحمد. .. إلى قوله في قنوت الوتر ) )ليس في (خ) .