فهرس الكتاب

الصفحة 1595 من 11127

1008 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي نسخة بالجمع (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) أي ابن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصَّيرفي (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ) بضم القاف وفتح المثناة الفوقية (سَلْم) بسكون اللام، الخراساني البصري، مات بعد المائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ) أي ينشده، وزاد ابن عساكر لفظ (وَأَبْيَضَ) بفتح الضاد وضمها، أمَّا الفتح فعلى أن يكون عطفًا على قوله «سيِّدًا» في البيت الذي قبله، وهو قوله

~وَمَا تَرَك قَوْمٌ لَا أَبَا لَكَ سَيِّدًا يَحُوْطُ الذِّمَارَ غَيْرَ ذَرْبٍ مُوَاكِلِ

والذِّمار _ بكسر الذال المعجمة _، وهو ما لزمك حفظه، وقوله «غير ذرب» أراد به التلفُّظ بالشَّرِّ، وأصله من ذرب المعدة وهو فسادها. و «المُواكل» _ بضم الميم _ هو الذي يستأكل.

ويجوز أن يكون مجرورًا بالفتحة بـ «ربَّ» المقدرة، والوجه الأوَّل أوجه. وأمَّا الضم؛ فعلى أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ تقديره هو أبيض.

(يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ) بضم المثناة التحتية وفتح القاف على البناء للمفعول؛ أي يستقي النَّاس الغمام (بِوَجْهِهِ) الكريم (ثِمَالُ الْيَتَامَى) كلام إضافي يجوز فيه الرفع والنصب على التَّقديرين المذكورين.

والثِّمال _ بكسر المثلثة _ قال ابن الأنباري معناه يطعم اليتامى، يقال ثملهم يثملهم إذا كان يطعمهم. وفي «مجمع الغرائب» يقال هو

ج 5 ص 271

ثمال قومه إذا كان يقوم بأمرهم.

وفي «المحكم» فلان ثمال بني فلان؛ أي عمادهم. وقال ابن التِّين أي المُطعِم عند الشدَّة، وقيل ملجؤهم، وقيل مُغِيثهم.

(عِصْمَةٌ) بالوجهين أيضًا؛ أي عاصمًا ومانعًا (لِلأَرَامِلِ) ممَّا يضرهم، والأرامل جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها. وأرمل الرِّجال الذي لا زوج له، وقيل الأرمل الذي نفذ زاده من الرِّجال والنِّساء. قال الحُطيئة

~هَذِي الأَرَامِلُ قدْ قُضِيَتْ حَاجَتُها فَمَن لحَاجَةِ هَذَا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ

وفي «الجامع» قالوا ولا يقال رجل أرمل، فإنَّه لا يكاد يذهب زاده بذهاب امرأته إذا لم تكن قَيِّمةً عليه، بخلاف المرأة. وقال ابن السُّكيت الأرامل المساكين من رجال ونساء، ويُقال لهم وإن لم يكن فيهم النِّساء.

قال السُّهيلي فإن قيل كيف قال أبو طالب يستسقى الغمام بوجهه، ولم يره قط استسقى إنَّما كان ذلك منه بعد الهجرة.

وأجاب بما حاصله أنَّ أبا طالب أشار إلى ما أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفة قال قدمت مكَّة، وهم في قحط، فقالت قريش يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلمَّ فاستسقِ، فخرج أبو طالب معه غلام _ يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم _ كأنَّه شمس دجن تجلَّت عنه سحابة، وحوله أُغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام، وما في السَّماء قزعة، فأقبل السَّحاب من هاهنا وهاهنا، وأعذق وانفجر الوادي، وأخصب النَّادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب

~وَأَبْيَضٌ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بوَجْهِهِ

وقيل يحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك؛ لما رأى من مخايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد وقوعه.

وقال ابن التِّين إنَّ في شعر أبي طالب هذا دلالة على أنَّه كان يعرف نبوَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث لما أخبره به بحير [ة] الرَّاهب أو غيره من شأنه. قيل فيه نظر؛ لأنَّ ابن إسحاق زعم أنَّ أبا طالب أنشأ هذا الشِّعر بعد المبعث، هذا وفيه نظر. ثمَّ إنَّه استشكل إدخال هذا الحديث في هذه التَّرجمة، إذ ليس فيه أنَّ أحدًا سأله أن يستسقي بهم.

وأجاب ابن رُشَيد باحتمال أن يكون أراد بالتَّرجمة الاستدلال بطريق الأولى؛ لأنَّهم كانوا يسألون الله به، فيسقيهم، فأحرى أن يقدِّموه للسُّؤال، والله أعلم.

1009 - (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وهو ابن أخي سالم بن عبد الله بن عمر، أخرج له البخاري في «الأدب» أيضًا، وتكلَّم فيه أحمد والنَّسائي، ووثَّقه ابن حبَّان، وقال كان يخطئ. وقال ابن عديِّ وهو ممَّن يكتب حديثه.

ج 5 ص 272

وروى له مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، وابن ماجه.

فإن قيل عمر بن حمزة هذا متكلَّم فيه، وكذلك عبد الرَّحمن بن عبد الله بن دينار السَّابق في الطَّريق الموصولة [خ¦1008] ، فكيف احتجَّ المؤلِّف بهما؟

فالجواب أنَّ إحدى الطَّريقين اعتضدت بالأخرى، وهذا أحد قسمي الصَّحيح كما تقرَّر في موضعه، فليتأمَّل.

(حَدَّثَنَا) عمِّي (سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر، قال (رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ، وَأَنَا أَنْظُرُ) جملة حالية (إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (يَسْتَسْقِي) زاد ابن ماجه قوله (( على المنبر ) ).

(فَمَا يَنْزِلُ) عنه (حَتَّى يَجِيشَ) بالجيم والشين المعجمة، من جاش البحر إذا هاج، وجاش القدر جيشانًا إذا غلت، وجاش الوادي إذا زخر وامتدَّ جدًّا، وجاش الشَّيء إذا تحرَّك، وهو هنا كناية عن كثرة المطر (كُلُّ مِيزَابٍ) وهو ما يسيل من الماء من موضع عال، وفي رواية بتقديم اللام على الكاف، وهو تصحيف على ما قاله الحافظ العسقلاني.

(وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ~ ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلأَرَامِلِ) وهو قول أبي طالب، وهذا التَّعليق وصله ابن ماجه في «سننه» .

ومناسبته للتَّرجمة لقوله (( يُستسقى ) )لأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما يُخبر عن استسقاء النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو ينظر إلى وجهه الكريم، ولم يكن استسقاؤه في ذلك الوقت إلَّا عن سؤال عنه صلى الله عليه وسلم.

ويوضح ذلك ما رواه البيهقيُّ في «الدَّلائل» عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاء أعرابي إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، والله لقد أتيناك وما لنا بعير يَئِطُّ، ولا صغير يغطُّ. ثمَّ أنشد

~أَتَينَاكَ والعَذْرَاءُ يَدْمَى لبَانُها وقَد شُغِلَت أمُّ الصَّبيِّ عنِ الطِّفلِ

~وأَلْقَى بكَفَّيهِ الفَتَى استِكَانَةً مِنَ الجُوعِ ضَعْفًا ما يُمِرُّ وما يُحْلِي

~ولَا شَيءَ ممَّا يأكُلُ النَّاسُ عندَنَا سوى الحَنظَلِ العاهِّيِّ والعِلهِزِ الفَسْلِ

~وَليسَ لنَا إلَّا إليك فِرَارُنَا وأَينَ فِرارُ النَّاس إلَّا إلَى الرُّسلِ؟

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرُّ رداءه حتَّى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمَّ قال (( اللَّهم اسقنا ... ) )الحديث.

وفيه فجاء أهل البطانة يصيحون الغرق الغرق، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى بدت نواجذه، ثمَّ قال (( للَّه درُّ أبي طالب لو كان حاضرًا لقرَّت عيناه، مَن ينشدنا شعره؟ ) )فقام عليٌّ رضي الله عنه فقال يا رسول الله كأنَّك أردت قوله

ج 5 ص 273

~وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجهِهِ

فذكر أبياتًا منها، فقال صلى الله عليه وسلم (( أجل ) )، فقام رجل من بني كنانة فأنشد

~لَكَ الحَمْدُ والحَمْدُ مِمَّنْ شَكَر سُقِيْنَا بِوَجْه النَّبيِّ المَطَر

~دَعَا اللَّه خَالِقَه دَعوَةً وأَشْخَصَ معَهَا إلَيهِ البَصَر

~فَلَم يَكُ إلَّا كَإِلقَاءِ الرَّدَاء وأَسْرَعَ حتَّى رَأْينَا الدِّرَر

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن يكنْ شاعرٌ أحسنَ، فقد أحسنت ) ).

ثمَّ قوله (( يئطُّ ) )أي يحنُّ ويصيح، يريد ما لنا بعير أصلًا؛ لأنَّ البعير لا بدَّ أن يئطَّ. وقوله (( ولا صبيَّ يغط ) )من الغطيط، يقال غطَّ يغطُّ غطًّا وغطيطًا إذا صاح. و «العذراء» هي الجارية التي لم يمسَّها رجل وهي البكر.

وقوله «يُدمى لَبانها» _ بفتح اللام _، وهو الصَّدر، وأصل اللبان في الفرس موضع اللَّبن، ثمَّ استعير للنَّاس، ومعنى يُدمى لَبانها يُدمى صدرها؛ لامتهانها نفسها في الخدمة، حيث لا تجد ما تغطيه من تخدمها من الجدب وشدَّة الزَّمان.

وقوله «استكانة» أي خضوعًا وحلة. وقوله «يُمِرُّ» _ بضم المثناة التحتية وكسر الميم وتشديد الراء _.

وقوله «ولا يُحْلِي» _ بضم المثناة التحتية أيضًا وسكون الحاء المهملة وكسر اللام _، والمعنى ما ينطق بخير ولا شر من الجوع والضَّعف، واشتقاق الأوَّل من المرارة، والثَّاني من الحلاوة، فالأوَّل كناية عن الشرِّ، والثَّاني عن الخير.

وقوله «سوى الحنظل العاهي» الحنظل معروف، و «العاهي» من العاهة، وهي الآفة. و «العِلْهِز» _ بكسر العين المهملة وسكون اللام وكسر الهاء وفي آخره زاي _ هو شيء يتَّخذونه في سِنِي المجاعة يخلطون الدَّم بأوبارِ الإبل، ثمَّ يشوونه بالنَّار ويأكلونه. وقيل كانوا يخلطون فيه القُرَّدان. ويقال للقراد الضَّخم العِلْهز. وقيل العِلْهز شيء ينبت ببلاد بني سُليم له أصل كأصل البرذي.

والفَسْل _ بفتح الفاء وسكون السين المهملة _ هو الشَّيء الرَّدي الرَّذل، يقال فَسَله وأَفْسَله. قال ابن الأثير ويروى بالشين المعجمة [1] .

قال ابن الأثير في باب الشين الفشل الفزع والخوف والضَّعف، ومنه حديث الاستسقاء (( سوى الحنظل العاهي والعِلْهز الفشل ) )أي الضَّعيف يعني الفشل مدَّخره وآكله، فهو في الحقيقة وصفٌ لآكله.

وقوله «الدِّرَر» _ بكسر الدال وفتح الراء الأولى _ جمع درة، يقال للسَّحاب درة؛ أي صب واندفاق. ثمَّ إنَّ ابن عساكر اقتصر في روايته على قوله ، وأسقط باقيه اكتفاء بالسَّابق.

وقدَّم قوله على قوله بعد

ج 5 ص 274

قوله . وسقط قوله (( وهو ) )في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت.

ثمَّ إنَّ هذا البيت من قصيدة طنانة لاميَّة من بحر الطَّويل، قالها أبو طالب لمَّا عادى قريشًا على النَّبي صلى الله عليه وسلم، ونفروا عنه، وعمَّن يريد الإسلام، ومَدْحَهُ نفسه ونسبه وذكر سيادته وحمايته للنَّبي صلى الله عليه وسلم، والتعرُّض لبني أميَّة، وغير ذلك يعرفها من يقف عليها، وهي مئة بيت وعشرة أبيات، أولها قوله

~خَلِيْلَيَّ مَا أُذُنِي لِأَوَّلِ عَاذِلِ بِصَغْوَاء فِي حَقٍّ وَلَا عَنْدَ بَاطِلِ

وآخرها قوله

~وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ رَافِعٌ أَمْرَه وَمُعْلِيْهِ فِي الدُّنْيَا وَيَومَ التَّجَادُلِ

~كَمَا قَدْ أَرَى فِي اليَومِ وَالأَمْسِ جَدَّه وَوَالِدَه رُؤيَاهُمَا غَيْرَ آفِلِ

[1] قوله (( قال ابن الأثير ويروى بالشين المعجمة ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت