1036 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة
ج 5 ص 315
(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (أَبُو الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان.
(عَنْ عَبْدِ الرَّحمن) بن هرمز الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ) أراد بها يوم القيامة (حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ) وذلك بموت العلماء، وكثرة الجهلاء.
(وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ) قال المُهلَّب ظهور الزلازل والآيات وعيد من الله تعالى لأهل الأرض، قال الله تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء 59] ، والتَّخويف والوعيد بهذه الآيات إنَّما يكون عند المجاهرة والإعلان بالمعاصي.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين زُلزلت المدينة في أيَّامه يا أهل المدينة ما أسرع ما أحدثتم، والله لئن عادت لأخرجنَّ من بين أظهركم. فخشي أن تُصيبه العقوبة معهم كما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهلك وفينا الصَّالحون؟ قال (( نعم إذا كثر الخبث [خ¦3346] ، ويبعث الله الصَّالحين على نياتهم ) ) (وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ) فيه أقوال
أحدها أنَّ معناه يقصر مُدَدُ الأزمنة عمَّا جرت به العادة كما روى التِّرمذي من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تقوم السَّاعة حتَّى يتقارب الزَّمان فتكون السَّنة كالشَّهر، والشَّهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالسَّاعة، والسَّاعة كالضرمة من النَّار ) )أي كزمان اتِّقاد الضرمة، وهي ما توقد به النَّار أولًا كالكبريت والقضيب.
والثَّاني أنَّ معناه تقصر الأعمار بقلَّة البركة فيها.
الثَّالث أنَّ النَّاس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النَّوازل والشَّدائد، وشغل قلبهم بالفتن العظام لا يدرون كيف تنقضي أيَّامهم ولياليهم. فإن قيل العرب تستعمل قِصَر الأيَّام واللَّيالي في المسرَّات، وطولهما في المكاره؟
فالجواب أنَّ المعنى الذي يذهبون إليه في القصر والطُّول مفارق للمعنى الذي ذهب إليه هنا، فإنَّ ذلك راجع إلى تمنِّي الإطالة للرَّخاء، وإلى تمنِّي القصر للشدَّة، والذي ذهب إليه ثمَّة راجع إلى زوال الإحساس بما يمرُّ عليهم من الزَّمان لشدَّة ما هم فيه، وذلك أيضًا صحيح.
والرَّابع أنَّ معناه تطيب تلك الأيَّام حتَّى لا تكاد تُستطال بل تُستَقصر.
وحمله الخطَّابي على زمان المهدي؛ لوقوع الأمن في الأرض، فيستلذ العيش عند ذلك؛ لانبساط عدله فتُستقصر مدَّته؛ لأنَّهم يستقصرون مدَّة أيَّام الرَّخاء وإن طالت، ويستطيلون أيَّام الشدَّة وإن قصرت.
وتُعقِّب بأنَّه لا يناسب
ج 5 ص 316
أخواته من ظهور الفتن وكثرة الهرج وغيرهما.
وقال الحافظ العسقلاني وإنَّما احتاج الخطَّابي إلى تأويله بما ذكر؛ لأنَّه لم يقع نقصٌ في زمانه، فالذي تضمَّنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنَّا نجد من سرعة مرِّ الأيَّام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا، وإن لم يكن هناك عيش مستلذٌّ، والحقُّ أنَّ المراد نزع البركة من كلِّ شيء من الزمان، وذلك من علامات قرب السَّاعة.
والخامس أنَّ معناه يتقارب أحوال النَّاس في ثبوت الجهل لهم، وانتفاء العلم عنهم، وغلبة الفساد عليهم، ويكون المعنى ويتقارب أهل الزَّمان؛ أي تتقارب صفاتهم في القبائح حتَّى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف، وينهى عن منكر.
وقال الطَّحاوي وقد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصَّة، ويؤيِّده ذِكْرُ الهرج والشحُّ بعده.
والسَّادس أنَّ معناه قرب الآيات بعضها من بعض.
والسَّابع أنَّ معناه يتقارب اللَّيل والنَّهار في عدم ازدياد السَّاعات وانتقاصها بأن تساويا طولًا وقصرًا. قال أهل الهيئة تنطبق دائرة منطقة البروج على دائرة معدل النَّهار فحينئذٍ يلزم تساويهما ضرورة.
والثَّامن ما قاله البيضاوي من أنَّه تتسارع الدُّول إلى الانقضاء، فتتقارب أيَّام الملوك.
(وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ) أي تكثر وتشتهر (وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ) بفتح الهاء وسكون الراء وفي آخره جيم (وَهْوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ) مرتين، وهو صريح في أنَّ تفسير «الهرج» مرفوع.
وقد سبق الحديث في كتاب «العلم» من طريق سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما سمعتُ أبا هريرة رضي الله عنه ... الحديث [خ¦85] ، وفي آخره (( قيل يا رسول الله وما الهرج؟ فقال هكذا بيده فحرفها كأنَّه يريد القتل ) )، فيُجمع بأنَّه جمع بين الإشارة والنُّطق، فحفظ بعض الرُّواة ما لم يحفظه بعض.
وقيل الهرج الاختلاط، ورأيتهم يتهارجون؛ أي يتسافدون. وقال ابن دريد الهرج الفتنة في آخر الزِّمان، قال وروي (( أمام السَّاعة هرج ) )وأصله الإكثار من الشَّيء. وفي «المحكم» الهرج شدَّة القتل وكثرته، والهرج كثرة الكذب، وكثرة النَّوم، والهرج شيء يُراه في النَّوم وليس بصادق.
(حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ) لقلَّة الرِّجال، وقلَّة الرَّغبات، ولقصر الآمال؛ لعلمهم بقرب السَّاعة، وتركَ العطف على ما قبله؛ لأنَّه لا غاية لكثرة الهرج، ويحتمل أن يكون معطوفًا على ما قبله والواو محذوفة، وحذف الواو جائز معروف في اللُّغة كما في (( التحيَّات المباركات ) )تقديره والمباركات.
(فَيَفِيض)
ج 5 ص 317
بفتح حرف المضارعة، ويجوز في الضاد الرفع والنصب، أمَّا الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي فهو يفيضُ، وأمَّا النصب فعلى أنَّه عطف على «يكثَر» ، وهو استعارة من فيض الماء لكثرته. يقال فاض الماء يفيض إذا كثر حتَّى سال على ضفة الوادي؛ أي جانبه. قال الشَّاعر
~شَكَوْتُ وَمَا الشَّكَوْى لِمِثْلِي عَادَةٌ وِلَكِن تَفِيضُ الكَأْسُ عِنْدَ امْتِلَائهَا
ويقال أفاض الرَّجل إناءه؛ أي ملأه حتَّى فاض، ويقال فيض المال كثرته حتَّى يفضل منه بأيدي مُلَّاكه ما لا حاجة لهم به. وقيل بل ينشرُ في النَّاس ويعمهم.