92 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) هو أبو كُريب الكوفي (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ)
ج 1 ص 575
هو حماد بن أسامة الكوفي (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة والدال المهملة، ابن عبد الله (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر بن أبي موسى الأشعري.
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، وقد تقدموا في باب «فضل من علم وعلم» [خ¦79] ، وكلهم كوفيون، وقد أخرج متنه البخاري في «الاعتصام» [خ¦7291] ، وفي «الفضائل» أيضًا.
(قَالَ) أي إنه قال (سُئِلَ) بصيغة المجهول (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَشْيَاءَ) جمع شيء، وهو غير منصرف، ووزنه إما فعلاء، أو أفعلاء، أو أفعال، على اختلاف بين الصرفتين كما حُقق في موضعه [1] .
قال في «العباب» (الشيء تصغيره شُيَيْئ وشِييئ _ بكسر الشين _ على خلاف القياس، ولا تقل شُوَي) .
(كَرِهَهَا) صفة «أشياء» ، وكان من هذه الأشياء السؤال عن السائمة ونحوها، وإنما كره صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ربما كان سببًا لتحريم شيء على المسلمين، فيلحقهم به المشقة، أو ربما كان في الجواب ما يكره السائل ويسوءه، أو ربما أحفوه عليه السلام، وألحقوه المشقة والأذى، فيكون ذلك سببًا لهلاكهم، وهذا في الأشياء التي لا ضرورة ولا حاجة إليها، ولا يتعلق بها تكليف ونحوه. وأما في غير ذلك؛ فلا تتصور الكراهة؛ لأن السؤال حينئذ إما واجب أو مندوب؛ لقوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل 43] .
(فَلَمَّا أُكْثِرَ) على صيغة المجهول من الإكثار؛ أي فلما أكثر الناس السؤال (عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (غَضِبَ) جواب «لما» ، وسبب غضبه صلى الله عليه وسلم تعنتهم في السؤال، وتكلفهم لما لا حاجة لهم فيه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (( إن أعظم المسلمين حرمانًا من سأل عن شيء، فحُرِّم من أجل مسألته ) )، أخرجه البخاري من حديث سعد [خ¦7289] .
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِلنَّاسِ) وفي رواية سقط قوله «للناس» (سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ) قال بعض العلماء وهذا القول منه صلى الله عليه وسلم محمول على أنه أُوحي إليه به، إذ كان لا يعلم كل ما يسأل عنه من المغيبات، إلا بإعلام الله تعالى.
وقال القاضي عياض ظاهر الحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم (( سلوني ) )إنما كان غضبًا، وفي بعض النسخ _ بحذف الألف _
ج 1 ص 576
لأنه يجب حذف ألف «ما» الاستفهامية إذا جُرَّت، وإبقاء الفتحة دليل عليها نحو فيمَ، وإلامَ، وعلامَ، وعلة الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر، ومن ثمه حذفت في نحو قوله تعالى {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات 43] ، وقوله تعالى {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل 35] وثبتت في نحو قوله عز وجل {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال 68] ، فكما لا تحذف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام، وأما قراءة عكرمة وعيسى {عَمَّا يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ 1] فنادرة.
وأما قول حسان رضي الله عنه
~علَى ما قامَ يشتُمُني لئيمٌ كخنزيرٍ تمرَّغَ في رَمادِ
ويروى (( في دمان ) )وهو كالرماد وزنًا ومعنى، فضرورة.
(قَالَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حذافة (مَنْ أَبِي) يا رسول الله؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَبُوكَ حُذَافَةُ) بضم المهملة وبالذال المعجمة المخففة وبالفاء، القرشي السهمي، وعبد الله بن حذافة بن قيس من المهاجرين الأولين الذين أدركوا بيعة الرضوان، وقيل الذين صلوا إلى القبلتين، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى بكتاب، فمزق كسرى الكتاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( اللهم مزق ملكه ) )فقتله ابنه شيرويه كما سبق ذكره [خ¦64] ، وكان ابن حذافة فيه دعابة، قيل إنه حلَّ حزام دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى كاد يقع. وقال ابن وهب قلت لليث بن سعد ليضحكه؟ ّ! قال نعم، وأسره الروم في زمن عمر رضي الله عنه، وأرادوه على الكفر، فعصمه الله حتى أنجاه الله منهم، ومات بمصر في خلافة عثمان رضي الله عنه، وكان سبب سؤاله عن أبيه؛ لأن بعض الناس كانوا يطعنون في نسبه على عادة الجاهلية، فينسبونه إلى غير أبيه إذا لاحى أحدًا، فنسبه صلى الله عليه وسلم إلى أبيه.
فإن قلت من أين عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ابنه؟. فالجواب إما بالوحي، وهو الظاهر، أو بحكم الفراسة، أو بالقياس، أو بالاستلحاء، وفي «صحيح مسلم» أنه كان يُدعَى لغير أبيه، ولما سمعت أمه سؤاله قالت ما سمعت بابن أعقّ منك، أَأَمِنت أن تكون أمك قارفت ما تقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به.
(فَقَامَ) أي كما في رواية (آخَرُ) أي رجل آخر هو سعد بن سالم (فَقَالَ مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ) وفي رواية(أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى
ج 1 ص 577
شَيْبَةَ)بفتح الشين المعجمة ابن ربيعة، وهو صحابي جزمًا، وكان السبب هو ما ذكر في عبد الله بن حذافة أيضًا. ووقع في «تفسير مقاتل» في نحو هذه القصة أن رجلًا من بني عبد الدار قال مَن أبي؟ قال سعد نسبه إلى غير أبيه، بخلاف ابن حذافة، وابن سالم.
(فَلَمَّا رَأَى) أي أبصر (عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله عنه (مَا فِي وَجْهِهِ) الوجيه صلى الله عليه وسلم من أثر الغضب (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) من الأسئلة المكروهة مما لا يرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قال ذلك عمر رضي الله عنه؛ لما رأى حرصهم خشي أن يكون ذلك كالتعنُّت والشك في أمره، فقال إنا نتوب إلى الله.
وفي الحديث فوائد منها فهم عمر وفضل علمه رضي الله عنه، فإن العالم لا يسأل إلا فيما يحتاج إليه، ومنها كراهة السؤال للتعنت، ومنها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.
[1] في هامش الأصل والأول مذهب الخليل، والثاني مذهب الأخفش والفراء قالا حذفت الهمزة التي بين الياء والألف للتخفيف، والثالث مذهب الكسائي وعلى مذهبه إنما كان غير منصرف لكثرة استعمالهم لها ولأنها شتمت بفعلاء. منه.