91 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفر المسنَدي _ بفتح النون _ الجعفي البخاري، وقد تقدم [خ¦9] (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) كما في رواية، وفي أخرى _ بفتح العين المهملة والقاف _ وقد مرّ أيضًا [خ¦9] .
(قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ
ج 1 ص 566
الْمَدِينِيُّ) بالمثناة التحتية قبل النون، وفي نسخة _ بدون المثناة التحتية _ قال الجوهري إذا نسبت إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم قلت مدني، وإلى مدينة المنصور قلت مديني، وإلى مدائن كسرى قلت مدائني هذا، فعلى هذا لا يصح المديني؛ لأنه من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي في كتاب «الأنساب» (قال البخاري المديني هو الذي أقام بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقها، والمدني هو الذي تحول عنها، وكان منها) .
(عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المعروف بربيعة الرأي شيخ الإمام مالك بن أنس رحمهما الله تعالى، وقد تقدم في باب «رفع العلم» [خ¦80] (عَنْ يَزِيدَ) من الزيادة (مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ) اسم فاعل من الانبعاث بالنون والموحدة المدني، روى عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، وعنه ربيعة ويحيى بن سعيد، اتفق على توثيقه، روى له الجماعة.
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) بضم الجيم وفتح الهاء، وبالنون نسبة إلى جهينة بن زيد ابن ليث، اختلف في كنيته، ووقت وفاته، وموضع وفاته اختلافًا كثيرًا، فقيل هو أبو طلحة، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو زرعة، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، نزل الكوفة ومات بها، أو بمصر، أو بالمدينة، سنة خمس، أو ثمان وستين، أو اثنتين وسبعين، رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون حديثًا ذكر البخاري منها خمسة، روى له الجماعة، وليس في الصحابة زيد بن خالد سواه.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رواته ما بين بخاري وبصري ومدني، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في «اللقطة» [خ¦2428] ، و «الشرب» [خ¦2372] ، و «الأدب» [خ¦6112] ، و «الطلاق» [خ¦5292] أيضًا، وأخرجه مسلم في «القضاء» ، وأبو داود في «اللقطة» ، والترمذي في «الأحكام» ، وقال حسن صحيح، والنسائي في «اللقطة» ، وابن ماجه في «الأحكام» .
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رَجُلٌ) هو عمير والد مالك، وقيل بلال المؤذن، وقيل الجارود، وقيل هو زيد بن خالد نفسه (عَنِ اللُّقَطَةِ) بضم اللام وفتح القاف، قال القاضي لا يجوز فيها غيرها، وقال النووي هو المشهور، وقال الأزهري قال الخليل بالإسكان، وأما بالفتح فهو اللاقط، وهو القياس في كلام العرب؛ لأنه فُعَلَة بالتحريك كالضُّحَكة جاء فاعلًا، وفُعْلة بالإسكان كالضحْكة جاء مفعولًا،
ج 1 ص 567
إلا أن اللقطة على خلاف القياس، إذ أجمعوا على أنها بالفتح بمعنى الملقوط وهو ما ضاع عن الشخص لسقوط، أو غفلة فيجده شخص آخر، وقال ابن مالك (فيها أربع لغات اللَّقْطة _ بالفتح وبالسكون _ واللَّقَطة _ بفتح اللام والقاف _ واللُّقاطة _ بضم اللام _ والالتقاط وجدان الشيء من غير طلب) .
(فَقَالَ) له صلى الله عليه وسلم، وفي رواية بدون الفاء (اعْرِفْ) بكسر الهمزة من المعرفة لا من الإعراف (وِكَاءَهَا) بكسر الواو وبالمد، هو الذي يُشدُّ به رأس الصرة والكيس ونحوهما، ويقال هو الخيط الذي يشد به الوعاء، يقال أوكيته إيكاء فهو موكًى، ويقال أوكى على ماء في سقاء؛ أي شَدَّه بالوكاء، ومنه (( أوكوا قربكم ) )، وفي المثل يداك أوكتا وفوك نفخ، وأما أوكأ يوكئ بالهمز؛ فلمعنى آخر تقول أوكأت الرجل أعطيته ما يتوكأ عليه.
(أَوْ قَالَ) شك من الراوي من زيد بن خالد أو ممن دونه (وِعَاءَهَا) بكسر الواو؛ أي ظرفها ويجوز ضم الواو، وهي قراءة الحسن في قوله تعالى {قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} [يوسف 76] وهي لغة، وقرأ سعيد بن جبير (( إعاء ) )بقلب الواو همزة، وقال الجوهري الوعاء واحد الأوعية، يقال أوعيت الزاد والمتاع؛ أي جعلته في الوعاء.
قال عبيد بن الأبرص
~الخيرُ يبقَى وإنْ طالَ الزَّمان بهِ والشَّرُّ أخبثُ مَا أوعيْتُ مَن زادِ
(وَعِفَاصَهَا) ؛ بكسر العين المهملة وبالفاء الوعاء الذي يكون فيه النفقة سواء كان من جلد أو خرقة أو غير ذلك، وعن أبي عبيد إنه يُسمَّى الجلد الذي يُلبَس رأس القارورة العفاص أيضًا؛ لأنه كالوعاء لها، قال ومنه الحديث - يعني هذا الحديث، وهو من العفص وهو الثني والعطف؛ لأن الوعاء ينثني على ما فيه وينعطف، ويقال عفصت القارورة أعفصها بالكسر عفصًا إذا شددت عليها العفاص، هذا وأما الجلد الذي يَدخل في فمها فهو الصِّمام _ بالكسر _ وكذا أيضًا يقال لكل ما سددت به شيئًا السِّداد _ بالكسر _ وأما السَّداد _ بالفتح _ فهو القصد في الدين. وفي بعض طرق الحديث عند البخاري (( اعرف عفاصها ووكاءها ) ) [خ¦2372] من غير شك، وإنما أمر بمعرفة ما ذكر؛ ليعرف صدق مدَّعيها وواصفها من كذبه، ولئلا يختلط بماله، قيل ويستحب التقييد بالكتابة خوف النسيان، وعن ابن داود من الشافعية يستحب أن يعرِّفها قبل حضور المالك، وقيل
ج 1 ص 568
يجب معرفتها عند الالتقاط، وقيل يعرف أيضًا الجنس والقدر وطول الثوب وغير ذلك من دقته وصفاقته.
(ثُمَّ عَرِّفْهَا) ؛ للناس بذكر بعض صفاتها في المحافل والمجالس (سَنَةً) أي مدة سنة متصلة كل يوم مرتين، ثم مرة، ثم في كل أسبوع، ثم في كل شهر في بلد اللقطة إلى أن تتم السنة، وهو _ أي التعريف _ واجب.
لكن اختلف في مدة وجوب التعريف، فقال أصحابنا الحنفية يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها، وهو الصحيح؛ لأن ذلك يختلف بقلة المال وكثرته، وروى محمد عن إمامنا أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه إن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، وقدَّره محمد في الأصل بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير؛ لظاهر الحديث، وهو قول الشافعي ومالك رحمهما الله، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنها إن كانت مائتي درهم فصاعدًا يعرفها حولًا، وفيما فوق العشرة إلى مائتين شهرًا، وفي العشرة جمعة، وفي ثلاثة دراهم ثلاثة أيام، وفي درهم يومًا، وإن كانت تمرة ونحوها تصدق بها مكانها، وإن كان محتاجًا أكلها مكانها.
وفي «الهداية» (إذا كانت اللقطة شيئًا يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان يكون إلقاؤه مباحًا، ويجوز الانتفاع به من غير تعريف، لكنه مبقيٌّ على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح) ، وفي «الواقعات» (المختار في القشور والنواة أنه يملكها، وفي الصيد لا يملكه، وإن جمع سنبلًا بعد الحصاد فهو له لإجماع الناس على ذلك، وإن سلخ شاة ميتة؛ فهي له ولصاحبها أن يأخذها منه، وكذلك الحكم في صوفها) .
وقال القاضي (وجوب التعريف سنة بالإجماع، ولم يشترط أحد تعريف ثلاث سنين إلا ما روي عن عمر رضي الله عنه، ولعله لم يثبت عنه، وقد رُوي عنه أنه يعرفها ثلاثة أشهر، وعن أحمد يعرفها شهرًا حكاه المحب الطبري في «أحكامه» ، وحكي عن آخرين أنه يعرفها ثلاثة أيام) ، وقال بعض الشافعية هذا إذا أراد تملُّكها، فإن أراد حفظها على صاحبها فقط فالأكثرون من أصحابنا على أنه لا يجب التعريف، والأقوى هو الوجوب، ثم الأصح عند الشافعية أنه لا يجب التعريف في القليل سنة، بل يعرِّفها زمنًا يُظن أن فاقده يطلبه غالبًا،
وقال الليث إنْ وجدها في القرى
ج 1 ص 569
عرفها، وفي الصحراء لا يعرفها، وقال المازري لم يجرِ مالك اليسير مجرى الكثير، واستحب فيه التعريف، ولم يبلغ مدة سنة، وقد جاء أنه عليه السلام مر بتمرة فقال (( لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) ). فنبَّه على أن اليسير الذي لا يرجع إليه أهله يؤكل.
وفي «سنن أبي داود» عن جابر رضي الله عنه رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهها، يلتقطه الرجل فينتفع به، وقد حدَّ بعض العلماء اليسير بنحو الدينار تمسكًا بحديث علي رضي الله عنه في التقاط الدينار، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر له تعريفًا، رواه أبو داود أيضًا في «سننه» ، ويمكن أن يكون اختصرها الراوي، هذا كلام المازري.
وقال القاضي حديث أُبي رضي الله عنه يدل على عدم الفرق بين اليسير وغيره؛ لاحتجاجه في السوط بعموم الحديث، ولا شك أن الصحابي أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما حديث علي رضي الله عنه، فيمكن أن يعرِّفه علي ولم يجد من يَعْرفه، هذا وأراد بحديث أُبي رضي الله عنه قوله وجدت صرة مئة دينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( عرفها حولًا ) )فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال (( عرفها حولًا ) )فعرفتها فلم أجد، ثم أتيته ثلاثًا فقال (( احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع ) )، قال الراوي فلقيت _ يعني أُبي بن كعب _ فقال لا أدري ثلاثة أحوال، أو حولًا واحدًا [خ¦2426] فإن قلت هذا الحديث يدل على التعريف ثلاث سنين جزمًا كما في الرواية، أو شكًا كما فيما قال الراوي، بخلاف حديث الكتاب.
فالجواب أنهما قصتان الأولى للأعرابي، والثانية لأُبي، أفتاه بالورع بالتربص ثلاثة أعوام، وهو من فضلاء الصحابة، أو يُطرح الشك، وتردُّ الزيادة لمخالفتها باقي الأحاديث.
هذا وقال بعض العلماء إن السوط والعصا والحبل ونحوها ليس فيه تعريف، وإنه مما يعفى عن طلبه وتطيب النفس بتركه كالتمرة وقليل الطعام، وقال أصحاب الشافعي اليسير التافه الذي لا يتموَّل كالحبة من الحنطة والزبيب وشبههما لا يُعرَّف، وإن كان قليلًا متمولًا يجب تعريفه، واختلفوا في القليل فقيل ما دون نصاب السرقة، وقيل الدينار فما دونه، وقيل وزن الدرهم، واختلفوا أيضًا في تعريفه فقيل سنة كالكثير، وقيل مدة يظن في مثلها طلب الفاقد لها، وإذا غلب على ظنه إعراضه عنها سقط الطلب، فعلى هذا يختلف بكثرة المال
ج 1 ص 570
وقلته، فدانق الفضة يعرف في الحال، ودانق الذهب يومًا أو يومين، ثم إن المدة التي يجب التعريف فيها كالسنة مثلًا لا يجب التعريف فيها فورًا، بل المعتبر تلك المدة متى كانت، وهل يكفي التعريف في مدة مفرقة؟ فيه وجهان، وبعدم الكفاية قطع العراقيون.
(ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا) بكسر التاء الثانية وسكون العين عطفًا على قوله (( عرفها ) )أي إن كنت فقيرًا، وإلا فتصدق بها على فقير أجنبي أو قريب، وأباحه الشافعي للغني الواجد بحديث أُبي بن كعب رضي الله عنه، فيما رواه مسلم وأحمد (( عرفها، فإن جاء أحد يخبرك بعدَّتها ووعائها ووكائها، فأعطها إياه، وإلا فاستمتع بها ) )وبظاهر ما في حديث الباب.
ثم اختلف أصحابه هل يدخل في ملكه باختياره، أو بغير اختياره؟ فعند الأكثرين يدخل بغير اختياره، قال الخطابي في لفظ (( ثم استمتع ) )بيان أنها له بعد التعريف يفعل بها ما يشاء بشرط أن يردَّها إذا جاء صاحبها إن كانت باقية، أو قيمتها إن كانت تالفة، فإذا ضاعت اللقطة نظر، فإن كان في مدة السنة لم يكن عليه شيء؛ لأن يده يد أمانة وإن ضاعت بعد السنة فعليه الغرامة؛ لأنها صارت دينًا عليه، وأغرب الكرابيسي من الشافعية فقال لا يلزمه ردها بعد التعريف ولا رَدُّ بدلها، وهو قول داود وقول مالك في الشاة، وقال سعيد بن المسيب والثوري يتصدق بها ولا يأكلها، وروي ذلك عن علي وابن عباس رضي الله عنهما، وقال مالك يستحب له أن يتصدق مع الضمان، وقال الأوزاعي المال الكثير يجعل في بيت المال بعد السنة.
وحجة الحنفية فيما ذهبوا إليه قوله صلى الله عليه وسلم (( فليتصدق به ) )ومحل الصدقة الفقراءُ، وأجابوا عن حديث أُبي رضي الله عنه وأمثاله بأنه حكاية حال، فيجوز أنه عليه السلام عَرَفَ فقره إما لديون عليه، أو لقلة ماله، أو يكون إذنًا منه عليه الصلاة والسلام بالانتفاع به، وذلك جائز عندنا من الإمام على سبيل القرض، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم عرف أنه كان من مال كافر حربي.
(فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) ؛ أي مالكها، ولا يطلق الرب على غير الله إلا مضافًا مقيدًا؛ أي فعرف عفاصها ووكائها، (فَأَدِّهَا) أي أعطها نفسها أو قيمتها كما تقدم (إِلَيْهِ) فإن معرفة العفاص والوكاء من أهدى علامات اللقطة.
اعلم أنه إذا وصفها وبينها قال أصحابنا الحنفية حلَّ للملتقط أن يدفعها إليه من غير أن يُجبَر عليه
ج 1 ص 571
في القضاء، وقال الشافعي ومالك يُجبَر على دفعها؛ لما جاء في رواية مسلم (( فإن جاء صاحبها فعَرَفَ عفاصها ووعاءها ووكائها فأعطاها إياه، وإلا فهي لك ) )وهذا أمر، وهو للوجوب. وقالت الحنفية هذا مُدَّعِ وعليه البينة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( البينة على من ادعى ) )، والعلامة لا تدل على الملك ولا على اليد؛ لأن الإنسان قد يقف على مال غيره ويخفى عليه مال نفسه، فلا عبرة بها، والحديث محمول على الجواز توفيقًا بين الأخبار؛ لأن الأمر قد يراد به الإباحة.
وقال الشيخ قطب الدين إذا وصفها فهل يجب إعطاؤها بالوصف أم لا؟ ذهب مالك إلى وجوبه، واختلف أصحابه هل يحلف؟ قال ابن القاسم لا يحلف، وقال أشهب وسحنون يحلف، وألحقوا به السارق إذا سرق مالًا ونسي المسروق منه، ثم أتى من وصفه، وأما الوديعة إذا نسي من أودعها إياه فمن أصحابه من أجراها مجرى اللقطة والسرقة، ومنهم من فرق بينهما بأن كل موضع يتعذر فيه على المالك إقامة البينة اكتفى فيه بالصفة، وفي المثالين الأولين يتعذر إقامة البينة بخلاف الوديعة، ثم في الإعطاء بالوصف منهم من شرط الأوصاف الثلاثة، ومنهم من اقتصر على البعض، وعند مالك خلاف قيل عنده لا بد من معرفة الجميع، وقيل يكفي وصفان، وقيل لابد من العفاص والوكاء.
وفي «شرح السنة» اختلفوا في أنه لو ادعى رجل اللقطة وعرف عفاصها ووكاءها، فذهب مالك وأحمد إلى أنه تدفع إليه من غير بينة أقامها عليه، وهو المقصود من معرفة العفاص والوكاء، وقال الشافعي والحنفية إذا وقع في النفس صدق المدعي، فله أن يعطيه وإلا فببينة.
(قَالَ) أي ذلك الرجل يا رسول الله (فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟) قال الجوهري لا يقع اسم الضالة إلا على الحيوان، يقال ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان، وهي الضوال الهوامي جمع هامية، يقال هَمَت وهفت وهملت إذا ذهبت على وجهها بلا راع، وهو مبتدأ خبره محذوف؛ أي ما حكمها أكذلك أم لا؟
(فَغَضِبَ) صلى الله عليه وسلم (حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) تثنية وجنة، وهي ما ارتفع من الخد، ويقال ما علا من لحم الخدين، وفيها لغات _ بفتح الواو وكسرها وضمها _ وأُجنة _ بضم الهمزة _ (أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ) شك من الراوي عن زيد بن خالد.
قال الخطابي(إنما كان غضبه استقصارًا لعلم السائل وسوء فهمه، إذ لم يراعِ المعنى المراد، ولم يتفطن له، فقاس الشيء على غير نظيره، فإن اللقطة إنما هي اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه، ولا يدرى أين موضعه، وليس
ج 1 ص 572
كذلك الإبل فإنها مخالفة للقطة اسمًا وصفةً، فإنها غير عادمة لأسباب القدرة على العود إلى ربها؛ لقوة سيرها وكون الحذاء والسقاء معها، وأنها ترد الماء رِبعًا وخمسًا، وتمتنع من الذئاب وغيرها من صغار السباع، ومن التردي وغير ذلك، بخلاف الغنم، فإنها بالعكس، فجعل سبيل الغنم سبيل اللقطة).
هذا وقال محمود العيني (في بعض ما ذكره نظر، فإن الغنم أيضًا ليس من الشيء الذي يسقط. .. إلى آخره، فينبغي أن يكون مثل الإبل مع أنه ليس كذلك، والجواميس أيضًا تمتنع من كبار السباع فضلًا عن صغارها، وتغيب عن صاحبها أيامًا عديدة ترعى وتشرب ثم تعود، فينبغي أن تكون مثل الإبل مع أنه ليس كذلك، انتهى) .
وفيما ذكره تأمل، فافهم. قيل [1] كان غضبه عليه السلام؛ لأنه كان نهى قبل ذلك عن التقاطها.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَمَا لَكَ وَلَهَا) ؛ أي أيّ شيء وقع لك ولها؛ أي ما تصنع بها ولم تأخذها وتتناولها، وأنها مستقلة بأسباب تعيُّشِها فهو نهي عن أخذها، وفي رواية بالفاء، وفي أخرى بلا واو ولا فاء.
(مَعَهَا سِقَاؤُهَا) بكسر السين هو اللبن والماء، والجمع القليل أسقية، والكثير أساقي، كما أن الوطب للبن خاصة، والنحى للسمن، والقربة للماء، ومعناه معها أجوافها فإنها تشرب فتكتفي به أيامًا.
(وَحِذَاؤُهَا) بكسر المهملة وبالمد ما وطئ عليه البعير من خفِّه، والفرس من حافره، والحذاء النعل أيضًا (تَرِدُ الْمَاءَ) جملة بيانية لا محل لها من الإعراب، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي ترد الماء من الورود، (وَتَرْعَى الشَّجَرَ) إذا كان الأمر كذلك.
(فَذَرْهَا) أي فدعها (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أي مالكها؛ لأنها غير فاقدة لأسباب العود إليه (قَالَ) أي الرجل السائل يا رسول الله (فَضَالَّةُ الْغَنَمِ) ما حكمها أهي مثل ضالة الإبل أم لا؟
والغنم هو اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث، وعليهما جميعًا، فإذا صغَّرتها ألحقتها هاء فقلت غُنَيمة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، يقال له خمس من الغنم ذكور، فتؤنث العدد، وإن عَنيت الكباش، والإبل كالغنم في جميع ذلك.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَكَ) أي ليست كضالة الإبل، بل هي لك إن أخذتها (أَوْ) هي (لأَخِيكَ) إن لم تأخذها؛ يعني يأخذها غيرك من اللاقطين، أو المراد من الأخ صاحبها؛ أي أو هي لأخيك الذي هو صاحبها إن ظهر (أَوْ) هي (لِلذِّئْبِ) إن لم تأخذها، ولم يتفق أن يأخذها غيرك أيضًا، بل يخاف عليها من الذئب ونحوه فيأكلها.
وهذا القول إذنٌ في أَخْذها دون الإبل، احتج
ج 1 ص 573
به من يمنع التقاط الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد، ويقال عند الشافعي لا يصح في الكبار، ويصح في الصغار، وعند مالك لا يصح في الإبل والخيل والبغل والحمار فقط، وعند أحمد لا يصح في الكل حتى الغنم، وعنه يصح في الغنم، وفي بعض «شروح البخاري» وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط إلا أن توجد بقرية أو بلد، فيجوز على الأصح، وعند المالكية ثلاثة أقوال في التقاط الإبل، ثالثها يجوز في القرى دون الصحراء.
وقالت الشافعية في معنى الإبل كل ما امتنع بقوته عن صغار السباع كالفرس والأرنب والظبي، وعند المالكية خلاف في ذلك، وقال ابن القاسم يلحق البقر بالإبل دون غيرها إذا كانت بمكان لا يخاف عليها فيه من السباع، وقال القاضي اختلف عند مالك في الدواب والبقر والبغال والحمير، هل حكمها حكم الإبل أو سائر اللقطات؟
وقالت الحنفية يصح التقاط البهيمة مطلقًا من أيِّ جنس كان؛ لأنها مال يُتوهَّم ضياعه، والحديث محمول على أنه كان في ديارهم إذا كان لا يخاف عليها من شيء، ونحن نقول في مثله بتركها، وهذا لأن في بعض البلاد الدواب يسيِّبها أهلها في البراري حتى يحتاجوا إليها فيمسكوها وقت حاجتهم، ولا فائدة في التقاطها في مثل هذه الحالة، والذي يدل على هذا ما رواه مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب قال كان ضوال الإبل في زمن عمر رضي الله عنه إبلًا مؤبلة تتناتج لا يمسها أحد حتى إذا كان عثمان رضي الله عنه أمر بمعرفتها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها.
ثم إنه هل يجب التقاط اللقطة أم يكره؟ فيه خلاف، فروي عن مالك الكراهة، وروي عنه أن أخذها أفضل فيما له بال، وللشافعي ثلاثة أقوال أصحها يستحب الأخذ ولا يجب، والثاني يجب، والثالث إن خاف عليها وجب، وإن أمن عليها استحب، وعن أحمد يندب تركها.
وفي «شرح الطحاوي» إذا وجد لقطة فالأفضل له أن يرفعها إذا كان يأمن على نفسه، وإذا لم يأمن لم يرفعها، وفي «شرح الأقطع» يستحب أخذ اللقطة ولا يجب، وفي «النوازل» قال أبو نصر محمد بن محمد بن سلام ترك اللقطة أفضل في قول أصحابنا من رفعه، ورفع اللقيط أفضل من تركه، وفي «خلاصة
ج 1 ص 574
الفتاوى» إن خاف ضياعها يفترض الرفع، وإن لم يخف يباح رفعها، أجمع العلماء عليه، والأفضل الرفع في ظاهر المذهب، وفي «فتاوى الولوالجي» (اختلف العلماء في رفعها، قال بعضهم رفعها أفضل من تركها، وقال بعضهم يحل رفعها وتركها أفضل) ، وفي «شرح الطحاوي» (ولو رفعها ووضعها في مكانه ذلك، فلا ضمان عليه في ظاهر الرواية) ، وقال بعض مشايخنا هذا إذا لم يبرح من ذلك المكان حتى وضع هناك، أما إذا ذهب عن مكانه ذلك، ثم أعادها، ووضعها فيه، فإنه يضمن، وقال بعضهم يضمن مطلقًا، وهذا خلاف ظاهر الرواية.
وفي الحديث فوائد منها أنه استدل المازري لعدم الغرامة بقوله (( هي لك ) )، إذ ظاهره التمليك، والمالك لا يغرم، ونبه بقوله (( للذئب ) )أنها كالتالفة على كل حال، وأنها مما لا يَنتفع ببقائها صاحبها، وأُجيب عن ذلك لأبي حنيفة والشافعي رحمهما الله بأن اللام للاختصاص؛ أي إنك تختص بها، ويجوز لك أكلها وأخذها، وليس فيه تعرض للغرامة ولا لعدمها، بل بدليل آخر وهو قوله (( فإن جاء ربها يومًا فأدِّها إليه ) ).
ومنها أنه يجوز الحكم والفتيا في حال الغضب، وأنه نافذ لكنه يكره في حقنا بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يؤمن عليه في الغضب ما يخاف علينا، وقد حكم صلى الله عليه وسلم للزبير رضي الله عنه في شراج الحرة في حال غضبه.
ومنها جواز قول الإنسان رب المال، ورب المتاع، ومنهم من كره إضافته إلى ما له روح.
ومنها أن قوله (( اعرف عفاصها ووكاءها ) )دليل بين على إبطال قول كل من ادعى علم الغيب في الأشياء كلها من الكهنة والمنجمين وغيرهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لو علم أنه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن في قوله في معرفة علاماتها وجه، والله أعلم. ومنها أن صاحب اللقطة إذا جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت أنه صاحبها، فإن وجدها قد أكلها الملتقط، وأراد أن يُضمِّنه كان له ذلك، وإن كان قد تصدق بها، فصاحبها مخيَّر بين التضمين، وبين أن يُترك على أجرها، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وهو قول طاوس، وعكرمة وأبي حنيفة وسفيان الثوري والحسن رحمهم الله تعالى.
[1] في هامش الأصل (( عسقلاني ) ).