1065 - 1066 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ) بكسر الميم، أبو جعفر الجمال _ بالجيم _ الرَّازي، قال البخاري مات أول سنة تسع وثلاثين ومائتين، أو قريبًا منه (قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ) بن مسلم القرشي الأموي مولاهم الدِّمشقي، مات سنة أربع وتسعين ومئة راجعًا من مكَّة قبل أن يصل إلى دمشق.
(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (ابْنُ نَمِرٍ) هو عبد الرَّحمن بن نَمِر _ بفتح النون وكسر الميم وبالراء _ اليَحْصبي الدِّمشقي، وليس له في «الصَّحيحين» غير هذا الحديث، وضعَّفه ابن معين، لكن تابعه الأوزاعي وغيره أنَّه (سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام.
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ جَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلاَةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ) رأسه (مِنَ الرَّكْعَةِ) أي الرُّكوع (قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بالواو (ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلاَةِ الْكُسُوفِ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي ركوعات (فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) بنصب «أربعَ» عطفًا على «أربع» السَّابق، واحتجَّ بهذا الحديث مالك وأحمد وإسحاق في أنَّ صلاة الكسوف يُجهر فيها بالقراءة، حكى التِّرمذي ذلك عنهم، ثمَّ حكى عن الشَّافعي مثل ذلك.
وقال النَّووي في «شرح صحيح مسلم» أنَّ مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة واللَّيث بن سعد، وجمهور الفقهاء أنَّه يسرُّ في كسوف الشَّمس، ويجهر في خسوف القمر. قال وقال أبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن وأحمد وإسحاق يجهر فيهما. وحكى الرَّافعي عن الصَّيدلاني أنَّ مثله يروى عن أبي حنيفة.
وقال محمَّد بن جرير الطَّبري الجهر والإسرار سواء. وما حكاه النَّووي عن مالك هو المشهور عنه بخلاف ما حكاه التِّرمذي. وقد حكى عن مالك الإسرار كقول الشَّافعي، وابن المنذر في «الأشراف» ، وابن عبد البرِّ في «الاستذكار» .
وقال أبو عبد الله المازري أنَّ ما حكاه التِّرمذي عن مالك من الجهر بالقراءة رواية شاذَّة ما وقفت عليها في غير كتابه. قال وذكرها ابن شعبان عن الواقدي عن مالك.
وقال القاضي عياض في «الإكمال» ، والقرطبيُّ في «المفهم» أنَّ معن بن عيسى والواقدي رويا عن مالك الجهر، قالا ومشهور قول مالك الإسرار فيهما.
وقال
ج 5 ص 381
ابن العربي روى المصريُّون أنَّه يسرُّ، وروى المدنيُّون أنَّه يجهر. قال والجهر عندي أولى؛ لأنَّها صلاة جامعة يُنادى لها ويُخطب، فأشبهت العيد والاستسقاء. فإن قيل الحديث المذكور لا يدلُّ على أنَّ الخسوف يكون للشَّمس، وكذلك من لم يرَ الجهر حمله على صلاة خسوف القمر.
فالجواب أنَّ الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ كسفت الشَّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث.
وروى إسحاق بن راهويه أيضًا عن الوليد بن مسلم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم في كسوف الشَّمس، وجهر بالقراءة.
وقد احتجَّ من قال إنَّه يسرُّ بالقراءة فيها، وهو الشَّافعي ومن تابعه بحديث سَمُرة بن جندب رضي الله عنه قال صلَّى بنا النَّبي صلى الله عليه وسلم في كسوف الشَّمس لا نسمع له صوتًا، رواه التِّرمذي، وأبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه، والطَّحاوي أخرجه من أربع طرق صحاح. وقال التِّرمذي هذا حديث حسن صحيح.
واحتجُّوا أيضًا بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال ما سمعت من النَّبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف حرفًا. رواه الطَّحاوي والبيهقي.
وأجاب من قال بالجهر بأنَّه يجوز أن يكون ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وكذا سَمُرة رضي الله عنه لم يسمعا من النَّبي صلى الله عليه وسلم في صلاته تلك حرفًا، والحال أنَّه صلى الله عليه وسلم قد كان جهر فيها، ولكنَّهما لم يسمعا ذلك؛ لبعدهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، فحكيا على ما شاهداه من ذلك، فإذا كان كذلك؛ فهذا لا ينفي جهره صلى الله عليه وسلم بالقراءة فيها.
فإن قيل روى الشَّافعي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال قمت إلى جنب النَّبي صلى الله عليه وسلم في خسوف الشَّمس فما سمعت منه حرفًا.
فالجواب أنَّه روى البيهقي ذلك من ثلاث طرق كلَّها واهية من طريق ابن لهيعة، ومن طريق الواقدي، ومن طريق الحكم بن أبان، وكل منهم غير محتجٌّ به، وإذا أُورِد عليه بأنَّه وإن كان كل منهم غير محتجٍّ به، لكنَّهم عدد، وإنَّما روى الجهر عن الزُّهري فقط، وهو وإن كان حافظًا يشبه أن يكون العدد أولى بالحفظ من الواحد.
فيجاب عنه بأنَّه ليس في الطُّرق التي ذكرها البيهقي أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان إلى جنب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما هو قال صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف فلم أسمع منه حرفًا، ولو ثبت ذلك يُحمل على فعله في وقت
ج 5 ص 382
دون وقت، ومُثبِت الجهر يُثبت قدرًا زائدًا، وزيادة الثِّقة مقبولة كما تقرَّر، والله أعلم.
(وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ) قال الكرمانيُّ عطف على «حَدَّثنا ابن نمر» ؛ لأنَّه مقول الوليد.
وقال العيني كأنَّه يشير إلى أنَّه موصول، وقد وصله مسلم حَدَّثنا محمَّد بن مهران الرَّازي، قال حَدَّثنا الوليد بن مسلم، قال قال الأوزاعي، وهو عبد الرَّحمن بن عمرو.
(وَغَيْرُهُ) أي وقال غير الأوزاعي أيضًا (سَمِعْتُ) ابن شهاب (الزُّهْرِيَّ) يروي (عَنْ عُرْوَة) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ [1] عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ) بفتح الخاء والسين (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا) يقول (الصَّلاَة جَامِعَة) بنصبهما؛ أي احضروا الصَّلاة حال كونها جامعة، ويروى برفعهما، وفي رواية بإدخال الموحدة مع الوجهين على الحكاية.
(فَتَقَدَّمَ) صلى الله عليه وسلم (فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) بنصب «أربع» في الموضعين. فإن قيل لا يستدلُّ برواية عبد الرَّحمن بن نمر في الجهر؛ لأنَّه ضعيف، وعبد الرَّحمن بن عمرو الأوزاعي، وإن كان تابعه، لكنَّه لم يذكر في روايته الجهر.
فالجواب أنَّ من ذكر حجَّة على من لم يذكر، ولاسيَّما الذي لم يذكره لم يتعرَّض لنفيه، وقد ثبت الجهر في رواية الأوزاعي عند أبي داود والحاكم بلفظ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قراءة طويلة، فجهر بها؛ يعني في صلاة الكسوف.
(وَأَخْبَرَنِي) أي قال الوليد أخبرني (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ) أنَّه (سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ) الزُّهري (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الأوَّل؛ أي عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت جهر النَّبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته، ثمَّ ضم إليه قوله
(قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ) أي لعروة بن الزُّبير (مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) برفع «عبد الله» عطف بيان لقوله «أخوك» المرفوع على الفاعليَّة لقوله «صنع» ، وذلك إشارة إلى فعل أخيه المشار إليه بقوله (مَا صَلَّى إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ) صلاة (الصُّبْحِ، إِذْ) أي حين (صَلَّى بِالْمَدِينَةِ) النَّبويَّة في صلاة الكسوف.
(قَالَ) عروة (أَجَلْ) بفتح الجيم وسكون اللام؛ أي نعم (إِنَّهُ) بكسر الهمزة للابتداء (أَخْطَأَ السُّنَّةَ) وفي رواية بسكون الجيم وفتح الهمزة، للإضافة.
(تَابَعَهُ) أي تابع ابن نمر (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة العبدي بالموحدة(وَسُفْيَانُ
ج 5 ص 383
بْنُ حُسَيْنٍ)الواسطيُّ كلاهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْرِ) أمَّا متابعة سليمان؛ فقد وصلها أحمد عن عبد الصَّمد بن عبد الوارث عنه بلفظ (( خسفت الشَّمس على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأتى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فكبَّر فكبَّرَ النَّاس، ثمَّ قرأ فجهر بالقراءة ... ) )الحديث.
وأمَّا متابعة سفيان؛ فقد وصلها التِّرمذي قال حَدَّثنا أبو بكر محمَّد بن أبان نا إبراهيم بن صدقة، عن سفيان بن حسين، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
وقال الشَّيخ زين العراقي حديث عائشة رضي الله عنها له طرق، ولكن الذي ذكر فيه الجهر بالقراءة ثلاثة طرق طريق سفيان بن حسين عن الزُّهري، وقد انفرد التِّرمذي بوصلها، وذكرها البخاري تعليقًا.
وطريق عبد الرَّحمن بن نمر عن الزُّهري، وقد اتَّفق على إخراجها البخاري ومسلم.
وطريق الأوزاعي عن الزُّهري، وقد انفرد بها أبو داود.
وقال العيني له طريق رابعة أخرجها الطَّحاوي، عن عُقيل بن خالد الأيلي قال نا ابن أبي داود قال نا عمرو بن خالد قال نا ابن لهيعة عن عُقيل [2] ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في كسوف الشَّمس.
وله طريق خامسة أخرجها الدَّارقطني عن إسحاق بن راشد عن الزُّهري، وهذه طرق متعاضدة يحصل بها الجزم في ذلك، فحينئذٍ لا يلتفت إلى تعليل من أعلَّه بسفيان بن حُسين، وسليمان بن كثير بأنَّهما ضعيفان، فلو لم يكن في ذلك إلَّا رواية الأوزاعي لكانت كافية.
وقد رُوِىَ الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه الطَّحاوي حَدَّثنا علي بن شيبة، قال حَدَّثنا قَبيصة، قال حَدَّثنا سفيان، عن الشَّيباني، عن الحكم، عن حنش أنَّ عليًّا رضي الله عنه جهر بالقراءة في كسوف الشَّمس. وأخرجه ابن خزيمة أيضًا.
وقال الطَّحاوي وقد صلَّى علي رضي الله عنه فيما رويناه عن فهد بن سليمان، عن أبي نُعيم الفضل بن دُكين، عن زهير، عن الحسن بن الحرِّ، قال نا الحكم، عن رجل يدعى حنشًا، عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه صلى بالنَّاس في كسوف الشَّمس كذلك، ثمَّ حدَّثهم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 5 ص 384
كذلك فعل.
ولو لم يجهر النَّبي صلى الله عليه وسلم حين صلَّى علي رضي الله عنه معه؛ لما جهر علي رضي الله عنه أيضًا؛ لأنَّه علم أنَّه السنَّة، فلم يترك الجهر، والله أعلم.
[1] من قوله (( ابن شهاب. .. إلى قوله العوام عن ) )ليس في (خ) .
[2] من قوله (( بن خالد الأيلي. .. إلى قوله عن عقيل ) )ليس في (خ) .