1069 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفي آخره موحدة (وَأَبُو النُّعْمَانِ) بضم النون، محمَّد بن الفضل السَّدوسي.
(قَالاَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ويروى ، وفي رواية (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ ص) أي سجدة ص (لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) أي ليست من السَّجدات المأمور بها. والعزم في الأصل عقد القلب على الشَّيء، ثمَّ استعمل في كلِّ أمر محتوم.
وفي الاصطلاح ضدُّ الرُّخصة التي هي ما ثبت على خلاف الدَّليل لعذر، أو معناه ليست حقًّا من حقوق السُّجود، ولا واجبًا من واجباته كما قاله العيني. والأوَّل أظهر معنى.
(وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِيهَا) لا خلاف بين الحنفيَّة والشَّافعية في أنَّ سورة ص فيها سجدة، وإنَّما الخلاف في كونها من العزائم أو لا؟
فعند الشَّافعي ليست من العزائم، وإنَّما هي سجدة شكر مستحبٌّ في غير الصَّلاة، ويحرم فيها على الأصح، وهذا هو المنصوص عنده، وبه قطع جمهور الشَّافعية. وعند أبي حنيفة وأصحابه هي من العزائم، وبه قال ابن شريح، وأبو إسحاق المروزي، وهو قول مالك أيضًا.
وعن أحمد قولان، والمشهور منهما كقول الشَّافعي. ومثله قال داود عن ابن مسعود رضي الله عنه لا سجود فيها، وقال هي توبة نبي، ورُوِي مثله عن عطاء، وعلقمة.
واحتج الشَّافعي
ج 5 ص 390
ومن معه بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذا. ولابن عبَّاس رضي الله عنهما حديث آخر في هذا الباب أخرجه النَّسائي من رواية عمر بن ذرٍّ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص فقال (( سجدها داود عليه السَّلام توبة، ونسجدها شكرًا ) ).
وله حديث آخر أخرجه النَّسائي أيضًا في «الكبرى» ، ولفظه رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يسجد في ص {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام 90] .
ووقع عند المؤلِّف في «تفسير ص» [خ¦4807] من طريق مجاهد قال سألت ابن عبَّاس رضي الله عنهما من أين سجدت؟ فقال أوما تقرأ {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام 84] {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، فاستنبط مشروعيَّة السُّجود فيها من الآية.
وفي حديث الباب أنَّه أخذه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا تعارض بينهما؛ لاحتمال أن يكون استفاده من الطَّريقين. وزاد في «أحاديث الأنبياء» من طريق مجاهد أيضًا فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما نبيُّكم ممَّن أمر أن يقتدى بهم [خ¦3421] ، فاستنبط منه وجه سجود النَّبي صلى الله عليه وسلم فيها من الآية.
والمعنى إذا كان نبيكم مأمورًا بالاقتداء بهم، فأنت أولى. وإنَّما أمره بالاقتداء بهم؛ ليستكمل جميع فضائلهم الجميلة، وخصائلهم الحميدة، وهي نعمة ليس وراءها نعمة، فيجب عليه الشُّكر لذلك، والله أعلم.
وقال العيني وهذه كلُّها حجَّة لنا، والعمل بفعل النَّبي صلى الله عليه وسلم أولى من العمل بقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة، وسجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا لما أنعم الله على داود عليه السَّلام بالغفران، والوعد بالزُّلفى وحسن المآب.
ولهذا قال بعضهم يسجد عند قوله تعالى {وَحُسْنُ مَآَبٍ} [الرعد 29] لا عند قوله {وَأَنَابَ} [ص 24] ، وسجدة التِّلاوة ما كان سبب وجوبها التِّلاوة. وسبب وجوب هذه السَّجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النِّعمة الكائنة لداود عليه السَّلام، وأطماعنا في نيل مثله.
وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بإسناد صحيح على شرط البخاري قال (( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص، فلمَّا بلغ السَّجدة نزل فسجد ) ).
وروى الطَّبراني في «الأوسط» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص ) ). وروى الدارقطني أيضًا كذلك. وفي «المصنَّف» عن ابن عمر رضي الله عنهما في ص سجدة.
وقال الزُّهري كنت لا أسجد في ص حتَّى حدَّثني السَّائب أنَّ عثمان رضي الله عنه سجد فيها. وعن سعيد بن جبير أنَّ عمر رضي الله عنهما كان يسجد في ص. وكان طاوس يسجد في ص، وسجد فيها الحسن، والنُّعمان بن بشير، ومسروق، وأبو عبد الرَّحمن السُّلمي، والضَّحاك بن قيس.
وعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه
ج 5 ص 391
قال سجدت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في ص. وعن عقبة بن عامر فيها السجود.