1081 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المِنْقري المقعد (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد أبو عبيدة (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرمي، مات سنة ست وثلاثين ومئة (قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا) رضي الله عنه.
(يَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ) يوم الخميس لستٍّ بقين من ذي القعدة على ما أفاده ابن حزم الظاهري في (( رسالة حجَّة الوداع ) ) (إِلَى مَكَّةَ) أي إلى الحجِّ، كما في رواية شعبة عن يحيى بن أبي إسحاق عند مسلم، ودخل مكَّة يوم الأحد صبيحة رابعة ذي الحجَّة وبات بالمحصَّب ليلة الأربعاء، وفي تلك اللَّيلة اعتمرت عائشة رضي الله عنها، وخرج من مكَّة صبيحتها وهو الرَّابع عشر فيكون مدَّة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكَّة عشرًا، كما سيجيء.
(فَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) الظُّهر والعصر والعشاء والفجر لا المغرب، فإنَّه يصلِّيها ثلاثًا على حالها، وفي رواية البيهقي من طريق علي بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس رضي الله عنه (( إلَّا المغرب ) ).
(حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ) قال يحيى (قُلْتُ) لأنس رضي الله عنه (أَقَمْتُمْ) بحذف همزة الاستفهام؛ أي أأقمتم (بِمَكَّةَ شَيْئًا، قَالَ أَقَمْنَا بِهَا) ونواحيها (عَشْرًا) أي عشرة أيَّام، وإنَّما حذفت التاء مع أنَّ اليوم مذكر؛ لأنَّ المميز إذا لم يُذكَر جاز في العدد التَّذكير والتَّأنيث، ولا يعارض ذلك حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما حيث قال (( أقام النَّبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر [خ¦1080] إذا كان ذلك في فتح مكَّة ) ).
وحديث أنس رضي الله عنه في حجَّة الوداع، وسيأتي بعد باب من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما «قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكَّة لصبح رابعة» [خ¦1085] من ذي الحجَّة، وخرج من مكَّة صبح الرَّابع عشر، فتكون مدَّة إقامته بمكَّة
ج 5 ص 422
ونواحيها عشرة أيَّام بلياليها، كما قال أنس رضي الله عنه، وتكون مدَّة إقامته بمكَّة أربعة أيَّام؛ لأنَّه خرج منها في اليوم الثَّامن فصلَّى الظُّهر بمنى.
وقال ابن رُشَيد أراد البخاري أن يبيِّن أنَّ حديث أنس رضي الله عنه داخل في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ لأنَّ إقامته عشرة داخلة في إقامته تسع عشرة، وأشار بذلك إلى أن الأخذ بالزَّائد متعيِّن وفيه نظر؛ لأنَّ ذلك إنَّما يستقيم إذا اتَّحد القصَّتان، والحقُّ أنَّهما مختلفتان، فالمدَّة التي في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما يسوغ الاستدلال بها على من لم ينوِ الإقامة، بل كان متردِّدًا متَّى يتهيَّأ له فراغ حاجة ويرحل، والمدَّة التي في حديث أنس رضي الله عنه يستدلُّ بها على من نوى الإقامة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم في أيَّام الحج كان جازمًا بالإقامة تلك المدَّة، ووجه الدَّلالة من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما لما قاله أنَّ الأصل في المقيم الإتمام، فلمَّا لم يجيء عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه أقام في حال السَّفر أكثر من تلك المدَّة جعلها غاية للقصر.
وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال كثيرة
منها ما ذهب إليه الشَّافعي رحمه الله من أنَّ المسافر إذا أقام ببلدة أربعة أيَّام قصر؛ لأنَّ إقامة النَّبي صلى الله عليه وسلم بمكَّة كانت أربعة أيَّام كما مرَّ، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور.
وقال الرَّافعي والنَّووي الأصحُّ أنَّ المراد بالأربعة غير يومي الدُّخول والخروج، وحكى إمام الحرمين عن الشَّافعي أربعة أيَّام ولحظة. وعن الشَّافعي في قول إذا أقام أكثر من أربعة أيَّام كان مقيمًا وإن لم ينوِ الإقامة.
وقال الطَّحاوي ما قاله الشَّافعي مخالف للإجماع؛ لأنَّه لم ينقل عن أحد قبله أن يصير المسافر مقيمًا بنيَّة أربعة أيَّام، وفيه نظر، فقد قال أحمد بنحو ما قال الشَّافعي أيضًا وهي رواية عن مالك.
ومنها ما قاله أبو حنيفة وأصحابه والثَّوري واللَّيث بن سعد، وحكاه ابن أبي شيبة عن ابن المسيَّب أنَّه إن نوى أقلَّ من خمسة عشر يومًا قصر صلاته؛ لأنَّ مدَّة الإقامة خمسة عشر يومًا كمدَّة الطُّهر؛ لما رُوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وكذا عن ابن عمر رضي الله عنهما قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا فأكمل الصَّلاة، وإن كنت لا تدري متى تَظْعن فاقصرها. رواه الطَّحاوي.
وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» نا وكيع نا عمر بن ذرٍّ، عن مجاهد أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يومًا أتمَّ الصَّلاة. وروى هشيم عن داود بن أبي هند عن
ج 5 ص 423
ابن المسيب أنَّه قال إذا أقام المسافر خمسة عشر أتمَّ الصَّلاة وما كان دون ذلك فليقصر.
ثمَّ اعلم أنَّ المسافر إنَّما يصير مقيمًا بنيَّة الإقامة إذا سافر ثلاثة أيَّام، فأمَّا إذا لم يَسِر ثلاثة أيَّام فعزم على الرُّجوع أو نوى الإقامة يصيرُ مقيمًا، وإن كان في المفازة. كذا ذكره فخر الإسلام.
وفي «المجتبى» لا يبطلُ السَّفر إلا بنيَّة الإقامة، أو دخول الوطن أو الرُّجوع إليه قبل الثَّلاث، وبه قال الشَّافعي في الأظهر، ونيَّة الإقامة إنَّما تؤثر بخمس شرائط
أحدها ترك السَّير.
وثانيها صلاحية الموضع، حتَّى لو نوى الإقامة في برٍّ أو بحرٍ أو جزيرةٍ لم يصحَّ.
وثالثها اتِّخاذ الموضع حتَّى لو نوى الإقامة خمسة عشر يومًا في موضعين نحو مكَّة ومنى لم يصر مقيمًا.
ورابعها المدَّة.
وخامسها الاستقلال بالرَّأي حتَّى لو نوى من كان تبعًا لغيره لا يعتبر كالجندي والزَّوجة والرَّقيق والأجير والتِّلميذ مع أستاذه، والغريم المفلس مع صاحب الدَّين إلا إذا نوى متبوعه، ولو نوى المتبوع الإقامة ولم يعلم بها التَّابع فهو مسافر حتَّى يعلم، كالوكيل إذا عزل وهو الأصح.
وعن بعض أصحابنا مقيمين ويعيدون ما أدوا في مدَّة عدم العلم.
ومنها ما ذكره ابن حزم عن سعيد بن جُبير أنَّه قال إذا وضعتَ رحلك بأرض فأتمَّ وهو في «المصنف» عن عائشة رضي الله عنها وطاوس بسند صحيحٍ، وعن أبي العالية قال إذا اطمأنَّ صلَّى أربعًا؛ يعني نزل، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنها مثله.
ومنها إقامة يوم وليلة، حكاه ابن عبد البر عن ربيعة. ومنها ثلاثة أيَّام، قاله ابن المسيَّب. ومنها إقامة اثنين وعشرين صلاة. قال ابن قدامة في «المغني» هو مذهب أحمد.
ومنها عشرة أيَّام، ورُوي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه من رواية محمَّد بن علي بن الحسين، عنه. رواه ابن أبي شيبة.
ومنها إقامة اثني عشر يومًا، قال أبو عمر روى مالك عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنَّه كان يقول أقلُّ صلاة المسافر ما لم يجمع مكثًا اثني عشرة ليلة، قال وروي عن الأوزاعي مثله ذكره التِّرمذي في «جامعه» .
ومنها ثلاثة عشر يومًا، قال أبو عمر رُوي ذلك عن الأوزاعي.
ومنها ستَّة عشر يومًا رُوي ذلك عن اللَّيث.
ومنها سبعة عشر يومًا وهو قول الشَّافعي أيضًا.
ومنها تسعة عشر يومًا، قاله إسحاق بن إبراهيم
ج 5 ص 424
فيما ذكره الطُّوسي عنه.
ومنها عشرون يومًا، قاله ابن حزم.
ومنها أنَّه يقصر حتَّى يأتي مصرًا من الأمصار، قال أبو عمر قاله الحسن بن أبي الحسن قال ولا أعلم أحدًا قاله غيره.
ومنها إحدى وعشرون صلاة ذكره ابن المنذر عن الإمام أحمد.
ومنها خمسة أشهر، قال ابن أبي شيبة ثنا جرير، عن مغيرة، عن سِمَاك بن سلمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال إن أقمت في بلد خمسة أشهر فقصِّر الصَّلاة.
ومنها أكثر من خمسة عشر يومًا. قال سعيد بن جبير إذا أراد أن تقيم أكثر من خمسة عشر يومًا أتمَّ الصَّلاة، ذكره أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح.
ثمَّ في الحديث أنَّ الإقامة في أثناء السَّفر تسمَّى إقامة، وفيه أيضًا إطلاق اسم البلد على ما جاورها وقرب منها؛ لأنَّ منى وعرفة ليسا من مكَّة إلَّا إن قلنا إنَّ اسم مكَّة يشمل جميع الحرم.
وقال المحبُّ الطَّبري أطلق على ذلك إقامته بمكَّة؛ لأنَّ هذه المواضع مواضع النُّسك، وهي في حكم التَّابع، ثمَّ إنَّه استشكل إقامته صلى الله عليه وسلم المدَّة المذكورة يقصر الصَّلاة على ما ذهب إليه الشَّافعي مع ما تقرَّر عند الشَّافعية أنَّه لو نوى المسافر إقامة أربعة أيَّام بموضع بعينه انقطع سفره بوصول ذلك الموضع بخلاف ما لو نوى دونها وزاد عليه، ولا ريب أنَّه صلى الله عليه وسلم كان جازمًا بالإقامة بمكَّة المدَّة المذكورة.
وأُجيب بأنَّه صلى الله عليه وسلم قدم مكَّة لأربع خلون من ذي الحجَّة، فأقام بها غير يومي الدُّخول والخروج إلى منى، ثمَّ بات بمنى ثمَّ سافر إلى عرفات ورجع فبات بمزدلفة، ثمَّ سار إلى منى فقضى نسكه، ثمَّ إلى مكَّة فطاف، ثمَّ رجع إلى منى فأقام بها ثلاثًا يقصر، ثمَّ نفر بها بعد الزَّوال في ثالث أيَّام التَّشريق فنزل بالمحصَّب وطاف في ليلته للوداع، ثمَّ رجع من مكَّة قبل صلاة الصُّبح فلم يقم بها أربعًا في مكان واحد، والله أعلم.
ورجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريُّون، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «المغازي» أيضًا [خ¦4297] ، وأخرجه مسلم في «الصَّلاة» ، وكذا أبو داود والتِّرمذي وابن ماجه، وأخرجه النَّسائي فيها وفي «الحجِّ» ، والله أعلم.
فائدة ذكر الضَّحاك في «تفسيره» أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى في حدة الإسلام الظُّهر ركعتين، والعصر ركعتين، والمغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين، والغداة ركعتين، فلمَّا أنزلت آية القبلة تحوَّل للكعبة،
ج 5 ص 425
وكان قد صلَّى هذه الصَّلوات نحو بيت المقدس فوجَّهه جبريل عليه السَّلام بعدما صلَّى ركعتين من الظُّهر نحو الكعبة، وأومئ إليه بأن صلِّ ركعتين، وأمره أن يصلِّي العصر أربعًا والعشاء أربعًا والغداة ركعتين، وقال يا محمَّد أمَّا الفريضة الأولى فهي للمسافرين من أمَّتك والغزاة.
وروى الطَّبراني نا المثنَّى نا إسحاق نا عبد الله بن هاشم أنا سيف عن أبي روق، عن أيُّوب، عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال سأل قوم من التُّجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنَّا نضرب في الأرض فكيف نصلِّي؟ فأنزل الله تعالى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة} [النساء 101] ثمَّ انقطع الوحي، فلمَّا كان بعد ذلك بحول تحوَّل النَّبي صلى الله عليه وسلم فصلَّى الظُّهر فقال المشركون لقد أمكنكم محمَّد وأصحابه من ظهورهم هلَّا شددتم عليهم، فأنزلَ الله تعالى بين الصَّلاتين {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء 101] .
وحدَّثنا ابن بشَّار نا معاذ بن هشام حَدَّثني أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكري أنَّه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصَّلاة أيَّ يوم أُنزل، أو أي يومٍ هو؟ فقال انطلقنا نتلقَّى عيرًا لقريش آتية من الشَّام حتَّى إذا كنَّا بنخلٍ فنزلت آية القصر.
وفي «شرح المسند» لابن الأثير كان قصر الصَّلاة في السَّنة الرَّابعة من الهجرة.
وفي «تفسير الثَّعلبي» قال ابن عبَّاس رضي الله عنه أوَّل صلاة قصرت صلاة العصر قصرها النَّبي صلى الله عليه وسلم بعسفان في غزوة ذي أنمار، والله أعلم.