1084 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) وفي رواية (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) وفي رواية من الزِّيادة العبدي أبو عبيدة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعي لا التَّيمي.
(قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) من الزِّيادة، النَّخعي أخو الأسود بن يزيد، مات سنة ثلاث وستين (يَقُولُ صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) المكتوبة الرباعيَّة (بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) وكان ذلك بعد رجوعه من أعمال الحجِّ حال إقامته بمنى للرَّمي، كما سيأتي ذلك في رواية عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير في قصَّة معاوية رضي الله عنه بعد بابين [خ¦1090] .
(فَقِيلَ ذَلِكَ) وفي رواية أي فيما ذكر من صلاة عثمان رضي الله عنه أربع ركعات (لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَاسْتَرْجَعَ) أي قال إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، كراهة مخالفته للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في إيجاب القصر على ما ذهب إليه الحنفيَّة،
ج 5 ص 430
أو كراهة مخالفته للأفضل الذي هو القصر لا لكونه ترك الواجب على ما ذهب إليه غير الحنفيَّة، على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) المكتوبة (بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ) وفي رواية زيادة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِمِنًى) وسقط قوله «بمنى» هنا في أصل.
(رَكْعَتَيْنِ) زاد الثَّوري عن الأعمش (( ثمَّ تفرَّقت بكم الطُّرق ) )أخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» من طريقه [خ¦1657] (فَلَيْتَ حَظِّي) بالحاء المهملة والظاء المعجمة؛ أي نصيبي (مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) وليس في رواية الأَصيلي «ركعات» .
(رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ) وكلمة «من» في قوله (( من أربع ) )للبدل، كما في قوله تعالى {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ} [التوبة 38] .
وقال الدَّاودي معناه إن صلَّيت أربعًا وتكلَّفتها فليتها تُتقبَّل كما تُتقبل الرَّكعتان. وفيه تعريض لعثمان رضي الله عنه أي ليته صلَّى ركعتين بدل أربع، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه يفعلون، وهو إظهار لكراهة مخالفة ما كانوا عليه.
قال الحافظ العسقلاني وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه كان يرى الإتمام جائزًا، وإلَّا لما كان له حظٌّ من الأربع ولا من غيرها، فإنَّها كانت تكون فاسدة كلها، وإنَّما استرجع لما وقع عنه من مخالفة الأولى.
ويؤيِّده ما روى أبو داود أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه صلَّى أربعًا فقيل له عِبْتَ على عثمان رضي الله عنه ثمَّ صلَّيت أربعًا، فقال الخلاف شرٌّ. وفي رواية للبيهقيِّ (( إني لأكره الخلاف ) ).
ولأحمد من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه مثل الأوَّل، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن يعتقد أنَّ القصر واجبٌ كما قال الحنفيَّة، ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكيَّة، وهي رواية عن مالك وأحمد.
وقال ابن قُدامة المشهور عن أحمد أنَّه على الاختيار والقصر عنده أفضلُ، وهو قول جمهور الصَّحابة والتَّابعين. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّه تكلَّم بما يوافق غرضه، أمَّا قوله وهذا يدلُّ على أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه كان يرى الإتمام جائزًا، فيردُّه ما قاله الدَّاودي أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه كان يرى القصرَ فرضًا، ذكره صاحب «التَّوضيح» وغيره. ويؤيِّده ما قاله عمر بن عبد العزيز الصَّلاة في السَّفر ركعتان لا يصحُّ غيرهما.
وقال
ج 5 ص 431
الأوزاعيُّ إن قام إلى الثَّالثة فإنَّه يُلغيها ويسجد سجدتي السَّهو، وقال الحسنُ بن حي إذا صلَّى أربعًا متعمِّدًا أعادها إذا كان ذلك منه الشَّيء اليسير، فإن طال ذلك منه وكثر في سفره لم يُعد، وكذا قال ابن أبي سليمان.
وقال الحسن البصري من صلَّى أربعًا عمدًا بئس ما صنعَ وقضيت عنه، ثمَّ قال لا أبا لك أترى أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم تركوها؛ لأنَّها ثقلتْ عليهم [1] .
وأمَّا قوله ويؤيِّده ما روى أبو داود أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه صلَّى أربعًا، فإنَّه أجاب عن هذا بقوله الخلاف شرٌّ فلو لم يكن القصر عنده واجبًا لما استرجع ولما أنكر بقوله صلَّيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ... إلى آخر الحديث.
وأمَّا قوله المشهور عن أحمد أنَّه على الاختيار، فيعارضه ما قاله الأثرم، قلت لأحمد للرَّجل أن يصلِّي أربعًا في السَّفر؟ قال لا، ما يعجبني ذلك، وحكى ابن المنذر في «الأشراف» أنَّ أحمد قال أنا أحبُّ العافية عن هذه المسألة.
قال الخطَّابي الأولى القصر ليخرج عن الخلاف. وقال التِّرمذي العمل على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وهو القصر، وهو قول محمَّد بن سحنون، ورواية عن مالك وأحمد وهو قول الثَّوري وحمَّاد، وهو المنقول عن عمر وعلي وجابر وابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم، وبهذا يُردُّ على قول الحافظ العسقلانيِّ وهو قول جمهور الصَّحابة والتَّابعين، انتهى.
ثمَّ قال الحافظ العسقلاني واحتجَّ الشَّافعي على عدم الوجوب بأنَّ المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلَّى أربعًا باتِّفاقهم، ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافرٌ بمقيم، انتهى.
والجواب عن هذا أنَّ صلاة المسافر أربعًا عند اقتدائه بالمقيم لالتزامه المتابعة فيتغيَّر فرضه للتبعيَّة، ولا يتخيَّر في الرَّكعتين الأخيرتين؛ لأنَّ ما كان فرضًا لا بدَّ من إتيانه كله، وليس له خيار في الإتيان ببعضه أو بجميعه، وإنَّما كان التَّخيير مختصًّا بالتطوُّع، كذا قال الطَّحاوي.
وتعقَّبه ابن بطَّال بأنَّا وجدنا واجبًا يتخيَّر بين الإتيان بجميعه أو ببعضه، وهو الإقامة بمنى، وفيه أنَّ الإقامة بمنى باختياره، وليس هو ممَّا نحن فيه لا يُقال إنَّ اقتداء المسافر بالمقيم باختياره لأنَّا نقول نعم باختياره، ولكن عند الاقتداء يزول اختياره لضرورة التزام التبعيَّة، فافهم.
فإن احتجَّ الخصم بقوله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء 101] بأنَّ لفظ «لا جناح» يدلُّ على الإباحة لا على الوجوب، فدلَّ على أن القصر مباح.
فالجواب عنه بأنَّ المراد من القصر المذكور هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود، وترك الرُّكوع والسُّجود إلى الإيماء لخوف العدو بدليل أنَّه علَّق ذلك بالخوف، إذ قصر الأصل غير معلَّق بالخوف بالإجماع،
ج 5 ص 432
بل معلَّق بالسَّفر، وعندنا قصر الأوصاف عند الخوف مباح لا واجب مع أنَّ رفع الجناح في النَّص لدفع توهُّم النُّقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر، وذلك مظنَّة توهُّم النُّقصان، وإن احتجَّ بما رواه مسلم والأربعة عن يَعلى بن أميَّة قال قلت لعمر رضي الله عنه الحديث. وقد مضى عن قريب [خ¦1083] .
ووجه الاحتجاج به أنَّه علَّق القصر بالقبول، وسمَّاه صدقة والمتصدَّق عليه مخيَّر في قبول الصَّدقة فلا يلزمه القبول حتمًا.
فالجواب عنه أنَّه دليل لنا لأنَّه أمر بالقبول والأمر للوجوب على أنَّ هذه صدقة واجبة في الذمَّة فليس لها حكم المال فيكون إسقاطًا محضًا، ولا يرتدُّ بالرَّدِّ كالصَّدقة بالقصاص والطَّلاق والعتاق يكون إسقاطًا محضًا ولا يرتدُّ بالرَّدِّ فكذا هذا.
ولنا أحاديث منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت (( فرضت الصَّلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السَّفر وزيد في صلاة الحضر ) )رواه البخاري [خ¦350] ومسلم.
ومنها حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( فرض الله الصَّلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السَّفر ركعتين، وفي الخوف ركعة ) )، رواه مسلم.
ورواه الطَّبراني بلفظ (( افترض رسول صلى الله عليه وسلم ركعتين في السَّفر كما افترض في الحضر أربعًا ) ).
ومنها حديث عمر رضي الله عنه قال (( صلاة السَّفر ركعتان، وصلاة الضُّحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمَّد صلى الله عليه وسلم ) )رواه النَّسائي وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» .
ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال (( إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ونحن هناك يعلِّمنا فكان فيما علَّمنا أنَّ الله عزَّ وجلَّ أمرنا أن نصلِّي ركعتين في السَّفر ) )رواه النَّسائي.
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( المتمِّم للصَّلاة في السَّفر كالمقصِّر في الحضر ) )رواه الدَّارقطني في «سننه» .
وفي «التَّمهيد» من حديث أبي قلابة عن رجل من بني عامر أنَّه أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال له (( إنَّ الله وضع عن المسافر الصَّوم وشطر الصَّلاة ) ).
وعند ابن حزم صحيحًا من حديث ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صلاة السَّفر ركعتان، مَنْ ترك السنَّة كفر ) ).
وهذا كله يدلُّ على الوجوب، ويظهر أثر الخلاف فيما إذا قام إلى الثَّالثة من غير أن يجلس بعد ركعتين فصلاته عند الحنفيَّة فاسدة، وأمَّا عند الشَّافعية وغيرهم فصحيحة، وسيأتي ذكر السَّبب في إتمام عثمان رضي الله عنه بعد بابين إن شاء الله تعالى [خ¦1090] .
[1] من قوله (( وقال الحسن البصري. .. إلى قوله ثقلت عليهم ) )ليس في (خ) .