1083 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسي (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج (قَالَ أَنْبَأَنَا) من الإنباء، وهو في عرف المتقدِّمين بمعنى الإخبار والتَّحديث كما تقدَّم في بابه [خ¦61] (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعي.
(قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) بفتح الواو، الخزاعي، زاد البرقاني في «مستخرجه» رجلًا من خزاعة هو أبو عبيد الله، أخو عبد الله بن عمر بن الخطَّاب لأمِّه بنت عثمان بن مظعون سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم (قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ مَا كَانَ) وفي رواية بتاء التأنيث و «آمن» أفعل التَّفضيل من الأَمْن، وكلمة «ما» مصدريَّة ومعناه الجمع؛ لأنَّ ما أضيفَ إليه أفعل يكون جمعًا، فالمعنى على التَّذكير صلَّى بنا حال كونه في آمن أكوانه، ومعنى التَّأنيث صلَّى بنا حال كون الصَّلاة في آمن أكوانها، وعلى التَّقديرين إسناد الأمن إلى الكون مجاز.
وفي رواية مسلم عن حارثة بن وهب
ج 5 ص 428
قال (( صلَّيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى آمن ما كان النَّاس وأكثره ركعتين ) )، وفي رواية له (( صلَّيت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والنَّاس أكثر ما كانوا فصلَّى ركعتين ) ).
وسيأتي في باب «الصَّلاة بمنى» من كتاب «الحج» عن آدم عن شعبة [خ¦1656] بلفظ عن أبي إسحاق وقال في روايته (( ونحن أكثر ما كنَّا قط وآمنه ) )، وكلمة «قط» متعلِّقة بمحذوف تقديره ونحن ما كنَّا أكثر منا في ذلك الوقت ولا أكثر أمنًا، وهذا يُستدرَك به على ابن مالك حيث قال استعمال «قط» غير مسبوقة بالنَّفي ممَّا خفي على كثير من النَّحويين، وقد جاء في هذا الحديث بدون النَّفي.
وقال الكرمانيُّ «وآمنه» بالرفع ويجوز النصب بأن يكون فعلًا ماضيًا، وفاعله الله تعالى، وضمير المفعول يعوده إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، والتَّقدير وآمن الله نبيه حينئذٍ، ولا يخفى بُعد هذا الإعراب.
(بِمِنًى) الباء فيه ظرفية بقوله (( صلى ) ) (رَكْعَتَيْنِ) مفعول «صلَّى» ، وروى التِّرمذي وصحَّحه والنَّسائي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بلفظ (( خرج من المدينة إلى مكَّة لا يخاف إلَّا الله يُصلِّي ركعتين ) ).
وفي الحديث أنَّه يجوز القصر من غير خوف كما هو مذهب الجمهور، ففيه ردٌّ على من زعم أنَّ القصر مختصٌّ بالخوف احتجاجًا بقوله تعالى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء 101] .
وقد ذكر أبو جعفر في «تفسيره» بإسناد عائشة رضي الله عنها تقول في السَّفر أتمُّوا صلاتكم وقالوا إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي في السَّفر ركعتين، فقالت إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الحرب وكان يخاف فهل تخافون أنتم؟ …
والجواب أنَّ الشَّرط في الآية خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وقيل هو من الأشياء التي شُرع الحكم فيها بسبب، ثمَّ زال السَّبب وبقي الحكم كالرَّمَلِ في الطَّواف.
وقد أوضح هذا ما في «صحيح مسلم» عن يَعلى بن أميَّة قال قلت لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال الله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء 101] وقد أمن النَّاس، فقال عمر رضي الله عنه عجبتُ ممَّا عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال (( صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) )، فهذا ظاهر في
ج 5 ص 429
أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم فهموا من ذلك قصر الصَّلاة في السَّفر مطلقًا لا قصرها في الخوف خاصَّة، فما قيل من أنَّ المراد بالقصر في الآية قصر الصَّلاة في الخوف إلى ركعة مردود أيضًا.
وروى السَّرَّاج من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حنظلة _ وهو الحذَّاء لا يُعرف اسمه _ قال سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن الصَّلاة في السَّفر فقال ركعتان فقلت إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال {إِنْ خِفْتُمْ} ونحن آمنون، فقال سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وفي «تاريخ أصبهان» لأبي نُعيم حَدَّثنا سليمان نا محمَّد بن سهل الرباطي نا سهل بن عثمان، عن شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الكنود سألتُ ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة السَّفر فقال ركعتان نزلت من السَّماء، فإن شئتم فردُّوها.
وأمَّا الحديث الذي رواه أبو جعفر فحديثُ حارثة بن وهب يردُّه، وأمَّا كونه رخصة أو عزيمة فسيأتي في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦1084] .
وقال الطِّيبيُّ فيه _ أي في حديث الباب _ تعظيم شأن الرَّسول صلى الله عليه وسلم حيث أطلق ما قيَّده الله تعالى ووسَّع على عباد الله تعالى، ونسب فعله إلى الله عزَّ وجلَّ.
ورجال إسناد حديث الباب ما بين بصري وواسطي وكوفي، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الحجِّ» أيضًا [خ¦1656] ، وأخرجه مسلم في «الصَّلاة» ، وأبو داود في «الحجِّ» ، وكذا التِّرمذي والنَّسائي.