1086 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قال أبو عليٍّ الجياني حيث قال البُخاري حدَّثنا إسحاق فهو إمَّا ابن راهويه، وإمَّا ابن نصر السَّعدي، وإمَّا ابن منصور الكوسج؛ لأن الثَّلاثة أخرج عنهم البخاري، عن أبي أسامة لكن إسحاق هنا إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم يعرف بابن راهويه الحنظلي المروزي؛ لأنَّه ساق هذا الحديث في «مسنده» بهذه العبارة سندًا ومتنًا، وفي رواية .
(قَالَ قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ) هو حمَّاد بن أسامة اللَّيثي، وقد مر غير مرة (حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ) هو ابن عمر بن عاصم العمري، واستُدِلَّ به على أنَّه لا يشترط في صحَّة التحمُّل قول الشَّيخ نعم في جواب من قال له حَدَّثكم فلان بكذا، وفيه نظر؛ لأنَّ في «مسند إسحاق»
ج 5 ص 441
في آخره فأقرَّ به أبو أسامة وقال نعم.
(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ) بكسر الراء لالتقاء الساكنين أيَّ سفرٍ كان (ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) أي بلياليها. ولمسلم من طريق الضَّحاك بن عثمان عن نافع (( مسيرة ثلاثة ليال ) )أي بأيَّامها، وبهذا يحصل التَّوفيق بين الرِّوايتين وفي رواية وفي أخرى .
(إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) بفتح الميم وسكون الحاء، والمراد به مع من لا يحلُّ له نكاحها، وفي حديث سعيد عند مسلم وأبي داود (( إلَّا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها ) )أخرجاه من طريق الأعمش عن أبي صالح عنه.
واحتجَّ بهذا الحديث إمامنا الأعظم أبو حنيفة وأصحابه وفقهاء أصحاب الحديث على أنَّ المَحْرَم شرط في وجوب الحجِّ على المرأة إذا كانت بينها وبين مكَّة مسيرة ثلاثة أيَّام ولياليها. وبه قال النَّخعي والحسن البصريُّ والثَّوري والأعمش.
وكذا احتجُّوا بما رواه مسلم من حديث أبي معبد قال سمعت ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقول سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يخطب (( لا يخلونَّ رجل بامرأة إلَّا ومعها ذو مَحرم، ولا تسافر المرأة إلَّا مع ذي مَحرم، فقام رجل فقال يا رسول الله إنَّ امرأتي حاجَّة وإني اكتُتبت [1] في غزوة كذا وكذا قال انطلق فحجَّ مع امرأتك ) )فدلَّ ذلك على أنَّها لا ينبغي لها أن تحجَّ إلَّا به، ولولا ذلك لقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حاجتها إليك؛ لأنَّها تخرج مع المسلمين، وأنت فامض لوجهك فيما اكتُتبت، ففي ترك النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يأمره بذلك، وأمره أن يحجَّ معها دليل على أنَّها لا يصح لها الحجَّ إلَّا به.
وروى ابن حزم حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذا في «المحلى» بسنده كما مرَّ، غير أنَّ لفظه (( إنِّي نذرت أن أخرج في جيش كذا ) )عوض قوله (( إني اكتُتبت في غزوة كذا ) )ثمَّ قال ولم يقل صلى الله عليه وسلم لا تخرج إلى الحجِّ إلَّا معك، ولا نهاها عن الحجِّ بل ألزمه ترك نذره الجهادَ، وألزمه الحجَّ معها فالفرض في ذلك عليه لا عليها.
هكذا قال ابنُ حزم توجيهًا لمذهبه في أنَّ المرأة تحجُّ من غير زوجٍ ومحرم، فإن كان لها زوج ففرض عليه أن يحجَّ معها، وليس كما فهمه، بل الحديث في نفس الأمر حجَّة عليه؛ لأنَّه
ج 5 ص 442
لما قال له «فأخرج معها» وأُمِر بالخروج معها دلَّ ذلك على عدم جواز سفرها إلَّا به أو بمحرم، وإنَّما ألزمه بترك نذره لتعلُّق جواز سفرها به.
فإن قلت فعلى هذا إذا امتنع الزَّوج أو المحرم عن الخروج معها في الحجِّ ينبغي أن يُجبَر على ذلك، ومع هذا فأنتم تقولون بعدم الجبر عليه.
فالجواب أنَّ هذا الأمر ليس للوجوب، وإنَّما هو للنَّدب، والغرض هو التَّنبيه على أنَّ المرأة لا تسافر إلَّا بزوجها أو بمحرمٍ من محارمها، فافهم.
وذهب الشَّافعي ومالك رحمهما الله إلى أنَّ المرأة تُسافر لحجِّ الفرض بلا زوج ولا محرمٍ، وإن كان بينها وبين مكَّة مدَّة سفر أو لم يكن، وخصَّا النَّهي الوارد في ذلك بالأسفار الغير الواجبة.
ومذهب عطاء وسعيد بن كيسان وطائفة من الظَّاهرية أنَّه يجوز سفر المرأة فيما دون البريد بلا محرمٍ، فإن كان بريدًا فصاعدًا فليس لها أن تسافر إلَّا بمحرم. واحتجُّوا في ذلك بما رواه الطَّحاوي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تسافر امرأة بريدًا إلَّا مع زوج أو ذي محرم ) )وأخرجه البيهقيُّ أيضًا ولفظه (( لا تسافر المرأة بريدًا إلَّا مع ذي محرم ) )وأخرج أبو داود نحوه.
وذهب الشَّعبي وطاوس وقوم من الظَّاهرية إلى أنَّ المرأة لا يجوز لها أن تسافر مطلقًا سواء كان السَّفر قريبًا أو بعيدًا إلَّا ومعها ذو محرمٍ لها. واحتجُّوا في ذلك بما رواه الطَّحاوي أيضًا بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تسافر المرأة إلَّا ومعها ذو محرم ) ).
قال الطَّحاوي اتَّفقت الآثار التي فيها مدَّة الثَّلاث كلها في تحريم السَّفر ثلاثة أيَّام على المرأة بغير محرم. واختلفت فيما دون الثَّلاث فنظرنا في ذلك فوجدنا النَّهي عن السَّفر بلا محرم مسيرة ثلاثة أيَّام فصاعدًا ثابتًا بهذه الآثار كلها، وكان توقيته ثلاثة أيَّام في ذلك لإباحة السَّفر فيما دون الثَّلاث لها بغير محرم، ولولا ذلك لما كان لذكر الثَّلاث معنى، ولنهى نهيًا مطلقًا.
ثمَّ ما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم في منعها من السَّفر دون الثَّلاث في اليوم واليومين والبريد إن كان بعد النَّهي عن سفر الثَّلاث فهو ناسخ، وإن كان خبر الثَّلاث هو المتأخَّر عنه فهو ناسخ، فقد ثبت أنَّ خبر الثَّلاث لا يخلو من وجهين إمَّا أن يكون هو المتقدِّم، أو يكون هو المتأخِّر، فإن كان هو المتقدِّم فقد أباح السَّفر بأقلِّ من ثلاث بلا محرم،
ج 5 ص 443
ثمَّ جاء بعده النَّهي عن السَّفر بأقل من ثلاث بغير محرم، فحرَّم ما حرَّم الحديث الأوَّل، وزاد عليه حرمة أخرى وهي حرمة السَّفر بما دون الثَّلاث فوجب استعمال الثَّلاث على ما أوجبه الأثر المذكور فيه، وإن كان هو المتأخِّر فهو ناسخ لما تقدَّمه من جواز السَّفر بأقل من الثَّلاث فلم يجب العمل به، فحديث الثَّلاث واجب العمل به على الأحوال كلها، وأمَّا ما خالفه فقد يجب العمل به إن كان هو المتأخِّر، ولا يجب العمل به إن كان هو المتقدِّم، فالذي قد وجب العمل به في كلا الوجهين والأخذ به أولى ممَّا يجب العمل به في حال ولا يجب في حال أخرى، انتهى.
وقال القاضي عياض وقوله في رواية «ثلاث ليال» وفي أخرى «يومين» وفي أخرى «أكثر من ثلاث» كلها عن أبي سعيد رضي الله عنه، وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما «ثلاثًا» ، وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه «مسيرة ثلاثة» ، وفي أخرى عنه «يوم وليلة» وفي أخرى عنه «ثلاثًا» ليس يتنافر ولا يختلف، فيكون صلى الله عليه وسلم منع من ثلاث، ومن يومين، ومن يوم وليلة وهو أقلُّها، وذلك خرج على اختلاف السَّائلين كأنَّ سائلًا سأله هل تسافر المرأة يومًا وليلة بغير محرم؟ فقال لا، ثمَّ سأله آخر عن ذلك في يومين فقال لا، ثمَّ سأله آخر عن مثله في ثلاثة أيام فقال لا، في مواطن مختلفة ونوازل متفرِّقة، فحدَّث كلُّ من سمعها بما بلغه منها وشاهده، فلا تعارض بينها بل إن حدَّث بها واحدٌ فحدَّث مرات على اختلاف ما سمعها يكون الأمر كذلك، على أنَّ مفهوم العدد لا اعتبار به، كما قاله الكرماني. وبحسب اختلاف هذه الرِّوايات اختلف الفقهاء في مدَّة القصر وأقل السَّفر.
فإن قيل قد روى الطَّحاوي من حديث بُكير أنَّ نافعًا حدَّثه أنَّه كان يسافر مع ابن عمر رضي الله عنهما مواليات له ليس معهنَّ ذو محرم.
فالجواب أنَّه يجوز أن يكون سفرهنَّ من غير محرم هو السَّفر الذي لم يدخل في النَّهي.
والمُواليات _ بضم الميم _؛ أي نساء مواليات من الموالاة، وعقد الموالاة أن يُسِلْم أحدٌ على يد آخر فيواليه، فيقول أنت مولاي ترثني إذا متُّ، وتعقل عنِّي إذا جنيت، فهذا عقد صحيح، وكذا لو أسلم على يد رجل ووالى غيره.
فإن قيل رثوي عن عائشة رضي الله عنها أنَّها كانت تسافر بغير محرم، فأخذ به جماعة وجوزَّوا سفرها بغير محرم.
فالجواب أنَّه كان النَّاس
ج 5 ص 444
لعائشة رضي الله عنها محرمًا؛ لأنَّها أمُّ المؤمنين فمع أيِّهم سافرت فقد سافرت بمحرم، وليس النَّاس لغيرها من النِّساء كذلك، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل اكتتبت أي نذرت. منه.