1088 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس، وهو من أفراد البخاري (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب هشام العامري المدني.
(قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (سَعِيدٌ) هو ابن أبي سعيد (الْمَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا بها، قال النَّووي يقال لكلِّ واحد من الأب والابن المقبُري، وإن كان الأصل هو الأب وكنيته أبو سعيد.
(عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيد كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) ظاهره أنَّ هذا قيد يُخرج الكافرات كتابيَّة كانت أو حربيَّة كما ذهب إليه البعض وليس كذلك،
ج 5 ص 445
بل هو وصف لتأكيد التَّحريم؛ لأنَّه تعريض أنَّها إذا سافرت بغير محرم فإنَّها تخالف شرط الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأنَّ التعرُّض لوصفها بذلك إشارة إلى التزام الوقوف عند ما نُهيت عنه، وأنَّ الإيمان بالله واليوم الآخر يَقضي لها بذلك، ويُقال إنَّ الإيمان هو الذي يستمر للمتَّصف به خطابُ الشَّارع، فينتفع به وينقاد له فلذلك قُيِّد به.
(أَنْ تُسَافِرَ) أي لا يحلُّ لامرأة مسافرتها فكلمة «أن» مصدريَّة (مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) حال كونها (لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ) بضم الحاء وسكون الراء؛ أي رجل ذو حرمة منها، كما في رواية مسلم.
واستدلَّ بهذا الحديث الأوزاعي واللَّيث على أنَّ المرأة ليس لها أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلَّا بذي محرم، ولها أن تسافر في أقل من ذلك، وقد مرَّ الكلام فيه مستقصى.
تنبيه قال الشَّيخ ابن الملقِّن تبعًا لشيخه مغلطاي الهاء في قوله (( مسيرة يوم وليلة ) )للمرَّة الواحدة، والتَّقدير أن تسافر مرَّة واحدة مخصوصة بيوم وليلة، وهذا تصرُّف عجيب ولا سلف له في هذا الإعراب، و «مسيرة» إنَّما هي مصدر ميمي بمعنى السَّير، كالمعيشة بمعنى العيش، وليست التَّاء فيه للمرَّة، وما كل تاء تدخل المصدر تدلُّ على الوحدة.
(تَابَعَهُ) أي تابع ابن أبي ذئب (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة (وَسُهَيْلٌ) هو ابن أبي صالح (وَمَالِكٌ) الإمام (عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قال المزي يعني تابعه في قول «مسيرة يوم وليلة» . انتهى.
وأشار بهذا إلى أنَّ متابعة هؤلاء ابن أبي ذئب عن سعيد في لفظ المتن لا في ذكر سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة. فهي متابعة في المتن لا في الإسناد، ولكن لم يُختلف على يحيى في روايته عن سعيد عن أبيه؛ لأنَّ الطَّحاوي روى هذا الحديث من طريق يحيى، وفيه «عن أبيه» حيث قال حدَّثنا أبو أميَّة قال حدَّثنا أبو نُعيم قال حدَّثنا شيبان بن عبد الرَّحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سعيد، عن أبيه أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحلُّ لامرأة أن تسافرَ يومًا فما فوقه إلَّا ومعها ذو محرم ) ).
وأخرجه أحمد في «مسنده» قال حَدَّثنا حسن حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سعيد أنَّ أباه أخبره أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه
ج 5 ص 446
يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحلُّ لامرأة أن تسافر يومًا فما فوقه إلَّا ومعها ذو حرمة ) ).
واختلف في ذلك على سُهيل ومالك أمَّا الاختلاف على سُهيل فقال أبو داود حَدَّثنا يوسف بن موسى، عن جرير، عن سُهيل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه ... الحديث وفيه «أن نسافر بريدًا» . بدل «يومًا» .
وأخرجه الطَّحاوي نا أبو بكرة قال نا أبو عمر الضَّرير، عن حمَّاد بن سلمة قال نا سُهيل بن أبي صالح، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تسافر امرأة بريدًا إلَّا مع زوج أو ذي محرم ) ). وأخرجه البيهقي أيضًا نحوه فهذه ليس فيها ذكر عن أبيه.
وروى مسلم نا أبو كامل الجحدري قال نا بشر _ يعني ابن مفضَّل _ قال نا سُهيل بن أبي صالح، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحلُّ لامرأة أن تسافر ثلاثًا ومعها ذو محرم ) ). فهذا في روايته أبدل سعيدًا بأبي صالح، وخالف في اللَّفظ أيضًا فقال أن تسافر ثلاثًا. ويحتمل أن يكون الحديثان معًا عند سُهيل، ولذلك صحَّح ابن حبَّان الطَّريقين عنه.
وقال ابنُ عبد البر رواية سُهيل مضطَّربة في الإسناد والمتن. وأمَّا الاختلاف على مالك ففي رواية مسلم عنه ذكر عن أبيه حيث قال نا يحيى بن يحيى قال قرأتُ على مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقُبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلَّا مع ذي محرم منها ) )ففي روايته «تسافر» بدون ذكر «أن» أيضًا، لكن هذا ليس باختلاف في الحقيقة؛ لأنَّ «أن» مقدَّرة فيها.
وقال أبو داود نا عبد الله بن مسلمة والنُّفيلي عن مالك قال وحَدَّثنا الحسن بن علي قال نا بشر بن عمر قال حَدَّثني مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، وقال الحسن في حديثه عن أبيه قال أبو داود ولم يذكر النُّفيلي والقعنبي «عن أبيه» .
وقال الدَّارقطني في «الغرائب» رواه بشر بن عمر وإسحاق بن محمَّد الفروي عن مالك، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وكذلك أخرجه الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم، عن مالك مثل حديث بشر بن عمر.
وقال الدَّارقطني في استدراكه على الشَّيخين أخرجاه من حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد
ج 5 ص 447
عن أبيه وقال الصَّواب عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه من غير ذكر «عن أبيه» .
واحتجَّ بأنَّ مالكًا ويحيى بن أبي كثير وسُهيلًا قالوا عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فهذا الدَّارقطني رجَّح رواية إسقاط «عن أبيه» كما رواه معظم رواة «الموطَّأ» ، ولكن في رواية الشَّيخين «عن أبيه» زيادة من الثِّقة وهي مقبولة.
وقد وافق ابن أبي ذئب على قوله «عن أبيه» اللَّيث بن سعد في رواية أبي داود عنه قال نا قتيبة بن سعيد قال نا اللَّيث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحلُّ لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلَّا ومعها رجل ذو حرمة منها ) ). واللَّيث بن سعد وابن أبي ذئب من أثبت النَّاس في سعيد.
نعم روى مسلم قال نا قتيبة بن سعيد قال نا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحلُّ لامرأة تسافر مسيرة ليلة إلَّا ومعها رجل ذو حرمة منها ) )ففيه [1] ذكر «عن أبيه» فإن صحَّت الرِّوايتان يكون على اللَّيث أيضًا اختلاف فيه، والله أعلم.
[1] كذا قال ويفهم من العمدة فليس فيه ذكر «عن أبيه»