فهرس الكتاب

الصفحة 1733 من 11127

1090 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفر المسنَديُّ (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (عَنِ) ابن شهاب (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتِ الصَّلاَةُ) بالإفراد، وفي رواية الكشميهني بالجمع، واستشكل ذلك من حيث اقتصار عائشة رضي الله عنها على قولها «ركعتان» لوجوب التَّكرير في مثله وقد حذف، فافهم.

(أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ) برفع «أوَّل» على أنَّه بدل من «الصَّلاة» أو مبتدأ ثان، وخبره قوله (رَكْعَتَان) ويجوز النصب على أنَّه ظرف؛ أي في أوَّل ما فرضت، وفي رواية فعلى هذه الرِّواية يكون «ركعتين ركعتين» منصوبًا على الحال، وقد سدَّ مسدَّ الخبر، أو الخبر محذوف، وأصل الكلام الصَّلاة فرضت ركعتين في أوَّل أزمنة فرضها فهو ظرف للخبر المقدَّر، و «ما» مصدريَّة والمضاف محذوف.

قال أبو عمر كل من رواه عن عائشة رضي الله عنها قال فيه «فرضت الصَّلاة» إلَّا أبا إسحاق الحربي قال نا أحمد بن الحجَّاج ثنا ابن المبارك ثنا ابن عجلان، عن صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت (( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصَّلاة ركعتين ركعتين ) )الحديث انتهى.

وفي «مسند عبد الله بن وهب» بسند صحيح عن عروة عنها رضي الله عنها (( فرض الله الصَّلاة

ج 5 ص 451

حين فرضها ركعتين )) الحديث.

وعند السَّرَّاج بسند صحيح (( فَرَضَ الصَّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّل ما فرضها ركعتين حينئذٍ ) )، وفي لفظ (( كان أوَّل ما افتُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصَّلاة ركعتين إلَّا المغرب ) )وسنده صحيح.

وعند البيهقي من حديث داود بن أبي هند، عن عامر، عن عائشة رضي الله عنها قالت افترض الله الصَّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة ركعتين ركعتين إلَّا المغرب، فلمَّا هاجر إلى المدينة زاد إلى كلِّ ركعتين ركعتين إلَّا صلاة الغداة.

(فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ) ركعتين (وَأُتِمَّتْ صَلاَةُ الْحَضَرِ) أربعًا. قال الدَّولابي نزل إتمام صلاة المقيم في الظُّهر يوم الثُّلاثاء ثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم بشهر، وأقرَّت صلاة السَّفر ركعتين.

وقال المهلَّب إلَّا المغرب فرضت وحدها ثلاثًا، وما عداها ركعتين ركعتين. وقال الأَصيليُّ أوَّل ما فرضت الصَّلاة أربعًا على هيئتها اليوم، وأنكر قول من قال فرضت ركعتين وقال لا يُقبل في هذا خبر الآحاد، وأنكر حديث عائشة رضي الله عنها.

وقال أبو عمر بن عبد البر رواه عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، وقال حديث صحيح الإسناد عند جماعة أهل النَّقل لا يختلف أهل الحديث في صحَّة إسناده، إلَّا أنَّ الأوزاعي قال فيه عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها. ولم يروه مالك عن ابن شهاب ولا عن هشام، إلَّا أنَّ شيخنا يُسمَّى محمَّد بن يحيى بن عبَّاد بن هانئ رواه عن مالك وابن أخي الزُّهري جميعًا عن الزُّهري عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، وهذا لا يصحُّ عن مالك، والصَّحيح في إسناده عن مالك ما في «الموطَّأ» وطرقه عن عائشة متواترة، وهو عنها صحيح ليس في إسناده مقال.

إلَّا أنَّ أهل العلم اختلفوا في معناه، فذهب جماعة منهم إلى ظاهره وعمومه وما يوجبه لفظه، فأوجبوا القصر في السَّفر فرضًا محتَّمًا لا رخصة تجوِّز الإتمام أيضًا.

وقالوا لا يجوز لأحد أن يصلِّي في السَّفر إلَّا ركعتين ركعتين في الرباعيَّة كما هو مقتضى حديث عائشة رضي الله عنها، ألا ترى أنَّ المصلِّي في الحضر لا يجوز له أن يزيد في صلاة من الصَّلوات الخمس، ولو زاد لفسدت، فكذلك

ج 5 ص 452

المسافر لا يجوز له أن يصلِّي أربعًا؛ لأنَّ فرضه في السَّفر ركعتان.

وممَّن ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز إن صحَّ عنه أنَّه قال الصَّلاة في السَّفر ركعتان لا يصح غيرهما، ذكره ابن حزم، وكذا حمَّاد بن أبي سليمان، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقول بعض أصحاب مالك.

ورُوِي عن مالك أيضًا وهو المشهور عنه أنَّه قال من أتمَّ في السَّفر أعاد في الوقت، وقد مضى تفصيل لذلك في باب «الصَّلاة بمنى» [خ¦1082] ، وذهب جماعة أخرى إلى أنَّ معناه فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليها فزيد في الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرَّت صلاة السَّفر على جواز الإتمام، كذا قال النَّووي. ومنهم من حمل قول عائشة «فُرضت» على معنى قُدِّرت.

قال ابن بطَّال الفرض قد يأتي لغير الإيجاب كما يُقال فرض القاضي النَّفقة؛ أي قدَّرها. وقال بعض المفسِّرين {قد فرض الله لكم تحلَّة أيمانكم} [التحريم 2] ؛ أي بيَّن لكم كيف تُكفِّرون عنها.

وقال الطَّبري معناه أنَّ المسافر إذا اختار القصر فهو فرضه كالحاج، فإنَّه مخيَّر في النَّفر في اليوم الثَّاني والثَّالث، وأيًّا فعل فقد قام بالفرض وكان صوابًا. وقيل ومن أدل دليل على تعيين تأويل حديث عائشة رضي الله عنها هذا كونها كانت تتمُّ في السَّفر.

وقال الكرماني لا دلالة للحنفيَّة في حديث عائشة رضي الله عنها؛ لأنَّه لو كان الحديث مُجرى على ظاهره لما جاز لعائشة رضي الله عنها إتمامها. ثمَّ إنَّه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن، وهو قوله تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء 101] وهو صريح في أنَّها كانت في الأصل زائدة عليه إذ القصر معناه التَّنقيص.

ثمَّ إنَّ الحديث عامٌّ مخصَّص بالمغرب [1] وبالصُّبح، وحجيَّة العام المخصَّص مختلف فيها، ثمَّ إنَّ راوية الحديث عائشة رضي الله عنها وقد خالفت روايتها، وإذا خالف الرَّاوي روايته لا يجب العمل بروايته عندهم انتهى.

وتعقَّبه العيني بأنَّا لا نُسلِّم أنَّه لا دلالة لهم فيه؛ لأنَّه ينبئ بأنَّ صلاة المسافر التي هي الرَّكعتان فُرِضت في الأصل هكذا، والزِّيادة عليهما طارئة ولم تستقر الزِّيادة إلَّا في الحضر، وبقيت صلاة المسافر فرضًا على أصلها وهي الرَّكعتان، فكما لا يجوز الزِّيادة في الحضر بالإجماع، فكذا المسافر لا يجوز له الزِّيادة، ولفظ «فرضت» وإن كان على صيغة المجهول، لكن الله هو الذي فرض كما مرَّ صريحًا في الأحاديث المذكورة آنفًا.

وأمَّا قوله لأنَّه لو كان الحديث مجرى على ظاهره لما جاز لعائشة إتمامها، فجوابه في نفس الحديث وهو قول عروة الآتي تأوَّلتْ ما تأوَّل عثمان رضي الله عنهما، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

وأمَّا قوله ثمَّ إنَّه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن ... إلى آخره، فلا نسلِّم ذلك أيضًا على الوجه

ج 5 ص 453

الذي ذكره؛ لأنَّ نفي الجناح في القصر إنَّما هو في الزِّيادة على الرَّكعتين؛ لأنَّ الصَّلاة فرضت بمكَّة ركعتين وزيدت عليها ركعتان في المدينة، والآية مدنيَّة نزلت في إباحة القصر للمسافرين الضَّاربين في الأرض، فدلَّ على أنَّ إباحة القصر في الزِّيادة الطَّارئة لا في الأصل؛ لأنَّ الإجماع منعقد على أنَّ المسافر لا يصلِّي في سفره أقل من ركعتين إلَّا ما شذَّ من قول من قال إنَّ المسافر يصلِّي ركعة عند الخوف فلا يعتدُّ به.

وقد جاء في الحديث المشهور أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى الظُّهر بأهل مكَّة في حجَّة الوداع ركعتين، ثمَّ أمر مناديًا ينادي «يا أهل مكَّة أتمُّوا صلاتكم، فإنَّا قوم سفر» ، ولو كان فرض المسافر أربعًا لم يحرمهم فضيلة الجماعة معه.

وعند مسلم في رواية ابن عمر رضي الله عنهما «صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم» . وفي رواية له (( صلَّى في السَّفر ) )ولم يقل بمنى، وفي رواية له (( صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السَّفر فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله، وصحبت أبا بكر رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله، وصحبت عمر رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله، وصحبت عثمان رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله ) ).

فإن قيل روى النَّسائي من رواية العلاء بن زهير، عن عبد الرَّحمن بن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكَّة حتَّى إذا قدمت مكَّة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرتَ فأتممتُ، وأفطرتَ فصمتُ قال أحسنت يا عائشة، وما عاب عليها.

قال البيهقيُّ إسناده صحيح موصول، فهذا يدلُّ على أنَّ القصر غير واجب، إذ لو كان واجبًا لأنكر النَّبي صلى الله عليه وسلم على عائشة في إتمامها.

فالجواب أنَّه قد اختلف فيه على العلاء بن زهير فرواه أبو نُعيم عنه هكذا، ورواه محمَّد بن يوسف الفريابي عن العلاء بن زهير، عن عبد الرَّحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، فعلى هذا يكون الإسناد غير موصول. فإن قيل روى البزَّار من رواية المغيرة بن زياد، عن عائشة رضي الله عنها (( إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فيتمُّ الصَّلاة ويقصر ) ).

ورواه الدَّارقطني وقال هذا إسناد صحيح، ووافقه البيهقي على صحَّة إسناده. فالجواب أنَّه كيف يُحكم بصحَّته

ج 5 ص 454

وقد قال أحمد المغيرة بن زياد منكر الحديث أحاديثه مناكير.

وقال أبو حاتم وأبو زرعة شيخ لا يُحتجُّ بحديثه، وأدخله البخاري في «الضُّعفاء» ، وعاده البيهقي التَّصحيح عند الاحتجاج لإمامه، والتَّضعيف عند الاحتجاج لغيره.

وأمَّا قوله ثمَّ إنَّ الحديث عامٌّ مخصَّص بالمغرب والصبح فغير سديد؛ لأنَّ المراد من قولها «فرضت الصَّلاة» هي الصَّلاة المعهودة في الشَّرع، وهي الصَّلوات الخمس ومسمَّاها معلوم، فكيف يصدق عليه حدَّ العام وهو ما ينتظم جمعًا من المسمَّيات، وكيف يقول مخصوص بالمغرب والصبح وهو غير صحيح؛ لأنَّ التَّخصيص إخراج بعض ما تناوله العام، فكيف يخرج المغرب التي هي ثلاث ركعات من أصل الفرض الذي هو ركعتان، وأما الصُّبح فعلى الأصل فلا يُتصوَّر فيها الإخراج.

وقوله وحجيَّة العام المخصوص مختلف فيها، غير وارد علينا؛ لأنَّا لا نقول بالعموم والخصوص فكيف يَرِدُ علينا ما قاله، ولئن سلَّمنا العموم فلا نسلِّم الخصوص على الوجه الذي ذكره، ولئن سلَّمنا العموم والخصوص فلا نُسلِّم ترك الاحتجاج بالعامِّ المخصوص مطلقًا.

وأمَّا قوله ثمَّ إنَّ راوية الحديث عائشة رضي الله عنها ... إلى آخره فغير وارد علينا أيضًا؛ لأنَّا لا نقول إنَّ عائشة رضي الله عنها خالفت ما روته، بل نقول إنَّها تأوَّلت كما قال عروة.

وممَّا يؤيِّد ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها كانت تصلِّي في السَّفر أربعًا فقلت لها لو صلَّيتِ ركعتين فقال يا ابن أختي لا يشقُّ عليَّ، فهذا يدلُّ على أنَّها تأوَّلت القصر ولم تنكره، وتأويلها إيَّاه لا ينافي وجوبه في نفس الأمر مع أنَّ الإنكار لم يُنقل عنها صريحًا. فافهم.

وبعد كلِّ ذلك فنحن ما اكتفينا في الاحتجاج فيما ذهبنا إليه بهذا الحديث وحده، بل لنا في ذلك دلائل أخرى قد ذُكرت في باب «الصَّلاة بمنى» [خ¦1082] . وقال أبو عمر وغيره قد اضطربت الآثار عن عائشة رضي الله عنها في هذا الباب، انتهى. فلذلك ما اكتفى أصحابنا به في الاحتجاج.

(قَالَ) ابن شهاب الزُّهري؛ يعني أنَّ الزُّهري لما روى هذا الحديث عن عروة عن عائشة رضي الله عنها ظهر له أنَّ الرَّكعتين هو الفرض في حقِّ المسافر لكن أشكل عليه إتمام عائشة رضي الله عنها من حيث إنَّها أخبرت بفرضيَّة

ج 5 ص 455

الرَّكعتين في حقِّ المسافر، ثمَّ إنَّها كيف أتمَّت، فسأل عروة حيث قال

(فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزبير (مَا) وفي رواية بالفاء (بَالُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (تُتَمِّمُ) وفي نسخة أي الصَّلاة (قَالَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) بن عفَّان رضي الله عنه، وللعلماء في ذلك أقوال منها

أنَّه أتمَّها بمنى خاصَّة. قال أبو عمر قال قوم أخذ بأحد الجائزين من القصر والإتمام إذ للمسافر أن يقصر ويتمَّ كما له أن يصوم ويفطر.

وقال الزُّهري فيما رواه الطَّحاوي وغيره عنه إنَّما صلَّى بمنى أربعًا؛ لأنَّ الأعراب كانوا أكثروا في ذلك العام فأحبَّ أن يخبرهم بأنَّ الصَّلاة أربع. وروى معمر عن الزُّهري أنَّ عثمان رضي الله عنه إنَّما صلَّى بمنى أربعًا؛ لأنَّه أزمع الإقامة بعد الحج.

وروى يونس عنه لمَّا اتخذ عثمان الأموال بالطَّائف، وأراد أن يقيم بها صلَّى أربعًا، وروى مغيرة عن إبراهيم قال صلَّى أربعًا؛ لأنَّه كان اتَّخذها وطنًا، وقيل استجدَّ له أرضًا بمنى.

وقال البيهقيُّ وذلك مدخول؛ لأنَّه لو كان إتمامه لهذا المعنى لما خفي ذلك على سائر الصَّحابة رضي الله عنهم، ولما أنكروا عليه ترك السنَّة، ولما صلَّى ابن مسعود رضي الله عنه في منزله. وقال ابن القطَّان الوجوه التي ذكرت عن الزُّهري كلها ليست بشيء.

أمَّا الوجه الأوَّل فقد قال الطَّحاوي الأعراب كانوا بأحكام الصَّلاة أجهل في زمن الشَّارع صلى الله عليه وسلم فلم يُتَّم، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه الشَّارع؛ لأنَّه بهم رؤوف رحيم.

وأمَّا الوجه الثَّاني فلأنَّ المهاجرين فُرِضَ عليهم ترك المقام بمكَّة، فكيف أزمع الإقامة فيها، وقد صحَّ عن عثمان رضي الله عنه أنَّه كان لا يودِّع النِّساء إلَّا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج من مكَّة خشية أن يرجع في هجرته التي هاجر لله تعالى، وقد ثبت عنه رضي الله عنه أيضًا أنَّه قال لما حاصروه، وقال له المغيرة اركب رواحلك إلى مكَّة قال لن أفارق دار هجرتي. وقال ابن التِّين لا يمتنع ذلك إذا كان له أمر أوجب ذلك لضرورة.

وأمَّا الوجه الثَّالث ففيه بُعدٌ إذ لم يقل أحد أنَّ المسافر إذا مرَّ بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل أنَّ حكمه حكم المقيم، وقيل إنَّما كان عثمان رضي الله عنه يتمُّ؛ لأنَّ أهله كانوا معه بمكَّة، ويردُّ هذا أنَّ الشَّارع صلى الله عليه وسلم كان يسافر بزوجاته، وكُنَّ معه بمكَّة ومع ذلك كان يقصر.

فإن قيل روى عبد الله بن الحارث بن أبي ذئاب، عن أبيه _ وقد عمل الحارث لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه _

ج 5 ص 456

قال صلَّى بنا عثمان رضي الله عنه أربعًا، فلمَّا سلم أقبل على النَّاس فقال إنِّي تأهَّلت بمكَّة لما قدمت، وإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تأهَّل ببلدة فهو من أهلها فليصلِّ أربعًا، وعزاه ابن التِّين إلى رواية ابن سنجر أنَّ عثمان رضي الله عنه صلَّى بمنى أربعًا، فأنكروا عليه فقال يا أيُّها النَّاس إنِّي لمَّا قدمت مكَّة تأهَّلت بها، وإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إذا تأهَّل الرَّجل ببلدة فليصلِّ بها صلاة المقيم ) ).

فالجواب أنَّ هذا الحديث منقطع أخرجه البيهقيُّ من حديث عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف، عن ابن أبي دئاب عن أبيه قال صلَّى عثمان رضي الله عنه. ويردُّه قول عروة إنَّ عائشة رضي الله عنها تأوَّلت ما تأوَّل عثمان رضي الله عنه، ولا جائز أن تتأهَّل عائشة رضي الله عنها أصلًا، فدلَّ على وهاء ذلك الخبر.

وقال ابن حزم إنَّ عثمان رضي الله عنه كان أمير المؤمنين، فحيث كان من بلد فهو عمله، وللإمام تأثير في حكم الإتمام كما له تأثير في إقامة الجمعة إذا مرَّ بقوم فإنَّه يجمع بهم الجمعة.

ويردُّه أنَّ عثمان رضي الله عنه سار مع الشَّارع صلى الله عليه وسلم إلى مكَّة وغيرها، وكان مع ذلك يقصر، وإذا كان له تأثير في ذلك، فالشَّارع كان أولى بذلك، ومع ذلك لم يفعله، فقد صحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي في السَّفر ركعتين إلى أن قبضَه الله تعالى، ومع ذلك لا يستقيم هذا التَّأول أيضًا في حقِّ عائشة رضي الله عنها كما لا يخفى، إلَّا أن يُقال مراد عروة بقوله «تأوَّلت كما تأوَّل عثمان» ، هو التَّشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل لا في اتحادِ تأويلهما.

وقد أخرج ابن جرير في تفسير سورة النِّساء أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تصلِّي في السَّفر أربعًا، فإذا احتجُّوا عليها تقول إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان في خوف، وكان يخاف فهل تخافون أنتم؟

وقد قيل في تأويل عائشة رضي الله عنها إنَّها إنَّما أتمَّت في سفرها إلى البصرة إلى قتال عليٍّ رضي الله عنه، والقصر عندها إنَّما يكون في سفر طاعة.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهذان القولان باطلان لاسيَّما الثَّاني. أقول وحاشاها من ارتكاب شيء تعلم أنَّها معصية، وإنَّما هو اجتهاد منها رضي الله عنها، وعن سائر الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم.

ولعلَّ القول الأوَّل هو السَّبب في قول

ج 5 ص 457

حارثة بن وهب رضي الله عنه «صلَّى بنا النَّبي صلى الله عليه وسلم آمنَ ما كان» ، وقد مضى قبل بابين [خ¦1083] .

وروى البيهقيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن حميد بن عبد الرَّحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان رضي الله عنه أنَّه أتمَّ بمنى، ثمَّ خطب فقال إنَّ القصر سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ولكنه حدث طَغَام _ بفتح الطاء المهملة والغين المعجمة _ فخفت أن يستنوا.

وقال ابن بطَّال والوجه الصَّحيح في ذلك _ والله أعلم _ أنَّ عثمان وعائشة رضي الله عنهما كانا يريان أن النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما قصر؛ لأنَّه لمَّا خيِّر بين القصر والإتمام اختار الأيسر من ذلك لأمَّته، وقد قالت عائشة رضي الله عنها ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فأخذت هي وعثمان رضي الله عنهما في أنفسهما بالشدَّة، وتركا الرُّخصة إذ كان ذاك مباحًا لهما بحكم التَّخيير فيما أذن الله فيه، ويدلُّ على ذلك إنكار ابن مسعود رضي الله عنه الإتمام على عثمان رضي الله عنه، ثمَّ صلَّى خلفه وأتمَّ، فكلَّم في ذلك فقال الخلاف شرٌّ.

وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما أخرجه البيهقي من طريق هشام بن عروة عن أبيه أنَّها كانت تصلِّي في السَّفر أربعًا فقلت لها لو صلَّيت ركعتين فقالت يا ابن أختي لا يشقُّ عليَّ. وإسناده صحيحٌ وهو دالٌّ على أنَّها تأوَّلت أنَّ القصر رخصة، وأنَّ الإتمام لمن لا يشقُّ عليه أفضل، ويدلُّ على اختيار الجمهور ما رواه أبو يَعلى والطَّبراني بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه سافر مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكلُّهم كان يصلِّي ركعتين من حين يخرج من المدينة إلى مكَّة حتَّى يرجع إلى المدينة في المسير، وفي المقام بمكَّة، والله أعلم.

وقال الحافظ العسقلانيُّ والمعوَّل في ذلك أنَّ سبب إتمام عثمان رضي الله عنه أنَّه كان يرى القصر مختصًّا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيُتمُّ، والحجَّة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسنٍ عن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه قال لمَّا قدم علينا معاوية رضي الله عنه حاجًّا صلَّى بنا الظُّهر ركعتين بمكَّة، ثم انصرف إلى دار النَّدوة فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا لقد عبت أمر ابن عمِّك؛ لأنَّه كان قد أتمَّ الصَّلاة قال وكان عثمان رضي الله عنه حيث أتمَّ الصَّلاة إذا قدم مكَّة صلَّى بها الظُّهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثمَّ إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصَّلاة، فإذا فرغ من الحجِّ وأقام بمنى أتمَّ الصَّلاة، انتهى.

وقال محمودُ بن أحمد العيني

ج 5 ص 458

وهذا الذي ذكره يؤيِّد ما ذهبنا إليه من وجوب القصر؛ لأنَّه قال كان يرى القصر مختصًّا بمن كان شاخصًا سائرًا، وظاهره أنَّه كان يرى القصر واجبًا للمسافر، وكان يرى حكم المقيم لمن أقام، ونحن أيضًا نرى ذلك، غير أنَّ المسافر متى يكون مقيمًا؟ فيه خلاف.

وقد مرَّ فيما قبل ولا يضرُّنا هذا الخلاف في دعوانا وجوب القصر في حقِّ المسافر. بقي أنَّ هذا القائل ادَّعى أنَّ إسناد حديث أحمد حسنٌ، ولم يذكر رجاله حتَّى يُنظر فيهم. انتهى.

وهذا هو الموعود بذكره فيما قبل بابين، والحمد لله تعالى على ذلك، ثمَّ رواة هذا الحديث ما بين بخاريٍّ ومكِّي ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه مسلم، والنَّسائي في «الصَّلاة» .

[1] في هامش الأصل أما المغرب فخارجة مطلقًا إذ هي ثلاث ركعات في الأصل أيضًا، وأما الصبح فليس فيها الزيادة في الحضر، وإنما تركت صلاة الفجر على الأصل في الحضر لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب على الأصل في السفر لأنها وتر النهار كما رواه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت