1102 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد الأسدي البصري (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو القطَّان (عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، مات سنة خمس أو سبع وخمسين ومائة.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) حفص بن عاصم (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (يَقُولُ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ لاَ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) قال ابن دقيق العيد هذا اللَّفظ يحتمل أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كناية عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر. ويحتمل أن لا يزيد نفلًا، ويمكن أن يراد ما هو أعمُّ من ذلك.
قال الحافظ العسقلاني ويدلُّ على الثَّاني رواية مسلم من الوجه الثَّاني الذي أخرجه المصنِّف ولفظه (( صحبت ابن عمر رضي الله عنهما في طريق مكَّة، فصلَّى لنا الظُّهر ركعتين، ثمَّ أقبل وأقبلنا معه حتَّى جاء رَحْله وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسًا قيامًا، فقال ما يصنع هؤلاء؟ قلت يسبِّحون قال لو كنت مسبِّحًا لأتممت ) )فذكر المرفوع كما ساقه المصنِّف.
قال النَّووي أجابوا عن قول ابن عمر رضي الله عنهما هذا بأنَّ الفريضة محتَّمة، فلو شرعت تامَّة لتحتَّم إتمامها، وأمَّا النَّافلة فهي إلى خِيرَة المصلِّي، فطريق الرِّفق به أن تكون مشروعة ويخير فيها، انتهى.
وتعقِّب بأنَّ مراد ابن عمر رضي الله عنهما بقوله (( لو كنت مسبِّحًا لأتممت ) )يعني أنَّه لو كان مخيَّرًا بين الإتمام وصلاة الرَّاتبة لكان الإتمام أحبُّ إليه، لكنَّه فهم من القصر التَّخفيف، فلذلك كان لا يصلِّي الرَّاتبة ولا يتمُّ، والله أعلم.
(وَ) صحبت (أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرَ) أي ابن الخطَّاب (وَعُثْمَانَ) بن عفَّان (كَذَلِكَ) أي كما صحبته صلى الله عليه وسلم في السَّفر (رَضِيَ اللهُ عَنْهُم) وكانوا لا يزيدون في السَّفر على ركعتين، وفي ذكر عثمان رضي الله عنه إشكال؛ لأنَّه كان في آخر أمره يتمُّ الصَّلاة، وكيف قال ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ عثمان رضي الله عنه لا يزيد في السَّفر على ركعتين.
وأُجيب بأنَّه يُحمل على الغالب أو المراد
ج 5 ص 476
أنَّه كان لا يتنفَّل في أوَّل أمره ولا في آخره، وإن كان يُتمّ، فإن قيل قال التِّرمذي نا علي بن حُجر نا حفص بن غياث، عن الحجَّاج، عن عطيَّة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم الظُّهر في السَّفر ركعتين وبعدها ركعتين ) )وقال هذا حديث حسنٌ.
وقال حدَّثنا محمَّد بن عبد. ... [1] أبو يَعلى الكوفي نا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطيَّة ونافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( صلَّيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسَّفر، فصلَّيت معه في الحضر الظُّهر أربعًا وبعدها ركعتين، وصلَّيت معه الظُّهر في السَّفر ركعتين وبعدها ركعتين والعصر ركعتين، ولم يصلِّ بعدها شيئًا، والمغرب في الحضر والسَّفر ثلاث ركعات لا تنقص في الحضر، ولا في السفر ثلاث، وهي وتر النَّهار وبعدها ركعتين [2] ) ).
قال أبو عيسى هذا حديث حسن، سمعت محمَّدًا يقول ما روى ابن أبي ليلى حديثًا أعجب إليَّ من هذا، فما التَّوفيق بين هذا وبين حديث الباب؟
فالجواب ما قاله الشَّيخ زين الدِّين العراقي أنَّ النَّفل المطلق وصلاة اللَّيل لم يمنعهما ابن عمر رضي الله عنهما ولا غيره، فأمَّا السُّنن الرَّواتب فيحمل حديثه المتقدِّم _ يعني حديث الباب _ على الغالب من أحواله في أنَّه لا يصلِّي الرَّواتب، وحديثه في هذا الباب؛ أي الذي رواه التِّرمذي على أنَّه فعله في بعض الأوقات لبيان استحبابها في السَّفر، وإن لم يتأكَّد فعلها كتأكُّده في الحضر، أو أنَّه كان نازلًا في وقت الصَّلاة ولا شغل له يشتغل به عن ذلك، أو سائرًا وهو على راحلته، ولفظه في الحديث المتقدِّم _ يعني حديث الباب _ بلفظ «كان» وهو لا يقتضي الدَّوام بل ولا التِّكرار على الصَّحيح، فلا تعارض بين حديثيه.
قال العيني على أنَّ هذين الحديثين تفرَّد بإخراجهما التِّرمذي، فحديث الباب أرجحُ، فإن قيل روى التِّرمذي نا قتيبة نا اللَّيث بن سعد، عن صفوان بن سُليم، عن أبي بشر الغفاري، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال (( صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرًا، فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشَّمس قبل الظُّهر ) )رواه أبو داود أيضًا عن قتيبة.
فالجواب أنَّ هذا لا يعارض حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي رواه في هذا الباب؛ لأنَّه لا يلزم من كون البراء رضي الله عنه ما رآه تَرَكَ أن يكون ابن عمر رضي الله عنه أيضًا كذلك على أنَّا لا نسلِّم أنَّ هاتين الرَّكعتين من السُّنن الرَّواتب، وإنَّما هي سنة الزَّوال الواردة في حديث
ج 5 ص 477
أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه.
[1] بياض في الأصل في العمدة محمد بن عبيد المحاربي أبو يعلى الكوفي.
[2] قوله (( وهي وتر النهار وبعدها ركعتين ) )ليس في (خ) .