1106 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما.
(قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) جمع تأخير (إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي اشتدَّ، قاله في «المحكم» .
وقال ابن الأثير أي إذا اهتمَّ به وأسرع فيه، يُقال جدَّ يجُدُّ ويجِدُّ _ بالضم والكسر _ وجدَّ به الأمر وأجدَّ وجدَّ فيه وأجدَّ إذا اجتهد. وقال القاضي عياض جدَّ به السَّير أسرع، وكأنَّه نسب الإسراع إلى السَّير توسُّعًا.
وإنَّما اقتصر ابن عمر رضي الله عنهما على ذكر المغرب والعشاء دون جمع الظُّهر والعصر؛ لأنَّ الواقع له جمع المغرب والعشاء، وهو ما سُئل عنه، فأجاب به حين استُصِرخ على امرأته صفيَّة فاستعجل فجمع بينهما جمع تأخير، كما سبق في باب «يصلِّي المغرب ثلاثًا» [خ¦1091] . وهذا الحديث أخرجه مسلم في «الصَّلاة» ، وكذا النَّسائي، والكلام في هذا الباب على نوعين
الأوَّل فيمن روى الجمع بين الصَّلاتين من الصَّحابة رضي الله عنهم، فمنهم عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه أخرج حديثه أبو داود بسند لا بأس به كان إذا سافر سافر بعدما تغرب الشَّمس حتَّى يكاد أن يظلم، ثمَّ ينزل فيصلِّي المغرب، ثمَّ يصلِّي
ج 5 ص 485
العشاء ويقول هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع.
وروى ابن أبي شيبة في «المصنَّف» عن أبي أسامة، عن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان يصلِّي المغرب في السَّفر، ثمَّ يتعشَّى، ثمَّ يصلِّي العشاء على إثرها، ثمَّ يقول هكذا رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع.
وطريق آخر رواه الدَّارقطني قال نا أحمد بن محمَّد بن سعيد نا المنذر بن محمَّد نا أبي نا محمَّد بن الحسن بن علي بن الحسن حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ رضي الله عنه قال كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل حين تزول الشَّمس جمع الظُّهر والعصر، فإذا مدَّ له السَّير أخَّر الظُّهر، وعجَّل العصر، ثمَّ جمع بينهما، ولا يصحُّ إسناده، وشيخ الدَّارقطني هو أبو العبَّاس بن عقدة أحد الحفَّاظ، لكنَّه شيعي، وقد تكلم فيه الدَّارقطني وحمزة السَّهمي وغيرهما، وشيخه المنذر بن محمَّد بن المنذر ليس بالقوي أيضًا، قاله الدَّارقطني أيضًا، وأبوه وجدُّه يحتاج إلى معرفتهما.
ومنهم أنس بن مالك رضي الله عنه أخرج حديثه البخاري، وسيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1108] .
ومنهم عبد الله بن عَمرو أخرج حديثه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» ، وأحمد في «مسنده» من رواية حجَّاج عن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال (( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصَّلاتين في غزوة المصطلق ) ). وقال أحمد (( يوم غزا بني المصطلق ) ). وفي رواية (( جمع بين الصَّلاتين في السَّفر ) )وفي إسناده الحجَّاج بن أرطأة، وهو مختلف في الاحتجاج به.
ومنهم عائشة رضي الله عنها أخرج حديثها ابن أبي شيبة في «المصنَّف» ، وأحمد في «مسنده» كلاهما عن وكيع نا مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخِّر الظُّهر، ويعجِّل العصر، ويؤخِّر المغرب ويعجِّل العشاء في السَّفر. ومغيرة بن زياد ضعَّفه الجمهور، ووثَّقه ابن مَعين وأبو زُرعة.
ومنهم ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرج حديثه مسلم من رواية أبي الزُّبير قال نا سعيد بن جبير قال نا ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصَّلوات في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظُّهر والعصر
ج 5 ص 486
والمغرب والعشاء، قال سعيد فقلت لابن عبَّاس رضي الله عنهما ما حمله على ذلك؟ فقال أراد أن لا يُحرج أمَّته.
وقد روى مسلم أيضًا بهذا الإسناد قال (( صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظُّهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر ) ). وفي رواية له (( صلَّى الظُّهر والعصر جميعًا بالمدينة من غير خوف ولا سفر ) ).
ومنهم أسامة بن زيد أخرج حديثه التِّرمذي في كتاب «العلل» قال نا أبو السَّائب، عن الحريري، عن أبي عثمان، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جدَّ به السَّير جمع بين الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء ) )ثمَّ قال سألت محمَّدًا عن هذا الحديث. فقال الصَّحيح أنَّه موقوفٌ عن أسامة بن زيد رضي الله عنه. ولأسامة رضي الله عنه حديث آخر في جمعه بعرفة ومزدلفة. أخرجه البخاري وسيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1669] [خ¦1672] .
ومنهم جابر رضي الله عنه أخرج حديثه أبو داود والنَّسائي من طريق مالك عن أبي الزُّبير (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم غابت له الشَّمس بمكَّة فجمعَ بينهما بسَرِف ) ).
وروى أحمد في «مسنده» من رواية ابن لهيعة، عن أبي الزُّبير قال سألت جابرًا رضي الله عنه هل جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء؟ قال نعم عام غزونا بني المصطلق.
وروى مسلم وأبو داود وابن ماجه في حديث جابر الطَّويل في صفة حجِّه صلى الله عليه وسلم من رواية محمَّد بن علي بن الحسين، عن جابر رضي الله عنه فوجد القبَّة قد ضربت بنَمِرة، وفيه أذَّن ثمَّ أقام فصلَّى الظُّهر والعصر ولم يصلِّ بينهما شيئًا، وفيه حتَّى أتى المزدلفة، فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئًا.
ومنهم خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أخرج حديثه الطَّبراني عن عديِّ بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه قال (( صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم بجمع المغرب والعشاء ثلاثًا واثنتين بإقامة واحدة ) ).
ومنهم ابن مسعود رضي الله عنه أخرج حديثه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» من رواية ابن أبي ليلى، عن هذيل، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصَّلاتين في السَّفر ) ). ورواه الطَّبراني في «الكبير» بلفظ (( كان يجمع بين المغرب والعشاء يؤخِّر هذه في آخر وقتها، ويعجِّل
ج 5 ص 487
هذه في أوَّل وقتها )) .
ومنهم أبو أيُّوب رضي الله عنه أخرج حديثه البخاري وسيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1674] .
ومنهم أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أخرج حديثه الطَّبراني في «الأوسط» عن أبي نضرة عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصَّلاتين في السَّفر ) ).
ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه أخرج حديثه البزَّار، عن عطاء بن يسار، عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أنَّه كان يجمع بين الصَّلاتين في السَّفر ) ).
النَّوع الثَّاني في بيان مذاهب الأئمَّة في هذا الباب فذهب قوم إلى ظاهر هذه الأحاديث، وأجازوا الجمع بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السَّفر في وقت إحداهما، وبه قال الشَّافعي وأحمد وإسحاق.
وقال ابن بطَّال قال الجمهور المسافر يجوز له الجمع بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقًا.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وفي المسألة أقوال
أحدها جواز الجمع مثل ما قال ابن بطَّال. ورُوِي ذلك عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم منهم عليِّ بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأسامة بن زيد ومعاذ بن جبل وأبو موسى وابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم، وبه قال جماعة من التَّابعين منهم عطاء بن أبي رباح وطاوس ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وربيعة الرَّأي وأبو الزِّناد ومحمَّد بن المنكدر، وبه قال جماعة من الأئمَّة منهم سفيان الثَّوري والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، ومن المالكيَّة أشهب. وحكاه ابن قدامة عن مالك أيضًا، والمشهور عن مالك تخصيص الجمع بجدِّ السَّير.
والقول الثَّاني أنَّه إنَّما يجوز الجمع إذ جدَّ به السَّير، رُوِي ذلك عن أسامة بن زيد وابن عمر رضي الله عنهم، وهو قول مالك في المشهور عنه.
والقول الثَّالث أنَّه يجوز إذا أراد قُطِع الطَّريق، وهو قول ابن حبيب من المالكيَّة. وقال ابن العربي وأمَّا قول ابن حبيب فهو قول الشَّافعي؛ لأنَّ السَّفر نفسه إنما هو لقطع الطَّريق.
والقول الرَّابع أنَّه يجوز جمع التَّأخير لا جمع التَّقديم، وهو اختيار ابن حزم.
والقول الخامس أنَّه لا يجوز مطلقًا بسبب السَّفر، وإنَّما يجوز بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن وابن سيرين وإبراهيم النَّخعي والأسود وأبي حنيفة وأصحابه، وهو رواية ابن القاسم عن مالك واختاره.
وفي «التَّلويح» وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع الجمع في غير هذين المكانين، وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما فيما ذكره ابن شدَّاد في كتابه «دلائل الأحكام» ، وابن عمر في رواية أبي داود وابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وعمرو بن دينار والثَّوري والأسود وأصحابه وعمر بن عبد العزيز وسالم واللَّيث بن سعد.
وقال ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» نا وكيع نا أبو هلال، عن حنظلة السَّدوسي، عن أبي موسى رضي الله عنه أنَّه قال (( الجمع بين الصَّلاتين من غير عذر من الكبائر ) ).
قال صاحب «التَّلويح» وأمَّا قول النَّووي أنَّ أبا يوسف ومحمَّدًا خالفا شيخهما، وأنَّ قولهما كقول الشَّافعي وأحمد فقد ردَّه عليه صاحب «الغاية في شرح الهداية» [1] بأنَّ هذا لا أصل له عنهما.
قال العيني والأمر كما قاله، وأصحابنا أعلم بحال أئمَّتنا الثَّلاثة رحمهم الله. واستدلَّ أصحابنا بما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى صلاة لغير وقتها إلَّا بجمع، فإنَّه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلَّى صلاة الصُّبح في الغد قبل وقتها [خ¦1675] .
وبما رواه مسلم عن أبي قتادة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( ليس في النَّوم تفريطٌ، إنَّما التَّفريط في اليقظة أن يؤخِّر صلاة حتَّى يدخلَ وقت صلاة أخرى ) ).
والجواب عن هذه الأحاديث التي فيها الجمع في غير عرفة، وجمع ما قاله الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» أنَّه صلَّى الأولى في آخر وقتها، والثَّانية في أوَّل وقتها لا أنَّه صلَّاهما في وقت واحد. ويؤيَّد هذا المعنى حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظُّهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر ) )رواه مسلم. وفي لفظ قال (( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر ) ).
قيل لابن عبَّاس رضي الله عنهما ما أراد من ذلك؟ قال أراد أن لا يُحرج أمَّته قال ولم يقل أحد منَّا ولا منهم بجواز الجمع في الحضر، فدلَّ على أنَّ معنى الجمع ما ذكرناه من تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثَّانية في أوَّل وقتها.
فإن قيل لفظ مسلم في حديث الباب أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا جدَّ به السَّير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشَّفق ويقول أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 5 ص 488
كان إذا جدَّ به السَّير جمع بين المغرب والعشاء، وهذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصَّلاتين.
وقال النَّووي وفيه إبطال تأويل الحنفيَّة في قولهم إنَّ المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثَّانية في أوَّل وقتها.
فالجواب أنَّ الشَّفق نوعان أحمر وأبيض، واختلف فيه الصَّحابة والعلماء فيحتمل أنَّه جمع بينهما بعد غياب الأحمر، فيكون المغرب في وقتها على قول من يقول الشَّفق هو الأبيض، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول الشَّفق هو الأحمر، ويُطلق عليه أنَّه جمع بينهما بعد غياب الشَّفق، والحال أنَّ كلَّ واحدة منهما وقعت في وقتها على اختلاف القولين في الشَّفق، وهذا يسمَّى جمعًا صورة لا وقتًا.
فإن قيل فما تقول في لفظ النَّسائي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه جمع بين الظُّهر والعصر حين كان بين الصَّلاتين، وبين المغرب والعشاء حين اشتبكت النُّجوم.
فالجواب أنَّ أوَّل وقت العصر أيضًا مختلفٌ فيه، وهو بصيرورة ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله أو مثليه، فيحتمل أنَّه أخَّر الظُّهر إلى أن صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، ثمَّ صلَّاها وصلى عقيبها العصر، فيكون قد صلَّى الظُّهر في وقتها على قول من يرى أنَّ آخر وقت الظُّهر بصيرورة ظلِّ كل شيء مثليه، ويكون قد صلَّى العصر في وقتها على قول من يرى أن [2] أوَّل وقتها بصيرورة ظل كل شيء مثله، ويصدق على من فعل هذا أنَّه جمع بينهما، وأمَّا النُّجوم فتشتبك بعد غياب الحمرة، وهو وقت المغرب على قول من يقول الشَّفق هو البياض.
فإن قيل قد ذكر البيهقي في باب «الجمع بين الصَّلاتين في السَّفر» عن حمَّاد بن زيد، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سار حين غاب الشَّفق ... إلى آخره ثمَّ قال رواه معمر، عن أيُّوب وموسى بن عقبة، عن نافع وقال في الحديث أخَّر المغرب بعد ذهاب الشَّفق حتَّى ذهب هوي من اللَّيل، ثمَّ نزل فصلَّى المغرب والعشاء.
فالجواب أنَّه لم يذكر سنده لينظر فيه، وقد أخرجه النَّسائي بخلاف هذا قال أنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرَّزَّاق ثنا معمر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما كان صلى الله عليه وسلم إذا جدَّ به أمر، أو جدَّ به السَّير جمع بين المغرب والعشاء.
فإن قيل قال البيهقيُّ ورواه يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد
ج 5 ص 489
الأنصاري، عن نافع فذكر أنَّه سافر قريبًا من ربع اللَّيل، ثمَّ نزل فصلَّى.
فالجواب أنَّه أسنده في «الخلافيَّات» من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور ولفظه (( فسرنا أميالًا، ثمَّ نزل فصلَّى ) )فلفظه مضطرب كما ترى على وجهين، فاقتصر البيهقيُّ في «السُّنن» على ما وافق مقصوده.
فإن قيل روى التِّرمذي فقال نا هنَّاد نا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه استُغيث على بعض أهله فجدَّ به السَّير، وأخَّر المغرب حتَّى غاب الشَّفق، ثمَّ نزل فجمع بينهما، ثمَّ أخبرهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا جدَّ به السَّير، وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعند أبي داود (( حتَّى غربت الشَّمس وبدت النُّجوم ) ). وفي حديث سفيان بن سعيد، عن يحيى بن سعيد (( أخَّرها إلى ربع اللَّيل ) ). وفي لفظ (( حتَّى إذا كان قبل غيوب الشَّفق نزل فصلَّى المغرب، ثمَّ انتظر حتَّى غاب الشَّفق وصلَّى العشاء ) ). وفي لفظ (( عند ذهاب الشَّفق نزل فجمع بينهما ) ). وعند ابن خُزيمة (( فسرنا حتَّى كان نصف اللَّيل أو قريبًا من نصفه نزل فصلَّى ) ).
فالجواب أنَّ الكلام في الشَّفق قد مرَّ، وأمَّا رواية ابن خُزيمة ففيها مخالفة للحفَّاظ من أصحاب نافع فلا يمكن الجمع بينهما فيترك ما فيها المخالفة للحفَّاظ، ويؤخذ برواية الحفَّاظ.
وروى أبو داود عن قتيبة ثنا عبد الله بن نافع، عن أبي مردود، عن سليمان بن أبي يحيى، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء قط في سفر إلَّا مرَّة.
وقال أبو داود هذا يُروى عن أيُّوب عن نافع موقوفًا على ابن عمر أنَّه لم يرَ ابن عمر رضي الله عنهما جمع بينهما قط إلَّا تلك اللَّيلة؛ يعني ليلة استُصرخ على صفيَّة. ورُوِي من حديث مكحول عن نافع أنَّه رأى ابن عمر رضي الله عنهما فعل ذلك مرَّة أو مرَّتين.
فإن قيل روى أبو داود نا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله الرَّملي الهَمْداني نا المفضَّل بن فَضَالة واللَّيث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن ابن الزُّبير، عن أبي الطُّفيل، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشَّمس قبل أن يرتحل جمع بين الظُّهر والعصر، وإن ترحل قبل أن تزيغ الشَّمس أخَّر الظُّهر حتَّى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غاب الشَّفق قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء،
ج 5 ص 490
وإن ارتحل قبل أن يغيب الشَّفق أخَّر المغرب حتَّى ينزل للعشاء، ثمَّ جمع بينهما.
قال أبو داود رواه هشام، عن عروة، عن حسين بن عبد الله، عن كُريب، عن ابن عبَّاس رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث المفضَّل واللَّيث.
فالجواب أنَّه حُكِيَ عن أبي داود أنَّه أنكر هذا الحديث، وحُكِيَ عنه أيضًا أنَّه قال ليس في تقديم الوقت حديث قائم، وحسين بن عبد الله هذا لا يحتجُّ بحديثه.
قال ابنُ المديني تركت حديثه. وقال أبو جعفر العقيلي وله غير حديث لا يتابع عليه. وقال أحمد بن حنبل له أشياء منكرة. وقال ابنُ معين ضعيف. وقال أبو حاتم ضعيف يكتب حديثه ولا يحتجُّ به. وقال النَّسائي متروك الحديث، وقال ابن حبَّان كان يقلبُ الأسانيد ويرفعُ المسانيد.
وقال الخطَّابي في الرَّدِّ على تأويل أصحابنا أنَّ الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكلِّ صلاة في وقتها؛ لأنَّ أوائلَ الأوقات وأواخرها ممَّا لا يدركه أكثر الخاصَّة فضلًا عن العامَّة.
ومن الدَّليل على أنَّ الجمع للرُّخصة قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أراد أن لا يحرج أمَّته» ، كما أخرجه مسلم. وقال ابنُ قدامة إنَّ حمل الجمع بين الصَّلاتين على الجمع الصُّوري فاسد لوجهين
أحدهما أنَّه جاء الخبر صريحًا في أنَّه كان يجمعهما في وقت إحداهما.
والثَّاني أنَّ الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أشدُّ ضيقًا وأعظم حرجًا من الإتيان بكلِّ صلاة في وقتها قال ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب، وبين العشاء والصُّبح قال ولا خلاف بين الأئمَّة في تحريم ذلك قال والعمل بالخبر على الوجه السَّابق منه إلى الفهم أولى من هذا التكلُّف الذي يصان كلام الرَّسول صلى الله عليه وسلم من حمله عليه.
والجواب عنه سلَّمنا أنَّ الجمع رخصة، ولكن حملناه على الجمع الصُّوري حتَّى لا يعارض الخبرُ الواحد الآيةَ القطعيَّة، وهو قوله تعالى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة 238] أي أدُّوها في أوقاتها، وقال تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء 103] أي فرضًا مؤقتًا، وما قلناه هو العمل بالآية والخبر، وما قالوه يؤدِّي إلى ترك العمل بالآية، ويلزمهم على ما قالوا من الجمع المعنوي رخصة أن يجمعوا لعذر المطر والخوف في الحضرِ، ومع هذا لم يجوزوا ذلك، وأوَّلوا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر ) )الحديث بتأويلاتٍ
ج 5 ص 491
مردودةٍ، وفيما ذهبنا إليه العمل بالكتاب، وبكلِّ حديث جاء في هذا الباب من غير حاجةٍ إلى تأويلات.
وأمَّا قول الخطَّابي لأنَّ أوائل الأوقات ... إلى آخره غير مسلَّم؛ لأنَّ الصَّلاة من أعظم أمور الدِّين، فالمسلم الكامل كيف يخفى عليه أمور تتعلَّق بأعظم أمور دينه.
ويردُّ على ابن قدامة أيضًا بما ذكرنا، وقياسه على الجمعِ بين العصر والمغرب وبين العشاء والصُّبح باطلٌ لا وجه له أصلًا؛ لعدم الملازمة، وليس فيما قلنا ترك صون كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، بل فيما قلنا صون كلام الرَّسول صلى الله عليه وسلم [3] لأجل ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه، وللتَّوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها معارض، فليتأمَّل.
[1] في هامش الأصل وهو السروجي. منه.
[2] من قوله (( آخر وقت. .. إلى قوله من يرى أن ) )ليس في (خ) .
[3] قوله (( بل فيما قلنا صون كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ) )ليس في (خ) .