1121 - 1122 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المسنَدي (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني (قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، هو ابنُ راشد (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان المروزي (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همَّام (قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) المذكور (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب.
(عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (قَالَ كَانَ الرَّجُلُ) اللام للجنس ولا مفهوم له، وإنَّما ذُكِرَ للغالب فالمرأة كذلك(فِي حَيَاةِ
ج 5 ص 525
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى رُؤْيَا)على وزن فُعْلى بالضم بلا تنوين كالرُّجعى، وهو يختصُّ بالمنام كما أنَّ الرَّأي يختصُّ بالقلب والرُّؤية تختصُّ بالعين (قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من قَصصتُ الرُّؤيا على فلان، إذا أخبرته بها أقصُّها قصًّا، والقصُّ البيان.
(فَتَمَنَّيت أَنْ أَرَى) وفي رواية الكُشميهني (رُؤْيَا) وزاد في «التعبير» من وجهٍ آخر (( فقلت في نفسي لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء ) ) [خ¦7028] ، ويؤخذُ منه أنَّ الرُّؤيا الصَّالحة تدلُّ على خير رائيها.
(فَأَقُصَّهَا) بفاء قبل الهمز؛ أي أخبره بها، وفي نسخة بدون الفاء (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ) أي مبنيَّة الجوانب.
(كَطَيِّ الْبِئْرِ) فإذا لم تُبنَ بَعْدُ تسمَّى قليبًا، وفي رواية أيوب عن نافع الآتية قريبًا (( كأنَّ اثنين أتياني أراد أن يذهبا بي إلى النَّار فتلقَّاهما ملك، فقال لم تُرَعْ خليا عنه ) ) [خ¦1156] ، وظاهر هذا أنَّهما لم يذهبا به، ويجمعُ بحمل الثَّاني على إدخاله فيها، فالتَّقدير أن يذهبا بي إلى النَّار فيدخلاني فيها، فلمَّا نظرتها فإذا هي مطويَّة ورأيتُ مَن فيها، واستعذتُ فلقينا ملك آخر (وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ) بفتح القاف؛ أي جانبان، وقرنا الرَّأس جانباه، والمراد بالقرنين هنا خشبتان أو بناءان يُمَدُّ عليهما الخشبة العارضة التي تعلَّق فيها الحديدة التي فيها البكرة، فإن كان من بناء فهما القرنان، وإن كانا من خشبٍ فهما الزَّرنوقان _ بزاي منقوطة قبل المهملة ثمَّ نون ثمَّ قاف _ وقد يُطلق على الخشبة أيضًا القرنان.
وحكى الكرمانيُّ أنَّ في نسخة فأعربها بالنَّصب أو الجر على أنَّ فيه شيئًا مضافًا حُذِف وتُرك المضاف إليه على ما كان عليه، وتقديره وإذا لها مثل قرنين، وهو كقراءة من قرأ {تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرةِ} [الأنفال 67] بجر الآخرة؛ أي يريد عرض الآخرة أو ضمَّن «إذا» المفاجأة معنى الوجدان؛ أي فإذا وجدت لها قرنين، وهو كما يقول الكوفيون كنت أظنُّ أنَّ العقربَ أشدُّ لسعًا من الزُّنبور فإذا هو إيَّاها؛ أي فإذا وجدته إيَّاها.
(وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ) بضم الهمزة
ج 5 ص 526
(قَدْ عَرَفْتُهُمْ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على تسمية أحدٍ منهم (فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي لَمْ تُرَعْ) بضم المثناة الفوقية وفتح الراء وسكون العين المهملة؛ أي لم تخف، والمعنى لا خوف عليك بعد هذا، وقال الجوهريُّ لا تُرَعْ معناه لا تخف ولا يلحقك خوف، وفي رواية الكُشميهني بإثبات الألف، وللقابسيِّ بحذف الألف واستشكل من جهة أن «لن» حرف نصب ولم ينصب هذا.
وأُجيب بأنَّه مجزوم بـ «لن» على اللُّغة القليلة المحكيَّة عن الكسائيِّ، قال القزَّاز لا أعلم له شاهدًا، وتعقِّب بقول الشاعر
~لَنْ يَخِب الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ حَرَّكَ دُوْنِ بَابِكَ الحَلْقَهْ
وبقول الآخر
~وَلَنْ يَحْلُ لِلْعَيْنَينِ بَعْدَك مَنْظَرُ
أو سُكِّنت العين للوقف، ثمَّ شُبِّه بسكون المجزوم فحذف الألف قبله، ثمَّ أجرى الوصل مجرى الوقف، وزاد الكُشميهني فيه والله أعلم.
(فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ) رضي الله عنها (فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ) وفي «التَّعبير» من رواية نافع عن ابن عمر (( إنَّ عبد الله رجل صالح ) ) [خ¦7028] (لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) كلمة «لو» للتَّمني لا للشرط ولذا لم يذكر الجواب، قال سالم (فَكَانَ) أي أبي عبدُ الله، وفي رواية بالواو (بَعْدُ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلًا) قال القرطبيُّ إنَّما فسر الشَّارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوحٌ؛ لأنَّه عرض على النَّار ثمَّ عوفي فيها، وقيل له لا روع عليك، وذلك لصلاحه غير أنَّه لم يكن يقوم من الليل، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيهٌ على أنَّ قيام اللَّيل ممَّا يُتَّقى به النَّار والدُّنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك.
وقال المهلَّب إنَّما فسر هذه الرؤيا بقيام الليل؛ لأنَّه نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحواله فلم يرَ شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيذكر بالنَّار وعلم مبيته في المسجد، ومن حقِّ المسجد أن يُتعبَّد فيه، فعبَّر بأنه منبه على قيام اللَّيل فيه.
وفي الحديث جواز قصِّ الرُّؤيا على العالم، وهي جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النُّبوة [خ¦6983] ، كما نطقَ به النَّبي صلى الله عليه وسلم وفيه القصُّ على المرأةِ وتبليغ المرأة، وفيه قبول خبر المرأة.
وفيه استحياء الشَّاب عن قصِّ الرُّؤيا على العالم الكبير، وفيه تمنِّي الرُّؤيا الصَّالحة لتعرِّف صاحبها ما له عند الله، وتمنِّي الخير والعلم والحرص عليه، وفيه جواز النَّوم في المسجد ولا كراهة فيه عند الشَّافعي.
وقال الترمذيُّ وقد رخَّص قومٌ من أهل العلم فيه، وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا تتَّخذوه مبيتًا ومقيلًا، وذهبَ إليه قومٌ من أهل العلم أيضًا.
وقال ابنُ العربيِّ وذلك لمن كان له مأوى، وأمَّا الغريب فهو مرادهُ، والمعتكف
ج 5 ص 527
فهو بيته، ويجوزُ للمريض أن يجعلَه الإمام في المسجد، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد، وقد ضربَ الشَّارع صلى الله عليه وسلم قبَّة لسعدٍ رضي الله عنه في المسجد حين سال الدَّم من جرحهِ.
ومالك وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضرِ القوي، وجوَّزه ابن القاسم للضَّعيف الحاضر.
وفيه أيضًا رؤيا الملائكة في المنام وتحذيرهم للرَّائي، وفيه أيضًا السِّتر على مسلم وترك غيبته وذلك من قوله «وإذا فيها أناسٌ قد عرفتهم» حيث أخبرهم على الإجمالِ لينزجروا وسكتَ عن تعيينهم لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين وليس ذلك ممَّا يُحتَّم عليهم النَّار، ويجوز أن يكون تحذيرًا، كما حُذِّر ابن عمر رضي الله عنهما.
وفيه أيضًا فضيلة قيام اللَّيل، وعليه ترجم البخاريُّ رحمه الله، وفيه أيضًا أنَّ قيام الليل ينجي من النَّار.
وفيه فضل عبادة الشَّاب، وفيه كراهة كثرة النَّوم باللَّيل، وقد روى سعيد عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا قالت أم سليمان لسليمان يا بنيَّ لا تكثر النَّوم باللَّيل فإنَّ كثرة النَّوم باللَّيل يدع الرَّجل فقيرًا يوم القيامة.
وقال القسطلانيُّ وكان بعضُ الكبراء يقفُ على المائدة، ويقول معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا فترقدوا كثيرًا فتتحسروا عند الموت كثيرًا، وهذا هو الأصل الكبيرُ وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطَّعام.
وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في باب «نوم الرجال في المسجد» [خ¦440] كما سبق، وفي باب «فضل من تعار من الليل» [خ¦1157] وفي «مناقب ابن عمر رضي الله عنهما» أيضًا [خ¦3738] وأخرجه مسلم أيضًا في «فضائل ابن عمر رضي الله عنهما» .