فهرس الكتاب

الصفحة 1790 من 11127

1129 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى) «صلاة اللَّيل» (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلة من ليالي رمضان (فِي الْمَسْجِدِ) قد تقدم قبل «صفة الصَّلاة» [خ¦729] من رواية عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى في حجرته، وليس المراد بها بيته وإنَّما المراد الحصيرة التي كان يحتجرها في المسجد، فيجعله على باب بيت عائشة رضي الله عنها فيصلِّي فيه ويجلس عليه بالنَّهار، وقد ورد ذلك مبينًا من طريق سعيد المقبُريِّ

ج 5 ص 544

عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها عند المؤلِّف في كتاب «اللباس» [خ¦5861] ولفظه (( كان محتجرًا حصيرًا بالليل فيصلِّي فيه ويبسطه بالنَّهار فيصلِّي عليه ) ).

ولأحمد من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنهما فأمرني أن أنصب له حصيرًا على باب حجرتي ففعلت فخرج ... الحديث.

قال النَّووي معنى «يحتجر» يحوط موضعًا من المسجد بحصيرٍ يستره ليصلِّي فيه ولا يمرُّ بين يديه مارٌّ ليتوفَّر خشوعه ويتفرَّغ قلبه.

وتعقَّبه الكرمانيُّ بأنَّ لفظ الحديث لا يدلُّ على أنَّ احتجاره كان في المسجد قال ولو كان كذلك للزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أمر النَّاس به حيث قال (( فصلُّوا في بيوتكم فإنَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة ) ) [خ¦731] .

ثمَّ أجاب بأنَّه إن صحَّ أنَّه كان في المسجد فهو إذا احتجر صار كأنَّه بيتٌ بخصوصه أو أنَّ السبب في كون صلاة التَّطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرِّياء غالبًا، والنَّبي صلى الله عليه وسلم منزَّهٌ عن الرِّياء في بيته وفي غير بيته.

(فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ) أي من الليلة الثَّانية المقبلة، ولفظ معمر عن ابن شهابٍ عند أحمد من المقبلة، وفي رواية أي من الوقت القابل من اللَّيلة القابلة.

(فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ _ أَوِ الرَّابِعَةِ _) كذا رواه مالك بالشكِّ، وفي رواية عُقيل عن ابن شهاب كما تقدَّم في «الجمعة» [خ¦924] (( فصلَّى رجالٌ بصلاته فأصبح النَّاس فتحدَّثوا ) )، وفي رواية مسلم عن يونس عن ابن شهاب (( يتحدَّثون بذلك ) ). وفي رواية أحمد عن ابن جُريج عن ابن شهاب (( فلمَّا أصبحَ تحدَّثوا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في المسجد من جوف اللَّيل فاجتمع أكثر منهم ) ).

زاد يونس «فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثَّانية فصلُّوا معه، فأصبح النَّاس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثَّالثة، فخرج فصلُّوا بصلاته فلمَّا كانت الرَّابعة عجز المسجد عن أهله» .

وفي رواية ابن جريج أيضًا (( حتَّى كادَ المسجد يعجز عن أهله ) )، ولأحمد في رواية معمر عن ابن شهاب (( امتلأ المسجد حتَّى اغتصَّ بأهله ) )وله من رواية سفيان بن حسين عنه (( فلمَّا كانت الليلة الرابعة غصَّ

ج 5 ص 545

المسجد بأهله )) .

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ في شيءٍ من طرق هذا الحديث بيان عدد صلاته في تلك الليالي، لكن روى ابن خزيمة وابن حبَّان من حديث جابر رضي الله عنه قال صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ثمان ركعات ثمَّ أوتر، فلمَّا كانت القابلة اجتمعا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتَّى أصبحنا ثمَّ دخلنا، فقلنا يا رسول الله .. الحديث.

فإن كانت القصَّة واحدة احتمل أن يكون جابرٌ ممَّن جاء في الليلة الثَّالثة، فلذلك اقتصر على وصف ليلتين.

وكذا ما وقع عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي في رمضان فجئتُ فقمتُ إلى جنبه فجاء رجلٌ فقام حتَّى كنَّا رهطًا، فلمَّا أحسَّ بهم تجوزَّ، ثمَّ دخل رحله ... ) )الحديث، فالظَّاهر أنَّ هذا كله في قصَّةٍ أخرى، والله أعلم.

(فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زاد أحمد في رواية ابن جُريج (( حتَّى سمعتُ ناسًا منهم يقولون الصَّلاة ) )وفي رواية سفيان بن حسين (( فقالوا ما شأنه ) ).

وفي حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه كما سيأتي في «الاعتصام» [خ¦7290] إن النَّبي صلى الله عليه وسلم اتَّخذ حجرةً في المسجد من حصيرٍ، فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليالي حتَّى اجتمعَ إليه ناسٌ، ثمَّ فقدوا صوته ليلةً فظنُّوا أنَّه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنحُ ليخرج إليهم، فقال ما زالَ بكم الذي رأيت من صنيعكم حتَّى خشيتُ أن يكتبَ عليكم ولو كتبَ عليكم، ما قمتُم به، فصلُّوا أيُّها النَّاس في بيوتكم، فإنَّ أفضلَ صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة.

وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦6113] ولفظه احتجرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حُجَيرةً مُخَصَّفَة أو حَصِيرًا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي فيها فتتبَّع إليه رجالٌ وجاؤوا يصلُّون بصلاته، ثمَّ جاءوا ليلةً فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضبًا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما زالَ بكم صنيعكُم حتَّى ظننتُ أنَّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصَّلاة في بيوتكُم، فإنَّ خير صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة ) ).

وأخرجه مسلم أيضًا وفيه (( فأبطأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنهم فلم يخرجْ إليهم فرفعوا أصواتَهم وحصبُوا الباب ... ) ). الحديث، وأخرجه أبو داود أيضًا، وفيه (( حتَّى إذا كان ليلةً من الليالي لم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنحنَحوا ورفعوا أصواتهم، وحصبُوا بابه ... ) ). الحديث. وأخرجه الطحاويُّ أيضًا نحو رواية البخاريِّ.

(فَلَمَّا أَصْبَحَ) صلى الله عليه وسلم (قَالَ قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ) من اجتماعكُم وحرصكُم على صلاة اللَّيل؛ يعني التروايح، وفي رواية عُقيل (( فلمَّا قضى صلاة الفجر أقبلَ على النَّاس فتشهَّد، ثمَّ قال أمَّا بعد فإنَّه لم يخِفَ عليَّ مكانكم ) ) [خ¦2012] . وفي رواية يونس وابن جريج (( لم يخف عليَّ شأنكم ) )وزاد في رواية أبي سلمة (( كلفوا من العمل ما تطيقون ) ) [خ¦6465] ، وفي رواية معمر إن الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(وَلَمْ يَمْنَعْنِي

ج 5 ص 546

مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) أي صلاة اللَّيل يدلُّ عليه رواية يونس (( ولكنِّي خشيتُ أن تفرضَ عليكم صلاة اللَّيل فتعجزوا عنها ) )، وكذا في رواية أبي سلمة قبيل «صفة الصَّلاة» (( خشيتُ أن تكتبَ عليكم صلاة اللَّيل ) ) [خ¦729] فدلَّت هذه الرِّوايات على أنَّ عدمَ خروجه صلى الله عليه وسلم إليهم كان للخشية عن فرضيِّة هذه الصَّلاة، لا لكون المسجد امتلأ وضاق عن المصلِّين.

وقوله (( فتعجزوا عنها ) )أي تشق عليكم فتتركُوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكليُّ؛ لأنَّه يُسقط التَّكليف من أصله، قالت عائشة رضي الله عنها (وَذَلِكَ) أي ما ذكر كان (فِي رَمَضَانَ) ذكرته لتبين أنَّ هذه القصة كانت في شهر رمضان.

ثمَّ إنَّ ظاهر هذا الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم تَوقَّع ترتب افتراض صلاة اللَّيل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكالٌ وقد بناهُ بعض المالكيَّة على قاعدتهم في أنَّ الشُّروع ملزم، وأجاب المحبُّ الطَّبري بأنَّه يحتمل أن يكون الله تعالى أوحى إليه صلى الله عليه وسلم أنَّك إن واظبت على هذه الصَّلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التَّخفيف عنهم فترك المواظبة.

قال ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتَّفق في بعض القُرَب التي داوم عليها فافترضت، وقيل خشي أن يظنَّ أحد من الأمَّة من مداومته عليها الوجوب.

وإلى هذا نحا القرطبيُّ فقال قوله (( فتفترض عليكم ) )؛ أي تظنُّونه فرضًا فتجب على من ظنَّ ذلك، كما إذا ظنَّ المجتهدُ حل شيءٍ أو تحريمه فإنَّه يجب عليه العمل به، قال وقيل كان حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا واظب على شيءٍ من أعمال البرِّ واقتدى النَّاس به فيه أنَّه يفرض عليه، انتهى.

ولا يخفى بُعْدُ هذا الأخير فقد واظبَ صلى الله عليه وسلم على رواتب الفرض وتابعه أصحابه ولم تُفترضْ عليهم.

وقال ابن بطَّال يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه صلى الله عليه وسلم لما كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمَّته، فيكون معنى قول عائشة رضي الله عنها في الحديث السَّابق (( إن كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليدعُ العمل ) ) [خ¦1128] أنَّه كان يدعُ عمله لأمَّتهم ودعائهم إلى فعلهم معه، لا أنَّها أرادت أنَّه كان يدعُ العمل أصلًا، وقد فرضَه الله عليه أو ندبَه إليه؛ لأنَّه كان [1] أتقى أمَّته وأشدهم اجتهادًا،

ج 5 ص 547

ألا يرى أنَّه لما اجتمع النَّاس في الليلة الثالثة أو الرَّابعة لم يخرج إليهم، ولا شكَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى حزبه تلك اللَّيلة في بيته فخشيَ إن خرج إليهم والتزموا معه صلاة اللَّيل أن يسوِّي الله عزَّ وجلَّ بينه وبينهم في حكمها فيفرضها عليهم من أجل أنَّها فرض عليه، إذ المعهود في الشَّريعة مساواة حال الإمام مع المأموم في الصَّلاة، فما كان منها فريضة فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنة أو نافلة.

ويحتمل أن يكون خشيَ من مواظبتهم على صلاة اللَّيل معه أن يضعفوا عنها فيعصي من تركها في مخالفته لنبيِّه وترك اتِّباعه متوعِّدًا بالعقاب على ذلك؛ لأنَّ الله تعالى فرض اتِّباعه، فقال {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف 158] وقال في ترك اتِّباعه {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ} [النور 63] أي يخالفون أمره بترك مقتضاه ويذهبون سمتًا خلاف سمتهِ، و {عن} لتضمينه معنى الإعراض {أن تصيبَهم فتنة} ؛ أي محنةٌ في الدُّنيا {أو يصيبهم عذاب أليمٌ} في الآخرة، فخشيَ صلى الله عليه وسلم على تاركها أن يكونَ كتارك ما فرض الله عليه؛ لأنَّ طاعة الرَّسول كطاعتهِ، وكان صلى الله عليه وسلم رقيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم.

ثمَّ إنَّه قد استشكل الخطَّابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أنَّ الله سبحانه وتعالى قال هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون، لا يبدَّل القول لديَّ، فإذا أُمِن التَّبديل كيف يقع الخوف من الزِّيادة؟

وأجاب عنه بأنَّ صلاة اللَّيل كانت واجبةً عليه صلى الله عليه وسلم وأفعاله الشَّرعية يجب على الأمَّة الاقتداء به فيها؛ يعني عند مواظبته، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء لا من طريقِ إنشاء فرضٍ جديدٍ زائدٍ على الخمس، ونظيرُه ما يُوجبه المرء على نفسهِ من صلاة نذرٍ وغيرها فيجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرضٍ في أصل الشَّرع.

ويمكن أن يُجابَ عنه أيضًا بأنَّ الله تعالى لما فرض الصَّلاة خمسين ثمَّ حطَّ معظمها بشفاعته صلى الله عليه وسلم، فإذا عادت الأمَّة فيما استوهبَ لها والتزمتْ ما استعفى لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم متبرعةً لم يُستَنكرْ أن يثبتَ ذلك فرضًا عليهم، كما التزم فريق من النَّصارى رهبانيَّة ابتدعوها من قِبَل أنفسهم ما كتبهَا الله عليهم، ثمَّ إنَّهم قصَّروا فيها فعاب الله عليهم، فما رعوها حقَّ رعايتها،

ج 5 ص 548

فخشي صلى الله عليه وسلم أن يكون سبيلهم سبيل أولئك فقطعَ العمل شفقةً عليهم.

وقد تلقَّى هذين الجوابين من الخطَّابي جماعة من الشُّرَّاح كابن الجوزيِّ وغيره وهو مبنيٌّ على أنَّ قيام الليل كان واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله صلى الله عليه وسلم وفي كلٍّ من الأمرين نزاعٌ، وأُجيب [2] عن هذا الإشكال أيضًا بأنَّ حديث الإسراء [خ¦3207] يدلُّ على أنَّ المراد بقوله تعالى {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق 29] إلَّا من نقصِ شيءٍ من الخمسِ ولم يتعرَّض للزِّيادة.

وفيه أنَّ في ذكر التَّضعيف بقوله (( هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون ) )إشارةٌ إلى عدم الزِّيادة أيضًا؛ لأنَّ التَّضعيف لا ينقص عن العشر، ودفع بعضُهم أصل السُّؤال بأنَّ الزَّمان كان قابلًا للنَّسخ فلا مانعَ من خشية الافتراض.

وفيه نظرٌ لأنَّ قوله {لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ} خبر والنَّسخ لا يدخله على الرَّاجح، وليس هو كقوله مثلًا صوموا الدَّهر أبدًا، فإنَّه يجوز فيه النَّسخ.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد فتح الباري لنا بثلاثة أجوبة

أحدها أنَّه يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام اللَّيل؛ يعني جعل التَّهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحَّة التَّنفل باللَّيل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه (( حتَّى خشيتُ أن يكتبَ عليكم، ولو كتبت عليكم ما قمتُم به، فصلُّوا أيُّها النَّاس في بيوتكم ) ) [خ¦731] فمنعهم من التَّجميع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.

ثانيها أنَّه يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قومٌ في العيد ونحوها.

ثالثها أنَّه يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، كما وقع في حديث الباب أنَّ ذلك كان في رمضان، وقد وقع في رواية سفيان بن حسين (( خشيت أن يُفرض عليكم قيام هذا الشَّهر ) )فعلى هذا يرتفع الإشكال؛ لأنَّ قيام رمضان لا يتكرَّر كلَّ يومٍ في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس، وأقوى هذه الأجوبة الثَّلاثة في نظري هو الأول، والله سبحانه أعلم، انتهى.

ومن فوائد هذا الحديث جواز النَّافلة جماعة ولكنَّ الأفضل فيها الانفراد، وفي التَّراويح

ج 5 ص 549

اختلف العلماء فذهب اللَّيث بن سعد وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق إلى أنَّ قيام التَّراويح مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل منفردًا، وقال به قومٌ من المتأخِّرين من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشَّافعي، فمن أصحاب أبي حنيفة عيسى بن أبان وبكَّار بن قتيبة وأحمد بن أبي عمران أحد مشايخ الطَّحاوي، ومن أصحاب الشَّافعي إسماعيل بن يحيى المزني ومحمد بن عبد الله بن الحكم، ويُحكى ذلك عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وعن محمد بن سيرين وطاوس رحمهما الله، وهو مذهبُ أصحابنا الحنفيَّة.

قال صاحب «الهداية» يُستحبُّ أن يجتمع النَّاس في شهر رمضان بعد العشاء فيصلِّي بهم إمامهم خمس ترويحات، ثمَّ قال والسنَّة فيها الجماعة لكن على وجه الكفاية حتَّى لو امتنع أهل مسجد عن إقامتها كانوا مسيئين، ولو أقامها البعض فالمتخلف عن الجماعة تاركٌ للفضيلة؛ لأنَّ أفراد الصَّحابة يُروى عنهم هذا، وروى الطَّحاوي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان لا يُصلِّي خلف الإمام في شهر رمضان.

وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في «مصنفه» عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان لا يقوم مع النَّاس في شهر رمضان قال وكان القاسم وسالم لا يقومان مع النَّاس.

وذهب مالكٌ والشَّافعي وربيعة إلى أنَّ صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام، وهو قول إبراهيم والحسن البصري والأسود وعلقمة.

وقال أبو عمر اختلفوا في الأفضل من القيام مع النَّاس أو الانفراد في شهر رمضان، فقال مالكٌ والشَّافعي صلاة المنفرد في بيته أفضل. وقال مالك فكان ربيعة وغيرُ واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع النَّاس، وقال مالك وأنا أفعل ذلك، وما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا في بيته، وإليه مال الطَّحاوي، وروى ذلك عن ابن عمر وسالم والقاسم ونافع أنَّهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع النَّاس، وقال الترمذي واختار الشَّافعي أن يصلِّي الرَّجل وحده إذا كان قارئًا.

ثمَّ إنَّ العلماء اختلفوا في التَّراويح هل هي سنَّة أو تطوع فقال الإمام حميد الدين

ج 5 ص 550

الضرير نفس التراويح سنَّة، وأمَّا أداؤها بالجماعة فمستحبٌّ. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنَّ نفس التَّراويح سنَّة لا يجوز تركها. وقال الصدر الشَّهيد هو الصحيح.

وفي «جوامع الفقه» التَّراويح سنَّة مؤكدةٌ والجماعة فيها واجبةٌ، وفي «روضة الحنفية» الجماعة فضيلةٌ، وفي «الذخيرة» وعن أكثر المشايخ أنَّ إقامتها بالجماعة سنَّة على الكفاية، ثمَّ إنَّ عددها عشرون ركعةً، وبه قال الشَّافعي وأحمد ونقله القاضي عن جمهور العلماء، وحُكِي أنَّ الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعةً ويوتر بسبعٍ، وعند مالكٍ ستَّة وثلاثون ركعةً غير الوتر، واحتجَّ على ذلك بعمل أهل المدينة.

واحتجَّ أصحابنا الحنفيَّة والشَّافعية والحنابلة بما رواه البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن السَّائب بن يزيد الصَّحابي قال كانوا يقومون على عهد عمر رضي الله عنه بعشرين ركعةً وعلى عهد عثمان وعلي رضي الله عنهما مثله.

وفي «المغني» عن علي رضي الله عنه أنَّه أمر رجلًا أن يصلِّي بهم في رمضان بعشرين ركعةً، قال وهذا كالإجماع.

فإن قيل قال في «الموطأ» عن يزيد بن رُومان قال كان النَّاس في زمن عمر رضي الله عنه يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعةً.

فالجواب ما قاله البيهقيُّ أنَّ الثَّلاث وتر، ويزيدُ لم يُدرِك عمر رضي الله عنه فيكون منقطعًا، والجواب عمَّا قاله مالكٌ، أنَّ أهل مكَّة كانوا يطوفون بين كلِّ ترويحتين ويصلُّون ركعتي الطَّواف ولا يطوفون بعد التَّرويحة الخامسة، فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كلِّ طوافٍ أربع ركعات، فزادوا ستَّ عشرة ركعةً، وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقُّ وأولى أن يُتَّبع.

ثمَّ إنَّ وقتها بعد العشاء قبل الوتر عندنا، وهو قول عامَّة مشايخ بخارى، والأصحُّ أنَّ وقتها بعد العشاء إلى آخر الليل قبل الوتر وبعده. وفي «المبسوط» المستحبُّ فعلها إلى نصف الليل أو ثلثه كما في العشاء، وفي «المحيط» لا يجوز قبل العشاء ويجوز بعد الوتر ولم يَحكِ فيه خلافًا.

ثمَّ إنَّ أكثر المشايخ على أنَّ السنة فيها الختم فلا يُترك لكسل القوم، وقيل يقرأ مقدار ما يقرأ في المغرب تخفيفًا. قال شمس الأئمَّة هذا غير مستحسنٍ

ج 5 ص 551

وقيل يقرأ من عشرين آيةً إلى ثلاثين آية، كما أمر عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أحد الأئمَّة الثَّلاثة على ما رواه البيهقيُّ بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال دعا عمر رضي الله عنه بثلاثةٍ من القرَّاء فاستقرأهم فأمر أسرعهم قراءةً أن يقرأَ للنَّاس بثلاثين آيةً في كلِّ ركعةٍ، وأوسطهم بخمس وعشرين آيةً، وأبطأهم بعشرين آيةً.

ثمَّ من فوائد الحديث المذكور جواز الاقتداء بمن لم ينوِ الإمامة، وهذا مذهبُ الجمهور إلا رواية من الشَّافعي.

ومنها أيضًا أنَّه إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة أو مصلحتان اعتبر أهمُّهما؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان رأى الصَّلاة في المسجد مصلحة لبيان الجواز أو أنَّه كان معتكفًا، فلمَّا عارضه خوف الافتراض عليهم تركه لعظم المفسدة التي تُخاف من عجزهم وتركهم الفرض.

ومنها أيضًا أنَّ الإمام أو كبير القوم إذا فعل شيئًا خلاف ما يتوقَّعه أتباعه وكان له عذرٌ فيه يذكره لهم تطييبًا لقلوبهم وإصلاحًا لذات البين؛ لئلا يظنُّوا خلاف هذا، وربما ظنُّوا ظنَّ السُّوء.

ومنها أيضًا جواز الفرار من قدر الله إلى قدر الله، قاله المهلَّب.

ومنها أيضًا [3] ما كان عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم من الزَّهادة في الدُّنيا والاكتفاء بما قلَّ منها والشَّفقة على أمَّته والرَّأفة بهم.

ومنها أيضًا ترك الأذان والإقامة للنَّوافل إذا صُلِّيت جماعة.

وقال ابن بطَّال وفيه أنَّ قيام رمضان بالجماعة سنَّة، وليس كما يزعم بعضهم أنَّه سنة عمر رضي الله عنه، قال وأجمعوا على أنَّه لا يجوز تعطيل المساجد عن قيام رمضان فهو واجبٌ على الكفاية، والله أعلم.

[1] من قوله (( يدع العمل ... إلى قوله لأنه كان ) )ليست في (خ) .

[2] في هامش الأصل كرماني في أواخر أبواب الجماعة في باب صلاة الليل.

[3] من قوله (( جواز الفرار ... إلى قوله ومنها أيضًا ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت