1131 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ)
ج 5 ص 555
هو ابن عُيينة (قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو، هو عمرو بن أوس بن أبي أوس الثَّقفي المكِّي الطَّائفي، ذكره ابن حبَّان في «الثقات» .
وقال الحافظ العسقلانيُّ هو تابعيٌّ كبير، ووهم من ذكره في الصَّحابة، وإنَّما الصُّحبة لأبيه.
وذكر الذهبيُّ عمرو بن أوس في «تجريد الصحابة» وقال عمرو بن أوسٍ الثَّقفي الطَّائفي له وِفَادة ورواية، روى عنه ابنه عثمان، مات سنة أربع وتسعين.
وعَمرو في الموضعين بالواو.
(أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ) أي لعبد الله بن عمرو (أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ) أي أكثر ما يكون محبوبًا إليه، وبناء أفعل التَّفضيل للمفعول قليلٌ، وإطلاق المحبَّة في حقِّ الله تعالى كنايةٌ عن إرادةِ الخير.
(صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ) وفي رواية (وَكَانَ) داود عليه السَّلام (يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ) في الوقت الذي ينادي فيه الرَّب (( هل من سائلٍ فأُعطيه سؤله، هل من مستغفرٍ فأغفر له ) ).
(وَيَنَامُ سُدُسَهُ) ليستريح به من نصب القيام في بقيَّة اللَّيل، وفي رواية ابن جُريج عن عَمرو بن دينار عند مسلم (( كان يرقدُ شطر اللَّيل، ثمَّ يقوم ثلث اللَّيل بعد شطره ) )قال ابن جُريج قلت لعمرو بن دينار عمرو بن أوس هو الذي يقول يقوم ثلث الليل، قال نعم. انتهى.
وظاهره أنَّ تقدير القيام بالثلث من تفسير الرَّاوي، فيكون في رواية البخاريِّ إدراج.
ويُحتمل أن يكون قوله عمرُو بنُ أوس ذكره [أي] بسنده، فلا يكون مدرجًا، وفي رواية ابن جريج من الفائدة ترتيب ذلك بـ «ثمَّ» ، ففيه ردٌّ على من أجاز في حديث الباب أن تحصل السنة بنوم السُّدس الأول مثلًا، وقيام الثُّلث ونوم النِّصف الأخير.
والسَّبب في ذلك أنَّ الواو لا ترتب وإنَّما صارت هذه الطَّريقة أحبُّ إلى الله تعالى من أجل الأخذ بالرِّفق بالنَّفس التي يخشى منها السَّآمة التي هي سببٌ إلى ترك العبادة، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله لا يملُّ حتَّى تملُّوا ) ) [خ¦1151] .
والله يحبُّ أن يديمَ فضله ويوالي إحسانه، وإنَّما كان ذلك أرفق؛ لأنَّ النَّوم بعد القيام يريحُ البدن ويذهب ضرر السَّهر وذبول الجسم، بخلاف السَّهر إلى الصباح.
وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصُّبح وأذكار النَّهار بنشاطٍ وإقبال، وأنَّه أقرب إلى عدم الرِّياء؛ لأنَّ من نام السُّدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى، فهو أقرب إلى أن يخفى عمله الماضي على من يراه أشار إلى ذلك ابنُ دقيق العيد.
وحُكِي عن قومٍ أنَّ معنى قوله «أحب الصَّلاة. .. إلى آخره» ، هو بالنِّسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب بذلك، وهو من شقَّ عليه قيام أكثر الليل، وعمدة هذا اقتضاء القاعدة زيادة الأجر بسبب زيادة العمل، لكن يُعارضه هنا اقتضاء العادة [1] ، والجبلة التَّقصير في
ج 5 ص 556
حقوق يُعارضها طول القيام، ومقدارُ ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير معلوم لنا.
فالأولى أن يَجريَ الحديث على ظاهره وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة، فمقدارُ تأثير كلٍّ منهما في الحثِّ أو المنع غير محقَّقٍ لنا، فالطَّريق أنَّا نفوِّض الأمر إلى صاحب الشَّرع، ونَجري على ما دلَّ عليه اللَّفظ مع ما ذكر من قوَّة الظَّاهر هنا.
وقال ابنُ التِّين هذا المذكور إذا أجريناهُ على ظاهره فهو في حقِّ الأمة، وأمَّا النَّبي صلى الله عليه وسلم فقد أمره الله تعالى بقيام أكثر اللَّيل فقال {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل 1 - 2] . انتهى.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذا الأمر قد نسخ كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1141] .
(وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا) وإنَّما كان هذا أحب؛ لأنَّ المكلف لم يتعبَّد بالصِّيام خاصَّة، بل به وبالحج والجهاد وغير ذلك، فإذا استفرغ جهده في الصَّوم خاصَّةً انقطعت قوَّته، فأمر أن يستبقي قوته لسائر العبادات أيضًا.
وقال ابن المُنيِّر كان داود عليه السَّلام يقسم ليلة ونهاره لحقِّ ربه وحقِّ نفسه، فأمَّا الليل فاستقام له فيه ذلك، وأمَّا النَّهار فلما تعذَّر عليه أن يجزئه بالصِّيام؛ لأنَّه لا يتبعض جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا ويفطر يومًا فينزل ذلك منزلة التَّجزئة في شخص اليوم.
ورجال إسناد هذا الحديث مكيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمدنيٌّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» أيضًا [خ¦3418] ، وأخرجه مسلم في «الصوم» ، وكذا أبو داود وابن ماجه والنسائي فيه وفي «الصَّلاة» أيضًا.
[1] من قوله (( زيادة الأجر ... إلى قوله اقتضاء العادة ) )ليست في (خ) .