1142 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمة
ج 5 ص 579
(عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ) أي جنس الشَّيطان ويكون فاعل ذلك القرين أو غيره من أعوان إبليس، ويحتمل أن يراد إبليس.
فإن قيل يعكر عليه شيئان
أحدهما أنَّ النَّائمين عن قيام الليل كثيرٌ لا يحصى فكيف يلحقُهم بذلك إبليس مع أنَّه واحد؟
والآخر أنَّ مردَّة الشَّياطين يُصفَّدون في شهر رمضان وأكبرهم إبليس عليه اللَّعنة.
فالجواب أنَّه يجوز أن ينسبَ ذلك إليه لكونه الآمر لأعوانه بذلك وهو الدَّاعي إليه.
(عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) أي مؤخَّر عنقه، وقد ذكر أنَّ قافية كلِّ شيءٍ آخره.
ثمَّ العقد اختلف العلماء فيه فقال بعضُهم هو على الحقيقة يعني يسحر الإنسان ويمنعه من القيام، كما يعقد السَّاحر مَن يسحرَهُ، وأكثر من يفعلُ ذلك النِّساء تأخذُ إحداهنَّ الخيطَ فتعقدَ منه عقدة وتتكلَّم عليها بالكلمات السِّحرية، فيتأثَّر المسحور عند ذلك بمرضٍ وتحرك قلب ونحو ذلك، كما أخبر الله تعالى في كتابه الكريم {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق 4] فالذي خذله الله يعمل فيه، والذي وُفِّق يُصرَف عنه.
وعلى هذا فالمعقود شيءٌ عند قافية الرَّأس لا قافية الرَّأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره؟
الأقرب هو الثَّاني، إذ ليس لكلِّ أحدٍ شعر، ويؤيِّد كونه على الحقيقة ما رواه ابن ماجه ومحمد بن نصر من طريق أبي صالحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( على قافية رأسِ أحدكُم حبلٌ فيه ثلاث عقد ) ).
وروى أحمد من طريق الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( إذا نام أحدُكم عُقِدَ على رأسه بجرير ) ).
وروى ابن خُزيمة وابن حبَّان من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا (( ما من ذكرٍ ولا أنثى إلَّا على رأسه جرير معقود حين يرقد ... ) )الحديث.
والجَرير _ بفتح الجيم _ هو الحبل. وقيل هو على المجاز كأنَّه شبَّه فعل الشَّيطان بالنَّائم بفعل السَّاحر بالمسحور، فلمَّا كان السَّاحر يمنع بعقدِه ذلك تصرُّف من يحاول عقده، كان هذا مثله من الشَّيطان للنَّائم الذي لا يقوم من نومه.
وقيل هو من عقد القلب وتصميمهِ على الشَّيء كأنَّه يوسوس له بأنَّه بقي من اللَّيل قطعةٌ طويلةٌ فيتأخَّر عن القيام باللَّيل، وانحلال العقد على هذا كنايةٌ عن عمله بكذبه فيما وسوس به،
ج 5 ص 580
وقيل العقد كنايةٌ عن تثبيط الشَّيطان للنَّائم بالقولِ المذكور.
ومنه عقدتُ فلانًا عن امرأته؛ أي منعته عنها.
وقال صاحب «النهاية» المراد منه تثقيله في النَّوم كأنَّه قد شدَّ عليه شدًّا وعقد عقدًا.
وقال ابن بطَّال قد فسَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى العقد بقوله عليك ليلٌ طويلٌ، فكأنَّه يقولها إذا أراد النَّائم الاستيقاظ.
ثمَّ إنَّ ظاهر قوله «أحدكم» التَّعميم في المخاطبين ومن في معناهم، لكن يعكِّر عليه ما رُوِي أنَّ أبا بكر وأبا هريرة رضي الله عنهما كانا يوتران أوَّل اللَّيل وينامان آخره، وكذا من ورد في حقِّه أنَّه يُحفظ من الشَّيطان كالأنبياء، ومن يتناوله قوله تعالى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر 42] ، ومن قرأ آية الكرسي عند نومه، فقد ثبت أنَّه يُحفظ من الشَّيطان حتَّى يُصبح.
وقد روي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( ما من امرئ يكون له صلاة بليل فغلبه عليها نومٌ إلَّا كتب له أجر صلاته وكان نومه صلاة ) ). ذكره ابن التِّين.
وروى أيضًا ابن حبان في «صحيحه» في باب «من نوى أن يصلِّي من الليل» ، من حديث شعبة قال أبو ذرٍّ أو أبو الدَّرداء _ شكَّ شعبة _ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما من عبدٍ يحدِّث نفسه بقيام ساعةٍ من اللَّيل فينام عنها إلَّا كان نومه صدقة تصدَّق الله بها عليه، وكتب له أجر ما نوى ) ).
وكذا ورد في حقِّ من صلَّى العشاء في جماعةٍ أنَّه لا يُعقد عليه، فالحقُّ أنَّ الأمور المذكورة مخصوصةٌ من عموم هذا الحديث.
(إِذَا هُوَ نَامَ) هكذا رواية الأكثرين بصيغة الماضي، ويروى بصيغة الفاعل.
وقال الحافظ العسقلانيُّ والأوَّل أصوبُ، وهو الذي في «الموطأ» ، وقال العينيُّ رواية «الموطأ» لا تدلُّ على أنَّ ذلك أصوب [1] بل الظَّاهر أنَّ رواية اسم الفاعل أصوبُ؛ لأنَّها جملةٌ اسميَّة والخبر فيها اسم. انتهى فليتأمَّل.
(ثَلاَثَ عُقَدٍ) بالنصب مفعول يعقدُ، وعُقد _ بضم العين _ جمع عقدة.
قال القرطبيُّ الحكمة في الاقتصار على الثَّلاث أنَّ أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السَّحر، فإن اتَّفق له أن يرجع إلى النَّوم ثلاث مرَّاتٍ لم تنقض النَّومة الثَّالثة إلَّا وقد ذهب الليل.
وقال البيضاويُّ التَّقييد بالثلاث إمَّا للتأكيد، أو لأنَّه يزيد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء الذكر، والوضوء، والصَّلاة، فكأنَّه منع عن كلِّ واحدٍ منها بعقدة عقدها على رأسه، وكأنَّ تخصيص القفا بذلك؛ لكونه محلَّ الواهمة، ومجال تصرُّفها وهي أطوعُ القوى للشَّيطان
ج 5 ص 581
وأسرعها إجابةً لدعوته. انتهى.
وهذا كما ترى إنَّما يستقيمُ على قول من يثبت الحواس الخمس الباطنة، وفي كلام الشَّيخ الملوي أنَّ العقد يقعُ على خزانة الإلهيَّات من الحافظة، وهي الكنز المحصَّل من القوى.
ومنها يتناول القلب ما يريد التَّذكر به، وهذا أيضًا كما ترى.
(يَضْرِبُ) بيده (عَلَى كُلَّ عُقْدَةٍ) منها، وفي رواية بحذف «على» ، وفي أخرى وفي أخرى ومعناه يضربُ بيده على كلِّ عقدة تأكيدًا وإحكامًا لما يفعله، وقيل معناه يُحجَبُ الحسُّ عن النَّائم حتَّى لا يستيقظَ.
ومنه قوله تعالى {فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ} [الكهف 11] ؛ أي حجبنا الحسَّ أن يلجَ في آذانهم فيتنبَّهوا.
وفي حديث أبي سعيد (( ما أحدٌ ينام إلَّا ضرب على سِماخِه بجريرٍ معقودٍ ) )أخرجه المخلص في «فوائده» . والسِّماخ بكسر المهملة وآخره معجمة، ويقال بالصاد المهملة بدل السين.
وعند سعيد بن منصور بسند جيِّد عن ابن عمر رضي الله عنهما (( ما أصبحَ رجلٌ على غير وترٍ إلَّا أصبحَ على رأسه جرير قَدْرَ سبعين ذراعًا ) ).
(عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ) أي يَضْرِب قائلًا عليك ليلٌ طويلٌ، بارتفاع «ليل» بالابتداء، و «عليك» خبره مقدَّمًا؛ أي باقٍ عليك ليلٌ طويلٌ، ويجوز أن يكون ارتفاع (( ليلٌ ) )بفعل محذوفٍ تقديره بقي عليك ليلٌ طويل، ويروى .
وقال القاضي عياض رواية الأكثرين عن مسلم (( عليك ليلًا طويلًا ) )بالنصب على الإغراء، وقال القرطبيُّ الرَّفع أولى من جهة المعنى؛ لأنَّه أمكن في الغرور من حيث إنَّه يخبره عن طول اللَّيل ثمَّ يأمره بالرُّقاد بقوله
(فَارْقُدْ) أي إذا كان كذلك فارقدْ لا تعجلْ بالقيام فالوقت متَّسع، وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلَّا الأمر بملازمة طُول الرُّقاد وحينئذٍ يكون قوله (( فارقد ) )ضائعًا.
هذا وقال العينيُّ لا نسلِّم أنَّه يكون ضائعًا بل يكون تأكيدًا، ثمَّ إنَّ مقصود الشَّيطان بذلك تسويغه بالقيام والإلباس عليه، وقال بعضُهم المراد بالعُقَد الثَّلاث الأكل، والشرب، والنَّوم؛ لأنَّ من أكثر الأكل والشرب كثر نومه.
واستبعده المحبُّ الطَّبري؛ لأنَّ الحديث يقتضي أنَّ تلك العُقد تقع عند النَّوم فهي غيرها، والله أعلم.
(فَإِنِ اسْتَيْقَظَ) من نومه (فَذَكَرَ اللَّهَ) بشيءٍ ممَّا يصدق عليه الذِّكر كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، والاشتغال بالعلم الشَّرعي، وأولى ما يُذكر به ما سيأتي بعد ثمانية أبواب في باب «فضل من تعار من الليل» [خ¦1154] .
(انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) بالإفراد؛ أي واحدةٌ من الثلاث (فَإِنْ تَوَضَّأَ) هذا باعتبار الغالب، وإلَّا فالجنب يلزمه الاغتسال، وكذا التَّيمُّم يقوم مقامهما.
(انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) أُخرى ثانية (فَإِنْ صَلَّى) الفريضة
ج 5 ص 582
أو النَّافلة (انْحَلَّتْ عُقَدُه) الثَّلاث كلُّها بلفظ الجمع، ولا خلاف فيه في رواية البخاري. ووقع لبعض رواة «الموطأ» بالإفراد، وكلاهما صحيحٌ، ويؤيد الأوَّل ما سيأتي في «بدء الخلق» من وجه آخر بلفظ (( عقده كلها ) ) [خ¦3269] ، وفي رواية مسلم (( انحلَّت العقد ) ).
وظاهره أنَّ العقدَ تنحلُّ كلها بالصَّلاة خاصَّة وهو كذلك في حقِّ من لم يحتجْ إلى الطَّهارة كمن نام متمكِّنًا مثلًا، ثمَّ انتبه وصلَّى من قَبْلِ أن يذكرَ الله ويتطهَّر؛ لأنَّ الصَّلاة تستلزم الطَّهارة، وتتضمَّن الذكر.
وفي رواية أحمد (( فإنَّ ذكر الله انحلَّت عقدة واحدةً، وإن قامَ فتوضأ أطلقت الثَّانية، فإن صلَّى أطلقت الثَّالثة ) ).
وكأنَّه محمولٌ على الغالب وهو من ينام مضطجعًا فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبه، فيكون لكلِّ عقدة فعل يحلُّها، وعلى هذا فيكون معنى قوله (( فإن صلَّى انحلَّت عُقَده ) )كلها بانحلال العقدة الأخيرة التي بها يتمُّ انحلال العقد.
(فَأَصْبَحَ نَشِيطًا) لسروره بما وفَّقه الله تعالى من الطَّاعة وما وعدَه به من الثَّواب، وبما زال عنه من عقد الشَّيطان.
(طَيِّبَ النَّفْسِ) لما بارك الله تعالى له في نفسه وتصرُّفه في كلِّ أموره، كذا قيل.
وقال الحافظ العسقلانيُّ والظَّاهر أنَّ في صلاة اللَّيل سرًّا في طيب النَّفس وإن لم يستحضر المصلِّي شيئًا ممَّا ذكر، وإلى ذلك الإشارة بقوله {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل 6] .
وقد استنبط بعضهم منه أنَّ من فعل ذلك ثمَّ عاد إلى النَّوم يعود إليه الشَّيطان بالعُقَد المذكورة ثانيًا، واستثنى بعضُهم ممَّن يقوم يذكر ويتوضَّأ ويصلِّي مَن لم ينهه ذلك عن الفحشاء والمنكر، بل يفعل ذلك من غير أن يقلعَ.
والذي يظهر فيه التَّفصيل بين مَن يفعل ذلك مع النَّدم والتَّوبة والعزم على الإقلاع وبين المصرِّ.
(وَإِلاَّ) بأن ترك الذِّكر والوضوء والصَّلاة، وقيل بأنَّ ترك ما اعتاده أو أرادَه من فعل الخير (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) .
وقال ابنُ عبد البرِّ زعم قومٌ أنَّ هذا الحديث يعارضُ قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يقولنَّ أحدكم خبثتْ نفسي ) )وليس كذلك؛ لأنَّ النَّهي إنَّما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة لتلك الكلمة، وهذا الحديث وقع ذمًّا لفعله، ولكلٍّ من الحديثين
ج 5 ص 583
وجه.
وقال الباجي ليس بين الحديثين اختلافٌ؛ لأنَّه نهى عن إضافة ذلك إلى النَّفس؛ لكون الخبث بمعنى الفساد في الدِّين ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيرًا منها وتنفيرًا.
وحاصل الإشكال أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن إضافة ذلك إلى النَّفس وكلُّ ما نهى المؤمن أن يضيفَه إلى نفسه نُهِيَ أن يضيفَه إلى أخيه المؤمن، وقد وصف صلى الله عليه وسلم هذا المرء بهذه الصِّفة فيلزم جواز وصفنا له بذلك لمحلِّ التَّأسي.
وحاصل الجواب أنَّ النَّهي محمولٌ على ما إذا لم يكن هناك حاملٌ على الوصف بذلك كالتَّنفير والتَّحذير، والله أعلم.
(كَسْلاَنَ) لبقاء أثر تثبيط الشَّيطان، ولشؤم تفريطه، وظفر الشَّيطان به بتفويته الحظَّ الأوفر من قيام اللَّيل، فلا يكاد يخفُّ عليه صلاة ولا غيرها من القربات، ثمَّ مقتضى قوله «وإلَّا أصبح. .. إلى آخره، أنَّ من لم يجمع الأمور الثَّلاثة دخل تحت من «يصبح خبيثًا كسلان» وإن أتى ببعضها وهو كذلك، لكن يختلف ذلك بالكثرة والقلَّة والقوَّة والخفَّة فمن ذكر الله مثلًا كان أخف ممَّن لم يذكر أصلًا.
وفي «فوائد المُخلصِّ» من حديث أبي سعيد (( فإن قام فصلَّى حلَّت العقد كلهنَّ، وإن استيقظَ ولم يتوضأ ولم يصلِّ أصبحتْ العقد كلُّها كهيئتها، وبال الشَّيطان في أذنه ) ).
وقد سبق أنَّ هذا الذَّم يختصُّ بمن لم يقمْ، ولم يُرِد القيام حين نام، أمَّا من كانت عادته القيام إلى الصَّلاة المكتوبة أو النَّافلة بالليل فغلبته عيناه، فقد ثبتَ أنَّ الله تعالى يكتب له أجر صلاته، ونومُه عليه صدقة على ما ذكره ابن عبد البرِّ.
ثمَّ إنَّ ذكر اللَّيل في قوله «عليك ليلٌ طويلٌ» ظاهره اختصاص ذلك بنوم اللَّيل، ولا يبعدُ أن يجيء مثله في نوم النَّهار كالنَّوم حالة الإبراد مثلًا، ولاسيَّما على تفسير البخاريِّ من أنَّ المراد بالحديث الصَّلاة المفروضة.
ثمَّ إنَّه قال ابن التِّين وغيره كالمازريِّ مطابقة الحديث للترجمة غير ظاهرةٍ؛ لأنَّ الحديث مطلقٌ، فإنَّه دالٌّ على أنَّه يعقد على رأس من صلَّى ومن لم يصلِّ، لكن من صلَّى ينحلُّ عقده بخلاف مَنْ لم يصلِّ والتَّرجمة مقيَّدةٌ بمن لم يصلِّ.
وأجاب ابن رُشَيد بأنَّ مراد البخاريِّ باب بقاء عقد الشَّيطان، فعلى هذا يجوز أن يقرأَ لفظ «عقد» بلفظ الفعل، وبلفظ الجمع.
وقد يعتذر عنه أيضًا بما اعتذر به المازريُّ وهو أنَّ مرادَه أنَّ استدامة العقد إنَّما تكون على ترك الصَّلاة وجعل من صلَّى وانحلَّت عقدة كمن لم يعقدْ عليه لزوال أثره.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن تكون الصَّلاة المنفيَّة في التَّرجمة صلاة العشاء، فيكون التَّقدير إذا لم يصلِّ العشاء، فكأنَّه يرى أنَّ الشيطان إنَّما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء بخلاف من
ج 5 ص 584
صلَّاها، ولاسيما في الجماعة، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في إيراد حديث سَمُرة عقب هذا الحديث؛ لأنَّه قال فيه (( وينام عن الصَّلاة المكتوبة ) ).
ولا يعكِّر على هذا كونه أورد هذه التَّرجمة في تضاعيف صلاة الليل؛ لأنَّه يمكن أن يُجاب عنه بأنَّه أراد دفع توهم من يحمل الحديثين على صلاة الليل؛ لأنَّه ورد في بعض طُرق سَمُرة مطلقًا غير مقيَّدٍ بالمكتوبة، والوعيد علامة الوجوب، فكأنَّه أشار إلى خطأ من احتجَّ به على وجوب صلاة اللَّيل حملًا للمطلق على المقيَّد.
قال ثمَّ وجدت معنى هذا الاحتمال للشَّيخ وليِّ الدِّين الملوي، وقوَّاه بما ذكرته من حديث سَمُرة فحمدتُ الله على التَّوفيق لذلك.
ويقوِّيه ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم (( أنَّ من صلَّى العشاء في جماعةٍ كان كمن قام نصف ليلةٍ ) )؛ لأنَّ مسمى قيام الليل يحصل للمؤمن بقيام بعضه، فحينئذٍ يصدِّق على من صلَّى العشاء في جماعةٍ أنَّه قام الليل، والعقد المذكورة تنحلُّ بقيام الليل، فصار من صلَّى العشاء في جماعةٍ كمن قام اللَّيل في حلِّ عقد الشَّيطان. انتهى.
وقال العينيُّ قوله «إذا لم يصلِّ» أعمُّ من أن لا يصلِّي العشاء، أو غيرها من صلاة اللَّيل، ولا قرينة لتقييدها بالعشاء، وظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ العقد يكون عند النَّوم سواءٌ صلَّى قبله أو لم يصلِّ.
ويؤيِّد هذا ما رواه ابن زنجويه في كتاب «الفضائل» من حديث ابن لهيعة، عن أبي عشانة أنَّه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا يقوم أحدُكم من اللَّيل يعالج طَهوره وعليه عقدٌ، فإذا وضأ يدَه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ وجهَه انحلَّت عقدةٌ، وإذا مسح برأسهِ انحلَّت عقدةٌ، وإذا وضَّأ رجليهِ انحلَّت عقدةٌ ) ).
ومن حديث ابنِ لهيعة أيضًا عن أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه سمعتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( ليسَ في الأرض نفس من ذكرٍ أو أنثى إلَّا وعلى رأسه جرير معقدة، فإن استيقظ فتوضَّأ حُلَّت عقدةٌ، وإن استيقظَ وصلَّى حلَّت العُقَد كلها، وإن لم يصلِّ ولم يتوضأ أصبحتْ العقد كما هي ) ).
وفي كتاب «الثواب» لآدم بن أبي إياس العسقلاني من حديث الربيع بن صُبيح، عن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما من عبدٍ ينامُ إلَّا وعلى رأسه ثلاث عُقَد، فإذا هو تعارَّ من الليل فسبَّح الله وحمده وهلَّله وكبره حُلَّتْ عقدة، وإذا عزم الله له فقام وتوضَّأ وصلَّى ركعتين حُلَّت العقد كلها، وإن لم يفعل شيئًا من ذلك حتَّى يصبحَ أصبح والعقد كلُّها كما هي ) ).
تنبيه ادَّعى ابن العربيِّ أنَّ البخاريَّ أومأ هنا إلى وجوب صلاة اللَّيل لقوله (( يعقد الشَّيطان ) ).
ج 5 ص 585
وفيه نظرٌ فقد صرَّح البخاريُّ في خامس ترجمةٍ من أبواب التَّهجد بخلافه حيث قال «من غيرِ إيجابٍ» [خ¦1126] ، وأيضًا فما تقدَّم تقديره من أنَّه حَمْلُ الصَّلاة على المكتوبة هنا يدفع ما قاله ابن العربيِّ.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ النَّقل في القول بإيجابه إلَّا عن بعض التَّابعين، وقال ابن عبد البرِّ شذَّ بعض التَّابعين فأوجبَ قيام الليل ولو قدر حلب شاةٍ، والذي عليه جماعة العلماء أنَّه مندوبٌ إليه، ونقله غيره عن الحسن وابن سيرين.
قال العسقلانيُّ والذي وجدناه عن الحسن ما أخرجه محمَّد بن نصر وغيره عنه أنَّه قيل له ما تقول في رجلٍ استظهر القرآن كلَّه لا يقوم به إنَّما يصلِّي المكتوبة؟ فقال لعن الله هذا، إنَّما يتوسَّد القرآن، فقيل له قال الله تعالى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} قال نعم ولو قدر خمسين آيةً. فكأنَّ هذا مستندٌ من نقل عن الحسن الوجوب.
ونقل التِّرمذي عن إسحاق بن راهويه أنَّه قال إنَّما قيام الليل على أصحاب القرآن، وهذا يخصِّص ما نُقِل عن الحسن، وهو أقرب وليس فيه تصريحٌ بالوجوب أيضًا.
ثمَّ إنَّه قد يظنُّ أنَّ بين هذا الحديث والحديث الآتي في الوكالة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦2311] الذي فيه أنَّ قارئ آية الكرسيِّ عند نومه لا يقربه شيطان، معارَضةٌ وليس كذلك؛ لأنَّ العقد إن حمل على الأمر المعنويِّ والقُرْبُ على الأمر الحسيِّ وكذا العكس، فلا إشكال إذ لا يلزم من سحر إيَّاه مثلًا أن يماسَّه كما لا يلزم من مماسَّته أن يقربه بسرقةٍ أو أذى جسده ونحو ذلك، وإن حمل على المعنويين أو العكس فيجاب بادِّعاء الخصوص في عموم أحدهما، والأقرب أنَّ المخصوص حديث الباب، كما تقدَّم تخصيصه [2] .
ثمَّ إنَّه ذكر الشَّيخ الحافظ أبو الفضل بن الحسين العراقي في «شرح الترمذي» أنَّ السرَّ في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، كما ورد الأمر بصلاتهما عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، المبادرةُ إلى حلِّ عقد الشَّيطان.
وبناه على أنَّ الحلَّ لا يتمُّ إلَّا بتمامِ الصَّلاة وهو واضحٌ؛ لأنَّه لو شرع في صلاة، ثمَّ أفسدها لم يساوِ من أتمَّها، وكذا الوضوء، فكان الشُّروع في حلِّ العقد يحصل بالشُّروع في العبادة، وينتهي بانتهائها.
وما ورد من أنَّ الرَّكعتين المذكورتين ممَّا فعله صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم من حديث عائشة رضي الله عنها وهو منزَّهٌ عن عقد الشَّيطان، فيمكن
ج 5 ص 586
أن يُقال فعل ذلك صلى الله عليه وسلم تعليمًا لأمَّته وإرشادًا إلى ما يحفظهم من الشَّيطان.
وقد وقع عند ابن خُزيمة من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه في آخر الحديث (( فحلُّوا عُقَد الشَّيطان ولو بركعتين ) ).
[1] من قوله (( أصوب وهو .. إلى قوله أن ذلك ) )ليس في (خ) .
[2] في هامش الأصل وقد خصه ابن عبد البر بمن لم ينو القيام فكذا يمكن أن يقال يختص بمن لم يقرأ آية الكرسي لطرد الشيطان والله أعلم. منه.