فهرس الكتاب

الصفحة 1860 من 11127

1176 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين في الأول وبضم الميم وتشديد الراء في الثاني (قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، يَقُولُ مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي) صلاة (الضُّحَى) المشهورة، ولم يُرِد به الظَّرفيةَ (غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ) فاختة بنت أبي طالب شقيقة عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.

وليس لها في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وحديث آخر تقدَّم في الطَّهارة [خ¦280] ، و (( غيرُ ) )بالرفع بدل من قوله (( أحدٌ ) )، وفي رواية ابنِ أبي شيبة من وجهٍ آخر عن ابنِ أبي ليلى أدركتُ النَّاس وهم متوافرون، فلم يخبرني أحدٌ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى الضُّحى إلَّا أم هانئ.

ولمسلم من طريق عبد الله بن الحارث الهاشميِّ قال سألتُ وحرصت على أن أجدَ أحدًا من النَّاس يخبرني أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سبَّح سبحة الضُّحى، فلم أجدْ غير أمِّ هانئ بنت أبي طالب حدَّثتني، فذكر الحديث.

وعبد الله بن الحارث هذا هو ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب مذكور في الصَّحابة لكونه ولد على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبيَّن ابن ماجه في روايته وقت سؤال عبد الله بن الحارث عن ذلك ولفظه «سألت في زمن عثمان رضي الله عنه، والنَّاس متوافرون» .

(فَإِنَّهَا قَالَتْ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 6 ص 10

دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ) أي في بيتها، كما هو الظَّاهر من التَّعبير بالفاء المقتضية للتَّرتيب والتَّعقيب.

ووقع في «الموطأ» أنَّ أمَّ هانئ ذهبتْ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكَّة، فوجدته يغتسل ... الحديث.

وفي حديث سعيد بن أبي هند عن أبي مرَّة مثل حديث مالك وفيه وهو في قبته بالأبطح ثماني ركعاتٍ، وصلَّى في بيتها، وجُمِعَ بينهما بأن ذلك تكرَّر منه بأن يكون صلَّى في قبَّته بالأبطح ثماني ركعاتٍ وصلَّى في بيتها [1] ثماني ركعات، وأن يكون اغتسل مرَّتين، فلعلَّه بعد أن نزلَ بالأبطح دخل بيتها فاغتسل وصلَّى، وخرج إلى منزله بالأبطح، فاغتسل وصلَّى الصَّلاة الأولى صلاة الضُّحى، والثَّانية صلاة الشُّكر على الفتح، أو ما فاته من قيام اللَّيل، فإنَّه قد صحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يقمْ من الليل صلَّى بالنَّهار ثنتي عشرة ركعةً، فلعلَّه كان تلك الليلة صلَّى الوتر فقط ثلاثًا، ثمَّ صلَّى بالنَّهار ثمانيًا، ويحتملُ أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكَّة، وكانت هي في بيتٍ آخر بمكة، فجاءتْ إليه فوجدتُه يغتسل، فيصحُّ القولان.

وروى ابنُ خزيمة من طريق مجاهد عن أمِّ هانئ أنَّ أبا ذرٍّ ستره لما اغتسل، وفي رواية عنها أنَّ فاطمة رضي الله عنها هي التي سترته [خ¦357] ، فيحتملُ أن يكون أحدهما ستره في ابتداءِ الغسل، والآخر في أثنائهِ، والله أعلم.

(وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) بالياء التحتية، وفي رواية بحذف الياء، وزاد كُرَيب عن أم هانئ «يسلِّم بين كلِّ ركعتين» أخرجه ابن خزيمة، وفيه ردٌّ على من تمسَّك به في صلاتها موصولةً سواءٌ صلَّى ثمان ركعات أو أقل.

وعند الطَّبراني من حديث ابن أبي أوفى أنَّه صلَّى الضُّحى ركعتين، فسألته امرأته فقال إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى يوم الفتح ركعتين، وهو محمولٌ على أنَّه رأى من صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ورأت أمَّ هانئ بقيَّة الثَّمان، وهذا يقوِّي أنَّه صلَّاها مفصولة.

(فَلَمْ أَرَ صَلاَةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا) أي من صلاة الضُّحى التي صلَّاها النَّبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، وقد تقدَّم في أواخر أبواب «التَّقصير» بلفظ «فما رأيته صلَّى صلاةً أخفَّ منها» [خ¦1103] .

وفي رواية عبد الله بن الحارث المذكورة لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده كلُّ ذلك متقاربٌ.

(غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) واستُدِلَّ به على استحباب تخفيف صلاة الضُّحى، وفيه نظرٌ لاحتمال أن يكون ذلك للتَّفرغ لمهمَّات الفتح من مجيئه إلى المسجد الحرام وخطبته وأمره بقتل من أَمر بقتله، وغير ذلك.

وقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» من حديث حذيفة رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى الضُّحى ثمان ركعاتٍ طوَّل فيهنَّ.

واستُدِلَّ به أيضًا على إثبات سنِّية صلاة الضُّحى.

وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنَّه ليس في حديث أمِّ هانئ إثبات ذلك قالوا وإنَّما هي سنَّة الفتح، وقد صلَّاها خالد بن الوليد

ج 6 ص 11

في بعض فتوحه [2] كذلك، وقيل إنَّها كانت قضاءً عمَّا شُغِل عنه تلك الليلة من حزبه فيها.

وتعقَّبه النَّووي بأنَّ الصَّواب صحَّة الاستدلال به لما روى أبو داود وغيره من طريق كُريَب عن أمِّ هانئ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى سبحة الضُّحى.

ولمسلم في كتاب «الطَّهارة» من طريق أبي مرَّة عن أمِّ هانئ في قصَّة اغتساله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، ثمَّ صلَّى ثمان ركعاتٍ سبحة الضُّحى.

وروى ابن عبد البرِّ في «التمهيد» من طريق عكرمة بن خالد عن أمِّ هانئ قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة، فصلَّى ثمان ركعاتٍ، فقلت ما هذه الصَّلاة؟ قال هذه صلاة الضُّحى.

واستُدِلَّ به أيضًا على أنَّ أكثر الضُّحى ثمان ركعاتٍ واستبعده السَّبكي، ووُجِّه بأنَّ الأصل في العبادة التَّوقف.

وهذا أكثر ما ورد في ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم، وقد ورد من فعله دون ذلك كحديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى الضُّحى ركعتين. أخرجه ابن عديٍّ.

وسيأتي من حديث عتبان قريبًا مثله [خ¦1185] ، وحديث عائشة رضي الله عنها عند مسلمٍ كان يصلِّي الضُّحى أربعًا.

وحديث جابرٍ رضي الله عنه عند الطَّبراني في «الأوسط» أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى الضُّحى ستَّ ركعاتٍ.

وأمَّا ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم ففيه زيادةٌ على ذلك كحديث أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا (( من صلَّى الضُّحى ثنتي عشرة ركعةً بنى الله له قصرًا في الجنَّة ) )أخرجه التِّرمذي واستغربه، وليس في إسناده من أُطلِق عليه الضَّعف.

وعند الطَّبراني من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه مرفوعًا (( من صلَّى الضُّحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلَّى أربعًا كتب من القانتين، ومن صلَّى ستًا كفي ذلك اليوم، ومن صلَّى ثمانيًا كتب من العابدين، ومن صلَّى ثنتي عشرة ركعةً بنى الله له بيتًا في الجنة ) )وفي إسناده ضعف.

وله شاهدٌ من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه رواه البزَّار عن زيد بن أسلم قال سمعتُ عبد الله بن عَمرو يقول قلت لأبي ذرٍّ أوصني، قال سألتني عمَّا سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( من صلَّى الضُّحى ركعتين لم يكتبْ من الغافلين، ومن صلَّى أربعًا كتب من العابدين، ومن صلَّى ستًّا لم يلحقه ذلك اليوم ذنب، ومن صلَّى ثمانيًا كتبَ من القانتين، ومن صلَّى ثنتي عشرة ركعةً بنى الله له بيتًا في الجنة ) )وفي إسناده ضعفٌ أيضًا لكن إذا ضمَّ أحدهما إلى الآخر قوي وصلح للاحتجاج.

ج 6 ص 12

فإن قيل هل تزاد على ثنتي عشرة ركعةً.

فالجواب أنَّ مفهوم العدد وإن لم يكن حجَّة عند الجمهور إلَّا أنَّه لم يردْ في عدد الضُّحى أكثر من ذلك، وعدم الورود لا يستلزم منع الزِّيادة.

وقد روي عن إبراهيم أنَّه قال سألَ رجلٌ الأسود فقال كم أصلِّي الضُّحى؟ قال كم شئت.

وفي حديث عائشة عند مسلمٍ كان يصلِّي الضُّحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله.

وقال الطَّبري والصَّواب أن يصلِّي على غير عددٍ، يعني أنَّه لا حدَّ لأكثرها، وبه جزم الحليميُّ والرويانيُّ من الشافعيَّة، وذهب قومٌ إلى أن يصلِّي أربعًا لما روى من قوله تعالى {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم 37] قال صلى الله عليه وسلم (( هل تدرون ما وفَّى وفَّى عمل يومه بأربع ركعات الضُّحى ) ).

وقال الحاكمُ صحبت جماعةً من أئمَّة الحديث الحفَّاظ الأثبات، فوجدتهم يختارون هذا العدد، ويصلُّون هذه الصَّلاة أربعًا لتواتر الأخبار الصَّحيحة فيه، وإليه أذهب.

وذكر الطَّبري أنَّ سعدَ بن أبي وقَّاص وأبا سلمة رضي الله عنهما كانا يصلِّيان الضُّحى ثمانيًا، وكان علقمة والنَّخعي وسعيد بن المسيَّب يختارون الأربع. وعن الضَّحاك أنَّه كان يختار ركعتين.

وقال الرُّوياني من الشَّافعية أكثرها ثنتا عشرة حكاه الرَّافعي عنه.

وجزمَ به في «المحرر» وتبعه النَّووي في «المنهاج» وخالفَ ذلك في «شرح المهذب» فحكى عن الأكثر أن أكثرها ثمان ركعاتٍ.

وقال في «الروضة» أفضلها ثمانٍ وأكثرها اثنتا عشرة، ففرَّق بين الأفضل والأكثر.

قال العينيُّ وفيه نظرٌ من حيث إنَّ من صلَّى ثمان ركعاتٍ فقد فعل الأفضل، فكونه يصلِّي بعد ذلك ركعتين أو أربعًا يقتضي أن ينقصَ من أجره المتقدِّم، وهذا في غاية البعد.

وقال الحافظ العسقلانيُّ لا يتصوَّر ذلك؛ أي الفرقُ بين الأكثر والأفضل إلَّا فيمن صلَّى الاثنتي عشرة ركعةً بتسليمةٍ واحدةٍ، فإنَّها تقع نفلًا مطلقًا عند من يقول إنَّ أكثر سنَّة الضُّحى ثمان ركعاتٍ، فأمَّا من فصَّل فإنَّه يكون صلَّى الضُّحى، وما زاد على الثَّمان يكون له نفلًا مطلقًا، فيكون صلاة اثنتي عشر في حقِّه أفضل من ثمان لكونه أتى بالأفضل وزاد.

ثمَّ إنَّه قد اختلف العلماء في أنَّ الأفضلَ المواظبة عليها أو فعلها في وقتٍ وتركها في وقتٍ، والظَّاهر هو الأوَّل لعموم الأحاديث الصَّحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم (( أحبُّ العملِ إلى الله تعالى ما داوم صاحبه عليه وإن قلَّ ) )ونحو ذلك.

وروى الطَّبراني في «الأوسط» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( إنَّ في الجنَّة بابًا يقال له الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا يداومون صلاة الضُّحى؟ هذا بابكم، فادخلُوه

ج 6 ص 13

برحمة الله )) .

وروى ابن خُزيمة في «صحيحه» عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحافظُ على صلاة الضُّحى إلَّا أوَّاب، قال وهي صلاة الأوَّابين ) ).

وذهبَ بعضهم وهذه إحدى الرِّوايتين عن أحمد إلى أنَّ الأفضلَ أن لا يواظب عليها لحديث أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي الضُّحى حتَّى نقول لا يدعها، ويدعها حتَّى نقول لا يصلِّيها. أخرجه الحاكم والتِّرمذي.

وعن عكرمة كان ابن عبَّاس رضي الله عنهما يصلِّيها عشرًا ويدعها عشرًا. وعن سعيد بن جُبير إنِّي لأدعها وأنا أحبُّها مخافة أن أرادها حتمًا عليَّ، وفيه نظرٌ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يحبُّ العمل، ويتركه مخافة أن يفرضَ على أمَّته.

وقد روى البزَّار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك صلاة الضُّحى في سفرٍ ولا غيره. لكنَّه ضعيفٌ.

ثمَّ إنَّ وقتها يدخل من أوَّل النَّهار بطلوع الشَّمس لكن يستحبُّ تأخيرها إلى ارتفاع الشَّمس حكاه النَّووي في «الروضة» .

وخالف ذلك في «شرح المهذب» حيث حكى فيه عن الماورديِّ أنَّ وقتها المختار إذا مضى ربع النَّهار إلى الزَّوال، وجزم به في التَّحقيق.

وروى الطَّبري من حديث زيد بن أرقم أنَّه صلى الله عليه وسلم مرَّ بأهل قباء وهم يصلُّون الضحى حين أشرقت الشَّمس فقال (( صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال ) )وهذا يدلُّ على جواز صلاة الضُّحى عند الإشراق؛ لأنَّه لم ينههم عن ذلك، ولكن أعلمهم أنَّ التَّأخير إلى شدَّة الحرِّ أفضل.

وقوله (( إذا رمضت الفصال ) )معناه أن تحمى الرَّمضاء، وهي الرَّمل، فتبرك الفصال من شدَّة حرِّها وإحراقِها أخفافَها.

لطيفة روى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نصلِّي الضُّحى بسورٍ منها {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، و {الضُّحَى} ومناسبة ذلك ظاهرةٌ جدًا.

وقد مرَّ هذا الحديث وما يتعلَّق به في باب «من تطوَّع في السفر» [خ¦1103] .

[1] من قوله (( وجمع بينهما. .. إلى قوله في بيتها ) )ليست في (خ) .

[2] في هامش الأصل وذلك كان حين فتح الحيرة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت