فهرس الكتاب

الصفحة 1864 من 11127

1178 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزدي القصاب (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بالموحدة والمهملة (الْجُرَيْرِيُّ) بضم الجيم وفتح الراء، نسبة إلى جُرَير بن عُباد، بضم العين وتخفيف الموحدة.

(هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ) بفتح الفاء وضم الراء المشددة وآخره خاء معجمة، وسقط هذا في رواية (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء وبالدال المهملة، نسبةً إلى نهد بن زيد من قضاعة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ورجال هذا الإسناد بصريون ما خلا شعبة، فإنَّه واسطيٌّ.

وقد أخرج متنه المؤلف في «الصوم» أيضًا [خ¦1981] ، وأخرجه مسلم والنسائي في «الصَّلاة» .

(قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي) أراد به النَّبي صلى الله عليه وسلم، والخليل هو الصديق الخالص الذي تخللت محبته القلب، فصارت في خلاله؛ أي في باطنه.

وفي رواية النَّسائي في حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه (( أوصاني حبيبي ) )على ما نذكره عن قريب.

واختلف في أنَّ الخلَّة أقوى أم المحبة، وهذا لا يعارض ما قاله النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لو كنت متَّخذًا خليلًا غير ربِّي لاتَّخذت أبا بكر ) )لأنَّ الممتنع أن يتَّخذ النَّبي صلى الله عليه وسلم غيره خليلًا لا العكس.

(بِثَلاَثٍ) أي بثلاث وصايا (لاَ أَدَعُهُنَّ) بضم العين؛ أي لا أتركهنَّ (حَتَّى) أي إلى أن (أَمُوتَ) قال الحافظ العسقلانيُّ يحتمل أن يكون قوله (( لا أدعهنَّ حتَّى أموت ) )من جملة الوصية؛ أي وأوصاني أن لا أدعهنَّ.

ويحتمل أن يكون من إخبار الصَّحابي بذلك عن نفسه.

وقال العينيُّ هو إخبار عن نفسه بذلك كما يدلُّ عليه أنَّه غير مذكورٍ في رواية مسلم مع أنَّه أخرجه من رواية أبي عثمان النَّهدي، عنه، قال (( أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث بصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ، وركعتي الضُّحى، وأن أوتر قبل أن أرقد ) )، ورواه أيضًا من رواية أبي رافع الصَّائغ عنه كذلك.

ورواه النَّسائي من رواية أبي عثمان النَّهدي عنه كذلك فالحديث واحدٌ، ومخرجه واحدٌ، وأقوى الدَّليل [1] على ذلك رواية النَّسائي، ولفظه (( أوصاني خليل بثلاثٍ لا أدعهنَّ إن شاء الله أبدًا ) )الحديث.

وهذه الجملة مجرورة المحل على أنَّها صفة لثلاث؛ لأنَّه يشبه النَّكرة في الإبهام، ويجوز أن تكون منصوبة المحلِّ على الحالية بالنَّظر إلى أنَّه موضوعٌ

ج 6 ص 17

في الأصل لعدد معين، ويجوز أن تكون اعتراضيَّة.

(صَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) بالجر بدل من قوله «بثلاث» ، ويجوز الرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، والظَّاهر أنَّ المراد أيام البيض، وسيأتي تفسيرها في كتاب «الصوم» إن شاء الله تعالى [خ¦1981] .

والحكمة في الوصية بصوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ _ والله أعلم _ تمرين النَّفس على جنس الصيام ليدخل في واجبه بانشراحٍ، وتحصيل ثواب صوم الدَّهر كلِّها مع زيادة، فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها فإذا صام في كلِّ شهرٍ ثلاثة، وصام رمضان فكأنَّما صام سنة كلها.

(وَصَلاَةِ الضُّحَى) يجوز فيه الوجهان أيضًا أعني الجر والرفع وكذا تاليه، وزاد أحمد في روايته (( كل يوم ) )ولم يتعرَّض فيه إلى العدد.

وسيأتي في «الصِّيام» من طريق أبي التَّيَّاح عن أبي عثمان بلفظ و «ركعتي الضُّحى» [خ¦1981] ، وكذا عند مسلمٍ، وهما أقلُّها وتجزيان عن الصَّدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كلِّ يومٍ وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا كما في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه عند مسلمٍ.

وفي هذا دلالةٌ على استحباب صلاة الضُّحى، وأنَّ أقلَّها ركعتان، وعدم مواظبة النَّبي صلى الله عليه وسلم على فعلها لا ينافي استحبابها؛ لأنَّه حصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلَّة القول والفعل لكن ما واظب النَّبي صلى الله عليه وسلم على فعله مرجَّحٌ على ما لم يواظب عليه، والحكمة فيها أيضًا تمرين النَّفس على جنس الصَّلاة لتدخل في واجبها بانشراحٍ، ولينجبر ما لعلَّه يقع فيه من نقصٍ.

وحكى الشيخ الحافظ أبو الفضل ابن الحسين في «شرح التِّرمذي» أنَّه اشتهر بين العوام أنَّ من صلَّى الضُّحى ثمَّ قطعها يعمى، فصار كثيرٌ من النَّاس يتركونها أصلًا لذلك، وليس لما قالوه أصلٌ بل الظَّاهر أنَّه ممَّا ألقاه الشَّيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير لاسيَّما ما وقع في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه.

(وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ) بالوجهين فيه أيضًا، وفي رواية المؤلف من طريق أبي التَّيَّاح على ما يجيء في الصَّوم (( وأن أُوْتِر قبل أن أنامَ ) ) [خ¦1981] .

والحكمة فيه _والله أعلم _ أنَّ وقت الوتر في اللَّيل وهو وقت الغفلة والنوم والكسل ووقت طلب النَّفسِ الراحةَ، ففي الحديث استحباب تقديم الوتر على النَّوم لكنَّه في حقِّ من لم يثقْ بالاستيقاظ، فأمَّا من وثقَ به، فالتَّأخير في حقِّه أفضل لحديث مسلم (( من خافَ أن لا يقومَ من آخر الليل فليوتر أوَّله، ومن طمعَ أن يقومَ آخره فليوتر آخر اللَّيل ) ).

ويحتمل أن يرادَ الوتر بين نومين فإن أوتر ثمَّ تهجَّد لم يعده، لحديث أبي داود والتِّرمذي، وقال حسن «لا وتران في ليلة» .

ج 6 ص 18

ثمَّ إنَّه بمثل هذه الوصيَّة لأبي هريرة رضي الله عنه أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي الدَّرداء، رواه مسلمٌ من طريق أبي مرَّة مولى أمِّ هانئ عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال (( أوصاني حَبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ لن أدعهنَّ ما عشتُ بصيام ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وصلاة الضُّحى، وبأن لا أنام حتَّى أوتر ) ).

وبمثل ذلك أيضًا وصَّى لأبي ذرٍّ رضي الله عنه فيما رواه النسائيُّ من طريق عطاء بن يسارٍ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال (( أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعهنَّ إن شاء الله تعالى أبدًا أوصاني بصلاة الضحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ ) ).

ثمَّ إنَّه اقتَصَرَ في الوصية للثَّلاثة المذكورين على الثَّلاثة المذكورة؛ لأنَّ الصَّلاة والصِّيام أشرف العبادات البدنيَّة، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال، وخصَّت الصَّلاة بشيئين؛ لأنَّها تقع ليلًا ونهارًا بخلاف الصيام.

وأمَّا مطابقة الحديث للترجمة فمن حيث إنَّه مطلق يتناول الحضر والسَّفر كما يدلُّ عليه قوله (( لا أدعهنَّ حتَّى أموت ) )بل إرادة الحضر فيه ظاهرةٌ، وأمَّا حمله على السَّفر دون الحضر فبعيدٌ؛ لأنَّ السَّفر مظنَّة التَّخفيف.

[1] كذا في العمدة ولو قال وأقوى دليل على ذلك لكان أفضل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت