104 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (اللَّيْثُ) بن سعد الفهمي المصري، قدم بغداد، وعرض عليه المنصور ولاية مصر فأبى واستعفى، وتقدما في أول الكتاب [خ¦2] [خ¦3] .
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) وفي رواية ، وفي رواية أي المقبُري، وقد مر في باب «الدِّين يسرٌ» [خ¦39] (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم المعجمة وفتح الراء وبالمهملة، هو خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي الكعبي الصحابي، أسلم قبل فتح مكة، وكان يحمل يومئذ أحد ألوية بني كعب بن خزاعة، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( والله لا يؤمن ثلاثًا من لا يأمن جاره بوائقه ) ) [خ¦6016] .
والمتفق عليه (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ... ) )الحديث [خ¦6019] ، وهذا الحديث، قال الواقدي وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة، مات بها سنة ثمان وستين، روى له الجماعة، وفي الصحابة من يشترك معه في كنيته اثنان، وفي الرواة أيضًا واحد، أخرج له ابن ماجه.
(أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ)
ج 1 ص 614
بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبي عثمان المدني المعروف بالأشدق الأمير، خرج على عبد الملك فخدعه عبد الملك وأمَّنه، فقتله صبرًا سنة سبعين، قال الحافظ العسقلاني (وليست له صحبة، ولا كان من التابعين بإحسان) . انتهى.
وقيل ووالده مختلف في صحبته، وقال ابن الأثير يكنى أبا أمية، وكان أمير المدينة.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه من الرباعيات وغير ذلك.
وقد أخرج متنه المؤلف في «الحج» [خ¦1832] ، وفي «المغازي» أيضًا [خ¦4295] ، وأخرجه مسلم في «الحج» ، والترمذي فيه، وقال حسن صحيح، وفي «الديات» بمعناه، والنسائي في «الحج» ، وفي «العلم» .
(وَهْوَ يَبْعَثُ) جملة حالية (الْبُعُوثَ) بضم الموحدة جمع البعث بمعنى المبعوث، وهو الجند الذي يبعث إلى موضع، والمعنى يرسل الجيوش، (إِلَى مَكَّةَ) ؛ زادها الله تعالى شرفًا، وشرفنا بزيارته؛ لقتال عبد الله بن الزبير، وذلك أنه لما توفي معاوية رضي الله عنه وجه يزيد إلى عبد الله بن الزبير يستدعي منه بيعته، فخرج إلى مكة ممتنعًا من بيعته، فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله، فبايعه وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال لا أقبل حتى يُؤتَى به في وثاق، فأبى ابن الزبير وقال أنا عائذ بالبيت، فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يُوجِّه إليه جندًا، فبعث هذه البعوث، وكان ذلك في سنة إحدى وستين.
قال ابن بطال (وابن الزبير عند علماء أهل السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال مالك ابن الزبير أولى من عبد الملك) .
(ائْذَنْ) من الإذن، وأصله بالهمزتين قلبت الثانية ياء (لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ) وفيه حُسْنُ التلطف في الإنكار على أمراء الجور لا سيما مع الملوك فيما يخالف مقصودهم؛ لأن التلطف بهم أدعى لقبولهم، لا سيما مع من عرف منهم بارتكاب هواه، وأن الغلظة عليهم قد تكون سببًا لإثارة فتنة ومعاندة.
(أُحَدِّثْكَ) بالجزم؛ لأنه جواب الأمر (قَوْلًا قَامَ) أي قال أو ملابسًا (بِهِ النَّبِيُّ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم الْغَدَ) بالنصب على الظرفية (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ) أي اليوم الثاني يوم فتح مكة، وكان في العشرين من رمضان، من السنة الثامنة من الهجرة (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) وذكر الأُذن مع أن السماع لا يكون إلا بالأذن للتأكيد، وتثنيتها لزيادة التأكيد،
ج 1 ص 615
وهو ينفي أن يكون سمعه من غيره.
وقوله (وَوَعَاهُ) أي حفظه (قَلْبِي) تحقيق لفهمه، والتثبت في تعقُّلِ معناه، وقوله (وأبصرته عيناي) زيادة في تحقيق السماع، والفهم عنه بالقرب منه، وأن سماعه منه ليس اعتمادًا على الصوت دون حجاب، بل بالرؤية والمشاهدة، وذكر القلب والعين وتثنيتها كذكر الأُذُن، وتثنيتها في الجملة الأولى.
(حِينَ تَكَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم ظرف لقوله «قام» ، و «سمعت» ، و «وعى» ، و «أبصرت» على سبيل التنازع (بِهِ) أي بذلك القول (حَمِدَ اللَّهَ) تعالى بيان لذلك القول (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بأنه منزه عن كل نقص، ومتصف بكل كمال، فهو عطف على حمد الله عطف عام على خاص.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ) عز وجل يوم خلق السموات والأرض؛ كما ثبت في الأحاديث، ثم إنه إما أن يراد به مطلق التحريم فيتناول كل محرم بها، وإما أن يراد به [1] ما ذكر بعده من سفك الدم وعضد الشجرة.
(وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) من قبل أنفسهم بأن يصطلحوا على تحريمها من غير إذن من الله تعالى، وأمر منه كما كان الجاهليون يحرمون ويحللون أشياء من قبل أنفسهم كالبحيرة والسائبة والوصيلة، وغير ذلك، فتحريمها ابتدائي من غير سبب يُعزى لأحد لا مدخل فيه لا لنبي ولا لعالم، فإن قيل قد جاء في الحديث (( أن إبراهيم حرم مكة ) ) [خ¦2129] ، فالجواب أن إسناد التحريم إلى إبراهيم عليه السلام من حيث إنه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت المعمور إلى السماء وقت الطوفان، واندرس تحريمها، وصارت شريعة متروكة منسية فأحياها إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقيل وكَّل الله إليه تحريمها، فكان من أمر الله، فأضيف إلى الله مرة، وإلى إبراهيم أخرى لذلك، ويقال إنه عليه السلام دعى لها، فكان تحريم الله لها بدعوته عليه السلام هذا الذي ذكر قول الأكثرين، وقيل كانت حلالًا إلى زمن إبراهيم عليه السلام، فمعنى الحديث على هذا القول (( إن الله كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم عليه السلام سيحرِّم مكة بأمر الله تعالى ) ).
(فَلاَ يَحِلُّ) أي إذا كان الأمر كذلك فلا يحل (لاِمْرِئٍ) بكسر الراء، وقد مر أن هذا اللفظ من النوادر حيث كانت عينه تابعة لِلَامِهِ في الحركة دائمًا؛ أي لرجل، والنساء شقائق الرجال، فيدخلن في هذا الحكم، (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) ؛ أي يوم القيامة، سُمِّي به؛ لأنه لا ليل بعده،
ج 1 ص 616
ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل، وإنما خُصَّ من بين ما يجب الإيمان به هذان الأمران إشارة إلى المبدأ والمعاد، والبواقي داخلة تحتهما.
وقد استدل به من يقول إن الكفار ليسوا بمخاطبين بالفروع والصحيح خلافه، ولا دلالة له عليه، فإنه لا مفهوم له، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك؛ لأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات، ولذلك جعل الكلام فيه، وليس فيه أن غير المؤمن ليس مخاطبًا بفروع الشريعة، هذا على قول من قال بالمفهوم، وأما قول من لا يقول كأئمتنا الحنفية؛ فلا دلالة له عليه أصلًا، وقيل إنما وصفه بالإيمان؛ ليشعر بالعِلِّية؛ يعني إن من شأن المؤمن بالله وجزائه أن لا يخالف أمر الله ولا يحلل ما حرم الله تعالى.
(أَنْ يَسْفِكَ) بكسر الفاء على المشهور، وحُكِي ضمُّها من السفك، وهو إراقة الدم، وقال المهدوي لا يستعمل السفك إلا في صب الدم والدمع؛ أي حقيقة، وقد يستعمل مجازًا في نشر الكلام، والمراد به هنا القتل.
(بِهَا) أي كما في رواية (دَمًا) استدل به إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله على أن الملتجئ إلى الحرم لا يُقتل؛ لأنه عام يدخل فيه هذه الصورة أيضًا، وحكى ابن بطال اختلاف العلماء فيمن أصاب حدًا من قتلٍ أو زنى أو سرقة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء والشعبي إن أصابه في الحرم أُقيم عليه الحد، وإن أصابه في غير الحرم لا يُجالَس ولا يُؤوا حتى يخرج، فيُقام عليه؛ لأن الله تعالى جعله آمنًا دون غيره، فقال {ومن دخله كان آمنًا} ، وقال آخرون إن أصابه في غير الحرم، ثم لجأ إليه يُخَرج ويُقام عليه الحد، وهو مذهب ابن الزبير والحسن ومجاهد، وقال آخرون لا يُمنع من إقامة الحد فيه، والملتجئ إليه يُقام عليه الحد الذي وجب عليه قبل أن يلجأ إليه، وهو مذهب عمرو بن سعيد، كما ذكر في الحديث.
وحكى القرطبي أن ابن الجوزي حكى الإجماع فيمن جنى في الحرم أنه يقاد منه، وفيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه عن أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله لا يُقام عليه، وعن مالك والشافعي أنه يُقام فيه.
ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثم قال ولا مخالف لهم من الصحابة، ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثم شنَّع على مالك والشافعي فقال قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة، والكتاب، والسنة واحتج بعضهم لمذهبهما
ج 1 ص 617
بقصة ابن خَطَل، وأجيب عنه بأوجه
أحدها أنه ارتد وقتل مسلمًا، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني أنه لم يدخل في الأمان، فإنه استثناه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بقتله وإن وجد متعلقًا بأستار الكعبة.
والثالث أنه كان ممن قاتل، وحاصل الأجوبة الثلاثة أنه مستثنى من هذا الحكم.
وأجاب بعضهم بأنه إنما قُتِل في تلك الساعة التي أبيحت له صلى الله عليه وسلم، وهو غريب، فإن ساعة الإباحة حين استولى عليها، وقتل ابن خطل بعد ذلك، وبعد قوله عليه السلام (( من دخل المسجد فهو آمن ) )، وقد دخل، لكنه استثنى مع جماعة غيره، والله أعلم.
(وَلاَ يَعْضِدَ) بكسر الضاد من العضد _ بالعين المهملة _ بمعنى القطع، يقال عضد الشجرة يعضدها _ بالفتح في الماضي والكسر في المضارع _ إذا قطعها بالمِعْضَد، وهو سيفٌ يمتهن في الشجر كالفأس، وأصله من عضد الرجل إذا أصاب عَضُدَه، لكنه يقال منه عضده يعضده _ بالضم في المضارع _ وكذلك إذا أعانه، بخلاف العضد بمعنى القطع.
(بِهَا) أي فيها (شَجَرَةً) بالنصب على أنه مفعول «يعضد» ، وهو منصوب على أنه معطوف على قوله «يسفك» بتقدير «أن» ، وكلمة «لا» زيدت لتأكيد معنى النفي، فمعناه لا يحل أن يعضد شجرة؛ أي ذات ساق.
وذكر بعض شراح «المشارق» أن قوله «لا يعضد» بالرفع عطف على قوله «لا يحل» ، وهو توجيه حسن إن ساعدته الرواية، وفي رواية .
قال النووي اتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لا ينبتها الآدميون في العادة، وعلى تحريم كلأها، واختلفوا فيما ينبته الآدميون، وكذلك اختلفوا في ضمان الشجرة إذا قلعها، فقال مالك يأثم ولا فدية عليه، وقال الشافعي الواجب في الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، وكذا جاء عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم، وبه قال أحمد.
وقال إمامنا أبو حنيفة رحمه الله الواجب في الجميع القيمة، ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلأ الحرم، وقال إمامنا أبو حنيفة رحمه الله [2] ومحمد لا يجوز، وأما الشوك [3] فقد قيل بتحريم المؤذي منه وغيره عملًا بعموم الحديث، وقال بعضهم لا يحرم الشوك لأذاه تشبيهًا بالفواسق الخمس، وخصوا الحديث بالقياس.
وقال الخطابي أكثر العلماء على إباحة الشوك، ويشبه أن يكون المحظور منه ما ترعاه الإبل وهو ما رَقَّ منه دون الصلب الذي لا ترعاه، فيكون ذلك كالحطب وغيره، ومن الشافعية من حرَّم مطلقًا، وقال القياس المذكور
ج 1 ص 618
ضعيف لقيام الفارق، وهو أن الفواسق تقصد الآدمي، بخلاف الشوك.
(فَإِنْ) ترخَّص (أَحَدٌ) فـ «أحد» مرفوع بفعل مقدَّر يفسره قوله (تَرَخَّصَ) من قبيل قوله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة 6] والترخص تفعُّل من الرخصة، وهو حكم يثبت لعذر مع قيام المحرم لولا العذر، والمعنى فإن قال أحد إن ترك القتال عزيمة، والقتال رخصة تتعاطى عند الحاجة.
(لِقِتَالِ) أي لأجل قتال (رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا) أي مستدلًا بذلك، وإنما لم يقل لقتالي بيانًا لاستظهار الترخص، فإن الرسول المبلغ للشرائع إذا فعل ذلك كان جواز الترخص مستفادًا استفادة ظاهرة (فَقُولُوا) له لا يصلح ذلك دليلًا (إِنَّ اللَّهَ) تعالى (قَدْ أَذِنَ) بكسر الذال المعجمة (لِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم خصيصة له (وَلَمْ يَأْذَنْ) بفتح الذال المعجمة (لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ) على صيغة المعلوم، ويجوز كونها على صيغة المجهول (لِي) فيه التفات؛ لأن مقتضى النص أن يقول لرسوله، والنكتة فيه بيان اختصاصه بذلك؛ لإضافته إلى ضميره.
(فِيهَا) أي في مكة، وفي رواية سقط لفظة «فيها» للعلم بها (سَاعَةً) أي في ساعة (مِنْ نَهَارٍ) وأراد بالساعة مقدارًا من الزمان من يوم الفتح، وهو زمان الدخول فيها.
وفي «مسند أحمد» من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ذلك كان من طلوع الشمس إلى العصر، والمأذون له فيه القتال دون الصيد، وقطع الشجر، وسائر ما حرم الله على الناس، قيل وفيه دليل على أن مكة فتحت عنوة؛ أي قهرًا، وهو مذهب الأكثرين. قال القاضي عياض هو مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، لكن من رأى أنها فتحت عنوة يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم منَّ على أهلها وسوَّغهم أموالهم ودُورَهم، ولم يقسمها ولا جعلها فيئًا. قال أبو عبيد ولا نعلم أن مكة يشبهها شيء من البلاد.
وقال الشافعي وغيره فتحت صلحًا، وتأولوا الحديث بأن القتال كان جائزًا له صلى الله عليه وسلم لو احتاج إليه، ويضعف هذا التأويل قوله عليه السلام (( فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، فإنه يدل على وقوع القتال، وكذا قوله (( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) )وكذلك غيره من الأمان المعلق على أشياء مخصوصة.
وقال الماوردي عندي أن أسفل مكة دخله
ج 1 ص 619
خالد بن الوليد رضي الله عنه عنوة، ودخل أعلاها الزبير بن العوام رضي الله عنه صلحًا، ودخل الشارع من جهته، فصار حكم جهته الأغلب.
(ثُمَّ) أي كانت مكة في حقه صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة بمنزلة الحل، ثم (عَادَتْ حُرْمَتُهَا) ؛ أي الحكم الذي في مقابلة الإباحة المستفادة من لفظ الإذن (الْيَوْمَ) لفظ «اليوم» يطلق ويراد به يومك الذي أنت فيه من وقت طلوع الشمس إلى غروبها، ويطلق ويراد به [4] الزمان الحاضر المعهود، وقد يكون أكثر من يوم واحد وأقل، وكذا حكم الأمس، والمراد به هنا يوم الفتح، إذ عود حرمتها كان في يوم الفتح لا في غيره الذي هو يوم صدور هذا القول.
(كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) الذي هو قبل يوم الفتح (وَلْيُبَلِّغِ) يجوز كسر اللام وتسكينها (الشَّاهِدُ) بالرفع؛ أي الحاضر (الْغَائِبَ) بالنصب، فقد وفَّا أبو شريح رضي الله عنه بما أخذ الله على العلماء من الميثاق في تبليغ دينه ونشره، حتى يظهر.
وقد زاد ابن إسحاق في آخره أنه قال له عمرو بن سعيد (( نحن أعلم بحرمتها منك، فقال له أبو شريح أنا كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدُنا غائبَنا، وقد بلغتك، فأنت وشأنك ) ).
هذا قال ابن بطال (كل من خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ العلم ممن كان في زمنه فالتبليغ عليه متعيِّن، وأما من بعدهم فالتبليغ عليهم فرض كفاية) . انتهى.
وفيه نظر؛ فقد ذكر أبو بكر بن العربي أن التبليغ عن النبي صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي والحكم لا يبوح به في الناس، لكن يخبر به من حضره، ثم على لسان أولئك إلى من ورائهم قومًا بعد قوم، فالتبليغ فرض كفاية، والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يترتبان على معنى ما يستمع، فإن كان ذلك مما يخصه تعين عليه، وإلا فالعمل به فرض عين، والتبليغ فرض كفاية وذلك عند الحاجة إليه، ولا يلزمه أن يقوله ابتداء، فقد كان قوم من الصحابة يكثرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحبسهم عمر رضي الله عنه حتى مات وهم في حبسه، هذا آخر كلامه.
وفيه أن العمل به ليس فرض عين مطلقًا، نعم العمل به إذا كان ما يتضمنه الحديث من الفروض العينية يكون فرض عين، وكذا التبليغ، وأما إكثار الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 620
إنما يذمُّ إذا كان سببًا لابتذاله وامتهانه، فصنيع عمر رضي الله عنه يحتمل أن يكون لذلك، والله أعلم.
(فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) ؛ أي لما رُوى أبو شريح أنه قال لعمرو بن سعيد ما قال، قيل له (مَا قَالَ عَمْرٌو) أي أيَّ شيءٍ قال عمرو بن سعيد في جوابك حين قلت له ما قلت؟ فقال أبو شريح (قَالَ) عمرو (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا بَا شُرَيْحٍ) أصله يا أبا شريح، حذفت همزته للتخفيف، أو حذفت ألف (يا) مطابقة للرسم العثماني.
(لاَ تُعِيذُ) بضم المثناة الفوقية من الإعاذة بالذال المعجمة؛ أي لا تعصم مكة، (عَاصِيًا) ؛ من إقامة الحد عليه، وفي رواية .
(وَلاَ فَارًّا) بالفاء والراء المشددة؛ أي هاربًا وملتجئًا إلى الحرم (بِدَمٍ) أي مصاحبًا وملتبسًا بدم، أو بسبب دم غير حق خوفًا من القصاص، (وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ) أي بسبب خربة وهي _ بفتح المعجمة وإسكان الراء بعدها باء موحدة _ السرقة، وقد وقع في رواية تفسيرها بقوله ، وفي رواية _ بضم الخاء _ ذكرها القاضي عياض.
وقال ابن بطال (الخُربة _ بالضم _ الفساد _ وبالفتح _ السرقة، وقيل _ بضم الخاء _ العورة، و _ بالفتح _ يصح على أن المراد الفعلة الواحدة) .
وقال الخليل (الخُربة _ بالضم _ الفساد في الدين، مأخوذ من الخارب، وهو اللص المفسد) ، قال الشاعر
~والخارِبُ اللِّصُّ يحبُّ الخارِبَا
ولا يكاد يستعمل إلا في سارق الإبل، قيل ويطلق على العيب والبلية، وعلى كل خيانة وتهمة.
اعلم أن أبا شريح رضي الله عنه نهى عَمرًا عن بعث الخيل إلى مكة، ونصب الحرب عليها واستباحة حرمتها فأحسن في استدلاله، وحاد عمرو عن الجواب وأتى بكلام ظاهره حق وقد أراد به الباطل حيث أجاب بأن مكة لا تمنع من إقامة الحد على من يجب عليه الحد، فأجاب عن غير سؤاله مع أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء، بل هو أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنه بويع قبل هؤلاء وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال ابن بطال.
وقال الطيبي(لما سمع عمرو ذلك رده بقوله «أنا أعلم منك» ، يعني صح سماعك وحفظك لكن ما فهمتَ المعنى المراد من المقاتلة، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح عنوة، وليس بسبب قتل من استحقه خارج الحرم، والذي أنا بصدده من القبيل الثاني لا من الأول، فكيف تنكر علي وهو
ج 1 ص 621
من القول بالموجب).
هذا والحاصل أن كونه جوابًا على اعتقاد عمرو في ابن الزبير رضي الله عنه فالجواب ليس عن غير سؤاله، وقد شنَّع ابن حزم على عمرو في كتاب «الجنايات» فقال (ما للطيم الشيطان الشرطي الفاسق يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حامل الخزي في الدنيا والآخرة إلا هو ومن أمره) ، وصوَّب قوله، وإنما قال ابن حزم ذلك في حق عمرو؛ لاعتقاده في ابن الزبير رضي الله عنهما ما اعتقده.
هذا ثم قال ابن بطال (اختلف العلماء في الصحابي هل يكون أولى بتأويله ممن يأتي بعده أو لا؟ فقال طائفة تأويل الصحابي أولى؛ لأنه الراوي للحديث وهو أعلم بمورده وسببه، وقال آخرون لا يلزم تأويله إذا لم يصب التأويل) .
وقال المازري في «شرح كتاب البرهان» (مخالفة الراوي لما رواه على أقسام مخالفة بالكلية ومخالفة ظاهره على وجه التخصيص، وتأويل لمحتمل أو مجمل، وكل واحد من هذه الأقسام فيه خلاف) .
قال إمام الحرمين مذهب الشافعي اتباع روايته لا عمله، ومذهب أبي حنيفة اتباع عمله لا روايته، فإذا كان الحديث عامًا فهل يُخصُّ بعمل راويه، وكذا إذا كان لفظ الحديث مجملًا فصرفه الراوي إلى أحد محتملاته هل يصار إلى مذهبه، ففي ذلك خلاف وتحقيق هذا المبحث في أصول الفقه.
وفي الحديث فوائد غير ما تقدم منها أن العالم إذا أنكر على الأمير ينبغي له رعاية الرفق كما استأذن منه في التحديث، ومنها ذكر التواكيد في الكلام، ومنها تقديم الحمد والثناء على المقصود، ومنها شرف مكة وأنها محرمة من يوم خلق الله السموات والأرض، ومنها النصيحة لولاة الأمور وعدم الغش لهم إذا رُئي أنهم غيَّروا شيئًا من الدِّين وإن لم يسأل عنه، ومنها إثبات القيامة، ومنها اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بخصائص، ومنها جواز القياس عليه صلى الله عليه وسلم لولا العلم بكون الحكم من خصائصه عليه السلام، ومنها جواز النسخ، إذ نسخ الإباحة للرسول بالحرمة. ومنها أن التحليل والتحريم من عند الله تعالى لا مدخل لبشر فيه، وأن ذلك لا يعرف إلا منه قولًا وفعلًا وتقريرًا، ومنها جواز المجادلة ومخالفة التابعي الصحابي بالاجتهاد، ومنها فضل أبي شريح لاتِّباعه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ منه.
خاتمة قال الخطابي ظاهر الحديث تحريم الدماء كلها كان ذلك حقًا أو لم يكن، ويؤكده قوله صلى الله عليه وسلم (( وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ) ).
ولا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 622
قد أباح دمًا حرامًا عليه لا في ذلك اليوم ولا في غيره من الأيام، وإليه ذهب قوم فقالوا الجاني إذا فر إلى الحرم لم يقتصَّ منه ما دام مقيمًا فيه إلى أن يخرج، وقال بعضهم إن كل ما جناه في الحرم اقتص منه فيه، وما جناه في خارجه فلا يقتص منه.
وقال الماوردي من الشافعية في كتابه «الأحكام السلطانية» من خصائص الحرم أن أهله لو بغوا على أهل العدل فقال بعض الفقهاء يحرم قتالهم بل يُضيَّق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقال الجمهور يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها، قال النووي (هذا هو الصواب) .
وقد نص الشافعي في كتاب (( اختلاف الحديث ) )من كتاب «الأم» على جواز قتالهم في الحرم. وأجاب عن هذا الحديث وأمثاله بأن التحريم يعود إلى نصب القتال وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره، بخلاف ما إذا تحصن الكفار ببلد آخر فإنه يجوز قتالهم على كل وجه بكل شيء.
وقال القفال المروزي من أصحاب الشافعي في «شرح التلخيص» في أول كتاب النكاح (لا يجوز القتال بمكة، ولو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز قتالهم) ، وقال النووي (ما قاله القفال غلط) ، وقال محمود العيني (بل هو موافق للقول الأول الذي حكاه الماوردي، وظاهر الحديث يعضده) ، والله أعلم.
[1] (( قوله مطلق التحريم فيتناول كل محرم بها، وإما أن يراد به ) )ليس في (خ) .
[2] (( من قوله الواجب في. .. إلى قوله رحمه الله ) )ليس في (خ) .
[3] في هامش الأصل العشب اسم للرطب، والحشيش اسم لليابس، والكلأ يطلق عليهما. منه.
[4] (( من قوله يومك الذي. .. إلى قوله ويراد به ) )ليس في (خ) .