1202 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى) أبو عثمان الضُّبعي _ بضم المعجمة _ الأَدَمي بالهمزة والمهملة المفتوحتين (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ العَمِّي) بفتح العين المهملة وتشديد الميم، نسبة إلى عمّ قبيلة من بني تميم، وفيهم كثرة ومن الرُّواة زيد العَمِّي وهو لقبٌ له؛ لأنَّه كلَّما كان يسأل عن شيءٍ قال حتَّى أسأل عمِّي، وسقط في رواية لفظ «العمي» (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) البصريُّ ذكره أولًا بكنيته ثم باسمه (قَالَ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة، شقيق بن سلمة.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا نَقُولُ التَّحِيَّةُ) بالإفراد وبالرفع مبتدأ خبره (فِي الصَّلاَةِ) قاله الكرمانيُّ وتبعه العينيُّ والقسطلانيُّ، وهو غير ظاهرٍ، والظَّاهر أنَّ خبره محذوف؛ أي قلنا التَّحية على فلان وفلان، وقوله (( في الصَّلاة ) )ظرف لقوله «نقول» .
وروي بالنصب مقول «نقول» ، وجاز ذلك مع كونه مفردًا؛ لأنَّه في حكم الجملة، فإنَّه عبارةٌ عن قولهم السَّلام على فلان، فهو كقولك
ج 6 ص 73
قلت قصَّة أو خبرًا.
(وَنُسَمِّي) أي نقول السَّلام على جبريل وميكائيل، كما في حديث باب «ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهد» [خ¦835] (وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) كما في حديث باب «ما ينهى من الكلام» [خ¦1199] ، وقد سبق آنفًا.
(فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي ما ذكر من تسميتهم وتسليمهم (فَقَالَ قُوْلُوا التَّحِيَّاتُ) جمع تحية، والمراد منها الكلام الذي يُحيَّى به الملك.
قال ابنُ قتيبة لم يكن يحيى إلَّا الملك خاصة، وكان لكلِّ ملكٍ تحيَّة تخصه [1] ، فلذا جمعت فكان المعنى التَّحيات التي يسلمون بها على الملوك كلِّها مستحقة. (لِلَّهِ) تعالى وتقدس.
وقال الخطَّابي ثمَّ البغويُّ ولم يكن في تحياتهم شيءٌ يصلح للثَّناء على الله تعالى، فلذا أهملت ألفاظها واستعمل منها معنى التَّعظيم، فقال قولوا التَّحيات لله؛ أي أنواع التَّعظيم له تعالى.
(وَالصَّلَوَاتُ) أي الصَّلوات الخمس المفروضة، أو ما هو أعمُّ من ذلك من الفرائض في كلِّ شريعةٍ، أو العبادات كلِّها، وقيل الدَّعوات، وقيل أنواع الرَّحمة.
وقال محمَّد بن الجزري أصل الصَّلاة التَّعظيم؛ أي الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى هو المستحقُّ بها لا تليق لأحدٍ سواه.
(وَالطَّيِّبَاتُ) أي ما طاب من الكلام، وحَسُنَ أن يثنى به على الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته المقدَّسة ممَّا كان الملوك يحيَّون به.
وقيل المراد الأذكار، ولعلَّ تفسيرها بما هو أعمُّ من الأقوال والأفعال، والأوصاف الكاملة الخالصة عن الشَّوائب أولى كما لا يخفى، وقال القرطبيُّ قوله «لله» ، فيه تنبيهٌ على الإخلاص في العبادات؛ أي تلك لا تفعل إلا الله.
ويحتمل أن يكون المراد الاعتراف بأنَّ ملك الملوك وغير ذلك ممَّا ذكر كله في الحقيقة لله تعالى، وأظهر الأقوال وأجمعها ما قيل من أنَّ التَّحيات العبادات القوليَّة، والصَّلوات العبادات البدنيَّة، والطَّيبات العبادات المالية.
وقال البيضاويُّ يحتمل أن يكون «والصَّلوات والطَّيبات» عطفًا على «التَّحيات» ، ويحتمل أن يكون «والصَّلوات» مبتدأ وخبره محذوفٌ، «والطَّيبات» معطوفة عليها قالوا والأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد.
(السَّلاَمُ عَلَيْكَ) أي سلمت من المكاره، فهو خبرٌ لفظًا إنشاءٌ معنًى، إذ المراد منه الدُّعاء (أَيُّهَا النَّبِيُّ) وفي العدول عن الوصف بالرِّسالة إلى الوصف بالنُّبوة أن يجمع له الوصفين لكونه وصفه بالرِّسالة في آخر التَّشهد، وإن كان الرَّسول البشري يستلزم النُّبوة
ج 6 ص 74
لكن التَّصريح بهما أبلغ.
وقيل الحكمة في تقديم الوصف بالنُّبوة أنَّها كذلك وجدت في الخارج لنزول قوله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} قبل قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر 1 - 2] .
(وَرَحْمَةُ اللَّهِ) المراد بها معناها الغائي؛ أي إنعامه وإحسانه؛ لأنَّ معناها اللغويُّ وهو الحنو والعطف لا يجوزُ في حقه تعالى (وَبَرَكَاتُهُ) جمع بركة، وهو الخير الكثير من كلِّ شيءٍ.
وقال الطِّيبي البركة ثبوت الخير في الشَّيء، سمِّي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوتَ الماء في البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، وقيل هي بمعنى الزِّيادة، وقيل بمعنى الكثرة، وقيل بمعنى الخصب، وإضافتها إلى الله تعالى باعتبار أنَّها بأيِّ معنى كانت ناشئة من الله تعالى وكائنة بإعطائه، وجمع باعتبار الأنواع.
(السَّلاَمُ عَلَيْنَا) أراد به المصلِّي نفسه والحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة، واستدلَّ به على استحباب البداءة بالنَّفس في الدُّعاء، وفي التِّرمذي مصحَّحًا من حديث أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه.
ومنه قول نوح وإبراهيم عليهما السَّلام في التَّنزيل {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} الآية [نوح 82] ، {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} الآية [ابراهيم 41] [2] .
(وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) الأشهر في تفسير الصَّالح أنَّه القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وقيل الصَّلاح هو استقامة الشَّيء على حالةِ كَمالِه كما أنَّ الفساد ضدَّه ولا يصلح الصَّلاح الحقيقي إلَّا في الآخرة؛ لأنَّ الأحوال العاجلة، وإن وصفت بالصَّلاح في بعض الأوقات لكن لا يخلو من شائبة فسادٍ وخلل، ولا يصفو ذلك إلَّا في الآخرة خصوصًا لزمرة الأنبياء عليهم السَّلام؛ لأنَّ الاستقامة التَّامة لا تكون إلا لمن فاز بالقدح المعلَّى ونال المقام الأسنى.
ومن ثمَّة كانت هذه المرتبة مطلوبةً للأنبياء والمرسلين عليهم الصَّلاة والسلام، قال الله تعالى في حقِّ الخليل عليه السلام {وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة 130] .
وحكي عن يوسف عليه السَّلام أنَّه دعا بقوله {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف 101] ، ومن هذا يعرف أنَّ درجات الصَّلاح متفاوتة، هذا وقال التِّرمذي الحكيم من أراد أن يحظى بهذا السَّلام الذي يسلمه الخلق، فليكن عبدًا صالحًا، وإلَّا حرم هذا الفضل.
وقال الفاكهانيُّ ينبغي للمصلي أن يستحضرَ في هذا المحلِّ جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين؛ يعني ليتوافق لفظه مع قصده، وقوله (( وعلى عباد الله الصَّالحين ) )بعد قوله (( علينا ) )، من باب ذكر العام بعد الخاص.
قال البيضاويُّ علَّمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذِّكر لشرفه، ومزيد حقِّه عليهم، ثمَّ علَّمهم أن يخصُّوا أنفسهم أولًا؛ لأنَّ الاهتمام بها أهم، ثمَّ أمرهم بتعميم السَّلام على الصَّالحين إعلامًا منه بأنَّ الدُّعاء ينبغي أن يكون شاملًا لهم، ثمَّ أتبعه بالشَّهادة؛ لأنَّها منبع الخيرات وأساس الكمالات.
(أَشْهَدُ) أي أعلم وأبيِّن (أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) واختار الجملة الفعليَّة لإفادة التَّجدد، والمضارع لإفادة الاستمرار، واختار صيغة المتكلِّم إظهارًا لتوحيده
ج 6 ص 75
واهتمامًا بشأنه صلى الله عليه وسلم.
(وَأَشْهَدُ) كرَّر «أشهد» لقصد المبالغة والتَّعظيم له صلى الله عليه وسلم (أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قال أهل اللغة يقال رجلٌ محمد ومحمود، إذا كثرت خصاله المحمودة.
وقال ابن الفارس سمِّي نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك يعني محمدًا لعلم الله تعالى بكثرة خصاله المحمودة، والفرق بين محمد وأحمد أنَّ محمدًا مفعَّل للتَّكثير، وأحمد أفعل للتَّفضيل، والمعنى إذا حمدني أحدٌ فأنت أحمد منهم، وإذا حمدت أحد فأنت محمد.
والحاصل أنَّه أجلُّ من حُمِد وأكثر الناس حمدًا في الدُّنيا والآخرة فهو أحمد المحمودين وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد في المحشر يوم القيامة ليتمَّ له كمال الحمد، ويشتهرَ في العرصات بصفة الحمد، ويُبعَث المقامَ المحمود ويحمده فيه الأوَّلون والآخرون، ويفتح فيه عليه من المحامد، كما ثبت في «الصحيحين» [خ¦4718] ما لم يعط غيره، وسمِّيت أمته في كتب أنبيائه بالحمَّادين، فحقيق أن يسمَّى صلى الله عليه وسلم محمدًا وأحمد.
وفي هذين الاسمين الشَّريفين من عجائب خصائصه، وبدائع آياته فنٌّ آخر، وهو أنَّ الله عز وجل حمى أن يسمى بهما أحد قبل زمانه.
أمَّا أحمد الذي ذكر في الكتب وبَشَّر به الأنبياء عليهم السلام فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره، ولا يُدعى به مدعو قبله حتَّى لا يدخل اللبس ولا الشكَّ على ضعيف القلب.
وكذلك محمد أيضًا لم يسمَّ به أحدٌ من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده وميلاده أنَّ نبيًّا يبعث اسمه محمَّد، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاءَ أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ثمَّ حمى الله تعالى كل من يسمى به أن يدَّعي النُّبوة، أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشكك أحدًا في أمره حتَّى تحققت السِّمتان له صلى الله عليه وسلم، ولم ينازع له أحد فيهما.
والعبد هو الإنسان حرًّا كان أو رقًّا، وكأنَّه يذهب فيه إلى أنَّه مربوب لبارئه عزَّ وجلَّ، ثمَّ إنه لم تختلف الطُّرق عن ابن مسعود رضي الله عنه في تقديم «عبده» على «رسوله» .
وروى عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريج عن عطاء قال بينا النَّبي صلى الله عليه وسلم يعلم التَّشهد إذ قال وأشهد أنَّ محمدًا رسوله وعبده، فقال صلى الله عليه وسلم (( لقد كنت عبدًا قبل أن أكونَ رسولًا، قل عبده ورسوله ) ).
قال أبو بكر الورَّاق ذات يوم لأهل مجلسه من أهل الوفاق يا أيُّها النَّاس
ج 6 ص 76
أبشروا بالبشارة العظمى والكرامة الكبرى، وهي أنَّه صلى الله عليه وسلم لا ينساكم قط في حال من الأحوال، ولا في مقام من مقامات الإكرام والإجلال، فلو كان ينساكم ساعة لنسيكم في مقام الهيبة بين يدي ربِّ العزَّة، وحصل له قرب الحضرة، فقال التَّحيات لله والصَّلوات والطَّيبات، فقال الرَّب تعالت ذاته وتبارك صفاته السَّلام عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته، الثَّلاث بالثَّلاث طباقًا جزاءً وفاقًا، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اعتناء بكم أجمعين، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، فقالت الملائكة المقرَّبون أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ) ).
(فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ) أي قلتُم ما ذكر (فقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ) وهذا بناءٌ على أنَّ الجمع المحلى باللام يفيدُ الاستغراق لا يقال إنَّه جمع قلَّةٍ فلا يزيد على العشرة؛ لأنَّ القلَّة والكثرة إنَّما تعتبران في النَّكرة لا المعرفة.
(فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) وفي رواية من ملك أو مؤمن، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النَّبي صلى الله عليه وسلم.
فائدة قال القفال في «فتاويه» ترك الصَّلاة يضرُّ بجميع المؤمنين؛ لأنَّ المصلِّي يقول اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بدَّ أن يقول في التَّشهد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون مقصرًا بخدمة الله وفي حقِّ رسوله وفي حقِّ نفسه وفي حقِّ كافة المسلمين، ولذلك عظمت المعصية بتركها.
واستنبط منه السُّبكي أنَّ في الصَّلاة حقًّا للعباد مع حقِّ الله، وأنَّ من تركها فقد أخل بحقِّ جميع المؤمنين من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب قوله فيها السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين.
ثمَّ رواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وقد أخرج متنه ابن ماجه في «الصَّلاة» أيضًا.
[1] في هامش الأصل نحو قولهم أبيت اللَّعن، وقولهم أنعم صباحًا، وقول العجم ذي ده هزار سال؛ أي عش عشرة آلاف سنة. منه.
[2] (( {ربنا اغفر لي ولوالدي} الآية ) )ليست في (خ) .