1211 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابنُ الحجَّاج (قَالَ حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الزاي، الحارثيُّ البصريُّ، وهو من أفراد البخاريِّ (قَالَ كُنَّا بِالأَهْوَازِ) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالزاي.
قال الكرمانيُّ هي أرض خورستان، وقال الحافظ العسقلانيُّ هي بلدةٌ معروفةٌ بين البصرة وفارس فتحت في خلافة عمر رضي الله عنه.
وقال صاحب «العين» الأهوازُ سبع كور بين البصرة وفارس لكلِّ كورةٍ منها اسمٌ ويجمعها الأهواز ولا ينفرد واحدة منها بهَوْز.
وفي «المحكم» ليس للأهواز واحدٌ من لفظه، وقال ابن خُرْدابة هي بلادٌ واسعةٌ متَّصلة بالجبل وأصبهان.
(نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ) بفتح المهملة وضم الراء الأولى المخففة، نسبة إلى حروراء يمدُّ ويُقْصر، قريةٌ من قرى الكوفة وفيها كان التَّحكيم.
والحرورية جماعةٌ من الخوارج يُنسبون إلى حروراء اجتمعوا بها فقال لهم عليٌّ رضي الله عنه ما نسمِّيكم؟ ثمَّ قال أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء.
والنِّسبة إلى مثل حروراء أن يقال حَرُورَاويُّ، وكذلك ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة ولكنه حذفت الزوائد تخفيفًا فقيل الحروري، وكان الذي يقاتلهم إذ ذاك المهلَّب بن أبي صفرة، كما في رواية عَمرو بن مرزوق عن شعبة عند الإسماعيليِّ.
وذكر محمد بن قدامة الجوهريُّ في كتابه «أخبار الخوارج» أنَّ ذلك كان سنة خمس وستين من الهجرة، وكان الخوارج قد حاصروا أهل البصرة مع نافع بن الأزرق حتَّى قتل، وقتل من أمراء البصرة جماعةٌ إلى أن ولَّى عبد الله بن الزُّبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميِّ على البصرة وولي المهلَّب بن أبي صفرة على قتال الخوارج.
وفي «الكامل» لأبي العبَّاس المبرِّد أنَّ الخوارج تجمَّعت بالأهواز مع نافع بن الأزرق سنة أربع وستين فلمَّا قتل نافع وابن عبيس رئيس المسلمين من جهة ابن الزُّبير ثمَّ خرج إليهم حارثة بن بدر ثمَّ أرسل إليهم ابن الزُّبير عثمان بن عبيد الله ثمَّ توفي القباع فبعث إليهم المهلَّب وكل من هؤلاء الأمراء يمكثون معهم في القتال حينًا فلعلَّ ذلك انتهى إلى سنة خمسٍ، وهو يعكِّر على من قال إنَّ أبا برزة توفي سنة ستين وأكثر ما قيل سنة أربع، والله أعلم.
(فَبَيْنَا أَنَا) مبتدأ خبره (عَلَى جُرُفِ نَهْرٍ) بضم الجيم والراء وبسكونها أيضًا وفي آخره فاء، وهو المكان الذي أكله السَّيل، وفي رواية للكُشميهني بفتح الحاء المهملة وسكون الراء؛ أي جانبه.
وفي رواية حماد بن زيد عن الأزرق في «الأدب» (( كنَّا على شاطئ نهرٍ قد نضب عنه
ج 6 ص 93
الماء )) ؛ أي زال، وفي رواية مهدي بن ميمون عن الأزرق عن محمد بن قدامة (( كنتُ في ظلِّ قصرِ مهران بالأهواز على شطِّ دُجيل ) )والدُّجَيْل _ بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية آخره لام _ هو نهرٌ ينشقُّ من نهر دجلة بغداد.
(إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي) كلمة «إذا» في الموضعين للمفاجأة وهو جواب «بينا» ، وفي رواية الحمويي والكُشميهني والصَّلاة التي يصليها ذلك الرَّجل كانت صلاة العصر، كما جاء في رواية مهدي بن ميمون.
(وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ) أي فرسه (بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ) أي طفقت (الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا، قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (هُوَ) أي الرَّجل المصلِّي (أَبُو بَرْزَةَ) نضلة بن عُبيد (الأَسْلَمِيُّ) أسلم قديمًا ونزل البصرة، وروي أنَّه مات بها، وروي أنَّه مات بنيسابور، وروي أنَّه مات في مفازة بين سجستان وهراة.
وقال خليفةُ بن خياط وافى خراسان ومات بها بعد سنة أربع وستين، وقال غيره مات في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه أو في أيَّام ابنه يزيد، ثمَّ الظَّاهر أنَّ الأزرق بن قيس لم يسمِّ الرَّجل لشعبة.
ولكن رواه أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» عن شعبة فقال في آخره (( فإذا هو أبو برزة الأسلميُّ ) )، وفي رواية عَمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي (( فجاء أبو برزة ) )، وفي رواية حماد في الأدب (( فجاء أبو برزة الأسلمي [1] على فرس فصلَّى وخلاها فانطلقت فاتَّبَعَها ) ).
ورواه عبد الرَّزاق عن معمر عن الأزرق بن قيس (( أنَّ أبا برزة الأسلمي مشى إلى دابَّته وهو في الصَّلاة ) )الحديث، وفي رواية عَمرو بن مرزوق عند الإسماعيليِّ (( فمضت الدَّابة في قبلته فانطلق أبو برزة حتَّى أخذها، ثمَّ رجع القهقرى ) ).
(فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ) قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف في شيءٍ من الطُّرق على تسمية هذا الرَّجل (يَقُولُ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ) دعاء عليه، وفي رواية الطيالسي (( فإذا شيخٌ يصلِّي قد عمد إلى عِنان دابَّته فجعله في يده فنكصت الدَّابة فنكص معها ومعنا رجلٌ من الخوارج فجعل يسبُّه ) ).
وفي رواية حماد (( انظروا إلى هذا الشَّيخ ترك صلاته من أجل فرس ) )وفي رواية مهدي أنَّه قال (( ألا ترى إلى هذا الحمار ) )وزاد عَمرو بن مرزوق في آخره (( فقلت للرَّجل ما أرى الله إلَّا مخزيك شتمتَ رجلًا من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )وفي رواية مهدي بن ميمون (( فقلتُ اسكتْ فعل الله بك، هل تدري من هذا؟ هذا أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
(فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ) أبو برزة رضي الله عنه من صلاته (قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ) الذي قلتموه آنفًا(وَإِنِّي غَزَوْتُ
ج 6 ص 94
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ غَزَوَاتٍ، أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، أوْ ثَمَاني)بغير ألف ولا تنوين.
قال ابنُ مالك في «شرح التسهيل» الأصل أو ثماني غزوات، فحذف المضاف إليه وأبقى المضاف على حاله وحسن الحذف لدَلالة المتقدِّم عليه، أو أنَّ الإضافة غير مقصودةٍ وترك تنوينه لمشابهة جواري لفظًا، وهو ظاهر معنىً لدَلالته على جمع، أو يكون محمولًا على اللغة الربيعيَّة، فإنَّهم يقفون على المنون المنصوب بالسُّكون فلا يحتاج الكاتب على لغتهم إلى كتابة الألف، انتهى.
وفي رواية الكُشميهني وهو ظاهر وفي رواية بغير ياء ولا تنوين فافهم، وقد رواه عَمرو بن مرزوق بلفظ (( سبع غزوات ) )من غير شكٍّ.
(وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ) أي تسهيله على أمَّته في الصَّلاة وغيرها، وأشار به إلى الرَّدِّ على من شدَّد عليه في أن يترك دابَّته تذهب ولا يقطع صلاته، ولا يجوز أن يفعله أبو برزة رضي الله عنه من عنده دون أن يشاهده من النَّبي صلى الله عليه وسلم.
ثم غالب النَّسخ هكذا، وقال الكرمانيُّ وفي بعض الرِّواية ؛ أي سفره، وفي بعضها _ بكسر السين وفتح التحتية _ جمع السيرة.
وحكى ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّه وقع عنده _ بضم المثناة الفوقية وسكون السين المهملة وفتح المثناة الثانية _ اسم مدينة بخورستان من بلاد العجم، ومعناه شهدتُ فتحها وكانت فتحت أيَّام عمر رضي الله عنه في سنة سبع عشرة من الهجرة.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ ذلك في شيءٍ من الأصول، والمقصود مِن ذكره حينئذٍ أن لا يبقى في القصَّة شائبة ريبٍ بخلاف الرِّواية المحفوظة فإنَّ فيها إشارةٌ إلى أنَّه كان من شأن النَّبي صلى الله عليه وسلم تجويز مثله.
(وَإِنِّي) بكسر الهمزة والياء التحتية اسمها، وقوله (إِنْ كُنْتُ) بكسر الهمزة شرطية، وقوله (أَنْ أَرْجِعَ) بفتح الهمزة وسكون الراء من رجع المتعدي، منصوبٌ بأن المصدرية، مرفوع المحلِّ على أنَّه بدل من اسم كان الذي هو تاء المتكلم، وقوله (دَابَّتِي) مفعوله وفي رواية بزيادة لفظة (( مع ) )وحينئذٍ يكون «أرجع» من الرُّجوع اللازم، وفي رواية ، وقوله
(أَحَبَّ إِلَيَّ) منصوب على أنَّه خبر «كان» ، والمعنى إن كان رجع دابَّتي أحبُّ إليَّ (مِنْ أَنْ أَدَعَهَا) أي أتركها (تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا) بفتح اللام؛ أي إلى الموضع الذي ألفته واعتادته وهو معلفها، وهذا بناءٌ على غالب أمرها، ومن الجائز أن لا يرجع إلى مألفها بل يتوجَّه إلى حيث لا يدري، فيكون فيه تضييع المال المنهيِّ عنه.
(فَيَشُقَّ) ذلك، وهو منصوب معطوف على قوله (( أن أدعها ) )والمعنى أنَّ منزلي بعيدٌ فلو تركتُها وصليت
ج 6 ص 95
لم آتِ أهلي ومنزلي إلى الليل فيشقُّ عليَّ ذلك، كما وقع في رواية حمَّاد (( أنَّ منزلي متراخٍ ) )؛ أي متباعدٌ فلو صلَّيت وتركته؛ أي الفرس لم آتِ أهلي إلى اللَّيل.
فعلى هذا جواب الشَّرط المحذوف؛ أي إن كنت هكذا فهو اللَّائق بحالي، والجملة الشَّرطية سدَّت مسدَّ خبر «أن» . هذا وفي بعض الأصول «إن كنت» _ بفتح همزة «أن» _ على أنَّها مصدريَّة مقدَّرة بلام العلَّة.
وقوله (( أن أرجع ) )في تأويل المصدر مبتدأ خبره قوله (( أحب ) )والجملة الاسميَّة خبر كان، وعلى هذا فخبر «أن» في «إني» محذوفٌ لدَلالة الحال عليه؛ أي وإنِّي لأجل كوني رَجْعُ دابَّتي أحبَّ إليَّ من تركها فعلتُ ما رأيتموه من الاتباع، وذلك هو ما بذلت جهدي في تحصيله في هذا المقام، والله تعالى أعلم بالمرام.
وفي الحديث جواز حكاية الرَّجل مناقبه إذا احتاج إلى ذلك، ولم يكن في سياق الفخر، وفيه حجَّةٌ للفقهاء أنَّ كلَّ شيءٍ يخشى تلفه من متاع وغيره يجوز قطع الصَّلاة لأجله.
قال ابن بطَّال لا خلاف بين الفقهاء أنَّ من أفلتت دابته وهو في الصَّلاة أنَّه يقطع الصَّلاة ويتبعها، وقال مالكٌ من خشي على دابَّته الهلاك أو على صبيٍّ رآه في الموت فليقطع صلاته.
وروى ابن القاسم عنه في مسافرٍ أفلتت دابَّته وخاف عليها أو على صبيٍّ أو أعمى أن يقعَ في بئرٍ أو نار أو ذكر متاعًا يخاف أن يتلفَ فذلك عذر يسعُ له أن يقطع صلاته إذا كان فذًّا أو مأمومًا، ويستخلف غيره إذا كان إمامًا.
وعلى قول أشهب إن لم يعدَّ واحدٌ منهم بنى قياسًا على قوله إذا خرج لغسل دمٍ رآه في ثوبه أحبُّ إليَّ أن يستأنفَ وإن بنى أجزأه، كذا قاله ابن سحنون في كتابه.
وقال ابن التِّين والصَّواب أنَّه إذا كان له شيءٌ له قدر يخشى فواته يقطع، وإن كان يسيرًا فتماديه على صلاته أولى من صيانة قدرٍ يسير من ماله.
ثمَّ ظاهر سياق الحديث أنَّ أبا برزة رضي الله عنه لم يقطع صلاته، ويؤيِّده قوله في رواية عَمرو بن مرزوق (( فأخذها ثمَّ رجعَ القهقرى ) )فإنَّه لو كان قطعها ما بالى أن يرجعَ مستدبر القبلة.
وذكر محمَّد رحمه الله في «السير الكبير» حديث الأزرق بن قيس أنَّه رأى أبا برزة يصلِّي آخذًا بعنان فرسه حتَّى صلَّى ركعتين، ثمَّ انسلَّ قياد فرسه من يدهِ فمضى الفرس إلى القبلة، فتبعه أبو برزة رضي الله عنه حتَّى أخذَ بقياده، ثمَّ رجع ناكصًا على عقبيهِ حتَّى صلَّى الرَّكعتين الباقيتين.
قال محمَّد رحمه الله وبهذا نأخذ ونقول الصَّلاة تجزئ مع ما صنع لا يفسدها الذي صنع؛ لأنَّه رجع على عقبيه ولم يستدبر القبلة بوجهه حتَّى لو جعلها خلف ظهره فسدت صلاته، انتهى.
ثمَّ إنَّه ليس في الحديث فصلٌ
ج 6 ص 96
بين المشي القليل والكثير فهذا يبيِّن أنَّ المشي في الصَّلاة مستقبل القبلة لا يوجب فساد الصَّلاة وإن كثر، وبعض مشايخنا أوَّلوا هذا الحديث، واختلفوا فيما بينهم في التَّأويل
فمنهم من قال تأويله أنَّه لم يجاوز موضع سجوده فأمَّا إذا جاوز ذلك فإنَّ صلاته تفسد؛ لأنَّ موضع سجوده في الفضاءِ مصلَّاهُ، وكذلك موضع الصفوف في المسجد وخطاه في مصلاه عفو.
ومنهم من قال تأويله أنَّ مشيه لم يكن متلاصقًا بل مشى خطوةً فسكن ثمَّ مشى خطوةً، وذلك قليلٌ وإنه لا يوجب فساد الصَّلاة، أمَّا إذا كان المشي متلاصقًا تفسد صلاته، وإن لم يستدبر القبلة لأنَّه عملٌ كثيرٌ.
ومن المشايخ من أخذَ بظاهر الحديث ولم يقل بالفساد قلَّ المشي أو كثر استحسانًا، والقياس أن تفسد صلاته إذا كثر المشي إلَّا أنَّا تركنا القياس بحديث أبي برزة رضي الله عنه، وأنَّه خُصَّ بحالة العذر ففي غير حالة العذر يعمل بقضيته القياس، ولكن في رجوعه القهقرى ما يشعر بأنَّه مشيه إلى قصدها لم يكن كثيرًا وهو مطابق لثاني حديثي الباب؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم تأخَّر في صلاته، وتقدَّم ولم يقطعها فهو عملٌ يسيرٌ ومشي قليل ليس فيه استدبار القبلة فلا يضرُّ.
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» سُئل الحسن عن رجلٍ صلَّى فاتَّفق أن تذهب دابَّته؟ قال ينصرف، قيل له أَفَيُتِم؟ قال إذا ولَّى ظهرهُ القبلة استأنف.
قيل وقد أجمع الفقهاء على أنَّ المشي الكثير في الصَّلاة المفروضة يبطلها، فيحمل حديث أبي برزة رضي الله عنه على القليل، ذكره الحافظ العسقلاني، فليتأمل.
وقال الكرمانيُّ وفي الحديث أنَّ قَطْعَهُ للصَّلاة واتباعه للدَّابة أفضل من تركها ترجع إلى مكان علفها واصطبلها في داره، فكيف إن خشيَ أن لا ترجعَ إلى داره فهو أشدُّ لقطعه واتباعه.
[1] من قوله (( وفي رواية عمرو ... إلى قوله برزة الأسلمي ) )ليست في (خ) .