1212 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضم الميم وكسر التاء، المجاور بمكة (قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد الأَيْلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير.
(قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسين (فَقَامَ النَّبِيُّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ) الرُّكوع (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من الرُّكوع (ثُمَّ اسْتَفْتَحَ سُورَة أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا) أي الرَّكعة، والقضاء هاهنا بمعنى الفراغ والأداء كما في قوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة 10] ؛ أي أدَّيت وفي رواية ؛ أي السُّورة؛ أي فرغ من قراءتها.
(وَسَجَدَ، ثُمَّ
ج 6 ص 97
فَعَلَ ذَلِكَ) المذكور من القيامين والرُّكوعين (فِي) الرَّكعة (الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمَا) أي الشَّمس والقمر، وقد جاء صريحًا أنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله، والشَّمس هنا مذكور، والقمر لما كان كالشَّمس في ذلك كان كالمذكور.
وقال الكرمانيُّ أي الخسوف والكسوف.
(آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) الدَّالة على وحدانيته وعظيم قدرته، أو على تخويف عباده من بأسه وسطوته. ويؤيِّده قوله تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء 59] أو على قرب السَّاعة أو على عذاب الله، أو على كونهما مسخرين لقدرة الله تعالى وتحت حكمه.
(فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) أي الخسوف الذي دلَّ عليه قولها «خسفت» ، وقد مرَّ في باب «الكسوف» أنَّ الخسوف يستعملُ فيهما [خ¦1047] (فَصَلُّوا، حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ) بضم المثناة التحتية وبالجيم مبنيًّا للمفعول من الإفراج؛ أي يكشف عنكم (لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم.
(كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ) بضم الواو وكسر العين على صيغة المجهول المتكلم وحده، ويروى بلا ضمير وهي جملة في محل الجر على أنَّها صفة شيء، وفي رواية ابن وهب، عن يونس عند مسلم (( وعدتم ) )بصيغة الخطاب.
(حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ) وفي رواية الكُشميهني بضمير المفعول، وفي رواية مسلم (( لقد رأيتني ) )قال الحافظ العسقلانيُّ وهو أوجه، وقال الزَّركشي قيل وهو الصَّواب.
وتعقَّبه في «المصابيح» فقال لا نسلم انحصار الصَّواب فيه بل الأوَّل صواب أيضًا، فالضَّمير المنصوب محذوف لدَلالة ما تقدَّم عليه، والمعنى لقد أبصرتُ ما أبصرتُ حال كوني.
(أُرِيدُ أَنْ آخُذَ) بمد الهمزة، وكلمة «أن» مصدرية، وفي رواية جابر (( حتَّى تناولت منها ) ) (قِطْفًا) بكسر القاف ما يقطف؛ أي يقطع ويجتني كالذَّبح بمعنى المذبوح، والمراد على ما فسره ابن عباس رضي الله عنهما، وهو العنقود من عنب (مِنَ الْجَنَّةِ، حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ) أي طفقت (أَتَقَدَّمُ) أي ولم أتقدَّم، فلذا قال هنا «جعلت أتقدَّم» ولم يقل فيما بعد جعلت أتأخر؛ لأنَّ التَّأخر قد وقع وثبت.
وأمَّا التَّقدم فشرع صلى الله عليه وسلم فيه، ولم يثبت عليه، هذا حاصل ما قاله الكرمانيُّ فلا يرد عليه ما أورده الحافظ العسقلانيُّ من أنَّه وقع التَّصريح بوقوع التَّقدم والتأخر جميعًا في حديث جابر عند مسلم ولفظه (( حتى جيء بالنَّار وذلكم حين رأيتموني تأخَّرت مخافة أن يصيبني من لفحها ثمَّ بالجنَّة وذلكم حين رأيتموني [1] تقدمت حتَّى قمت مقامي ) )، وأيضًا لا يلزم أن يكون حديث عائشة رضي الله عنها مثل حديث جابر رضي الله عنه من كلِّ الوجوه وإن كان الأصل متَّحدًا.
(وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ) بكسر الطاء المهملة (بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا) أي في جهنَّم
ج 6 ص 98
(عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ) بضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، وسيجيء في قصَّة خزاعة أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( رأيت عمرو بن عامر الخزاعيِّ يجرُّ قصبه في النَّار ) ) [خ¦4623] .
(وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ) وفي رواية ، والسَّوائب جمع سائبة، وهي ناقةٌ لا تركب ولا تحبس عن كلأ وماء، ومعناه هو الذي سيَّب النَّوق التي تسمَّى السَّوائب وإلَّا فلا معنى لقولنا سيَّب السّوائب التي هي المسيبة، فهو من قبيل قوله تعالى {أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف 36] .
قال الزُّمخشري في قوله تعالى {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ} [المائدة 103] كان يقول الرَّجل إذا قدمتُ من سفري أو برئت من مرضِي فناقتي سائبةٌ؛ أي لا تُركب ولا تُطرد عن ماءٍ ولا مَرعى.
وفي هذا الحديث أنَّ المشي القليل لا يبطل الصَّلاة، وكذا العمل اليسير وأنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان موجودتان، وغير ذلك من الفوائد التي ذكرت مستقصاة في «صلاة الكسوف» [خ¦1052] .
ووجه مطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهر من جهة جواز التَّقدم والتَّأخر اليسير، كذا قاله الحافظ العسقلانيُّ والعينيُّ.
أقول وهذا إنَّما يتمُّ إذا كان التَّقدم والتَّأخر في الصَّلاة، وأمَّا إذا كان خارجها فلا، والظَّاهر هو الأول كما وقع في بعض الرِّوايات «عرضت على النَّبي صلى الله عليه وسلم النَّار فتأخَّر عن مصلاه حتَّى إنَّ النَّاس ليركب بعضهم بعضًا وإذا رجع عرضت عليه الجنَّة فذهب يمشي حتَّى وقف في مصلَّاه» .
وفي رواية مسلم من حديث جابر رضي الله عنه (( ما من شيءٍ توعدونه إلَّا وقد رأيته في صلاتي هذه ) )، وأمَّا قول الكرمانيِّ وجه تعلُّقه بالتَّرجمة من حيث إنَّ فيه مذمة تسييب الدَّواب مطلقًا سواء كان في الصَّلاة أو لا فأمر غريب جدًا.
[1] من قوله (( تأخرت مخافة ... إلى قوله رأيتموني ) )ليست في (خ) .