107 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري شيخ الإسلام، وقد تقدم في باب «علامة الإيمان حب الأنصار» [خ¦174] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ جَامِعِ ابْنِ شَدَّادٍ) بصيغة المبالغة المحاربي أبي صخرة الكوفي، وقيل أبي صخر الكوفي، الثقة، التابعي الصغير، وهو قليل الحديث له نحو عشرين حديثًا، مات سنة ثمان عشرة ومئة، روى له الجماعة.
(عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام الأسدي، ثقة، اشترى نفسه من الله ست مرات، مات سنة أربع وعشرين ومئة (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الزبير أبي بكر، ويقال أبو خُبَيب _ بضم المعجمة وفتح الموحدة _ الصحابي ابن الصحابي أمير المؤمنين.
وهو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، ولدته أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بقباء، وأتت به النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ودعا بتمرة، فمضغها ثم تفل في فِيْه وحنكه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعى له، وكان أطلس لا لحية له، رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها ستة.
وكان صوامًا قوامًا، وصولًا للرحم، عظيم المجاهدة، قسم الدهر ثلاث ليال، ليلة يصلي قائمًا، وليلة ساجدًا، وليلة راكعًا حتى الصباح، وهو أحد العبادلة الأربعة وهم هو، وابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وأما عبد الله بن مسعود فليس منهم كما توهَّمه الجوهري، وقد تقدم [خ¦107] .
وغزا إفريقية فأتاه ملكهم في مئة ألف
ج 1 ص 629
وعشرين ألفًا، والمسلمون عشرون ألفًا، فنظر ابن الزبير ملكهم قد خرج من عسكره، فأخذ ابن الزبير جماعة وقصده فقتله، وكان الفتح على يده، ولما مات يزيد بن معاوية بويع له بالخلافة سنة أربع وستين، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ما عدا الشام، وجدد عمارة الكعبة وجعل لها بابين وحج بالناس ثماني حجج وبقي في الخلافة إلى أن حاصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين، وحج الحجاج بالناس ولم يزل يحاصره إلى أن أصابته رمية بالحِجْر، فمات وصلبت جثته وحمل رأسه إلى خراسان، رضي الله عنه.
(قَالَ) أي إنه قال (قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) ؛ بصيغة التصغير؛ أي لأبيه ابن العوَّام _ بتشديد الواو _ أبي عبد الله أحد العشرة المبشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد المهاجرين بالهجرتين، وحواري النبي صلى الله عليه وسلم، وأمه صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمت وأسلم هو رابع أربعة، أو خامس خمسة على يد الصديق رضي الله عنه، وهو ابن ستة عشر، فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام، فلم يفعل، هاجر إلى أرض الحبشة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بسبعة، وهو أول من سل السيف في سبيل الله، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكان أبيض، معتدل اللحم، خفيف العارضين، وكان يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف عنه، فلحقه جماعة من الغُواة فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة، ودفن ثمه، ثم حول إلى البصرة، وقبره مشهور بها، روى له الجماعة، وكان له أربع نسوة، ودفع الثلث فأصاب كل امرأة منهن ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئة ألف.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، ومنها أن فيه رواية صحابي عن صحابي، ومنها أن فيه رواية الأبناء عن الآباء بخصوص رواية الأب عن الجد، وقد أُفردت بالتصنيف [1] ، وقد أخرج متنه أبو داود في «العلم» ، وابن ماجه في «السنة» ، ولم يخرجه مسلم.
(إِنِّي لاَ أَسْمَعُكَ) وفي نسخة بدون «إني» (تُحَدِّثُ) أي حال كونك تحدث أو تحديثك (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)
ج 1 ص 630
حذف مفعول التحديث لإرادة العموم (كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ) أي تحديثًا كتحديث فلان وفلان وسُمِّي منهما في رواية ابن ماجه عبد الله بن مسعود.
(قَالَ) أي الزبير رضي الله عنه (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح ولذا كسرت همزة (إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ) صلى الله عليه وسلم، زاد الإسماعيلي «منذ أسلمت» ، والمراد به عدم المفارقة بأغلب الأحوال، وإلا فقد هاجر إلى الحبشة، وكذا لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حال هجرته إلى المدينة، وقيل معناه ما فارقته عند ظهور شوكة الإسلام لا سفرًا ولا حضرًا، والهجرتان واقعتان قبل ذلك، ولما لزم من الملازمة، وعدم المفارقة السماع منه صلى الله عليه وسلم، ولازم السماع عادة هو التحديث، ولازم الحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث، فبينهما منافاة فضلًا عن المغايرة أتى بقوله
(وَلَكِنْ) ؛ التي هي تتوسط بين كلامين متغايرين، وفي رواية ، وفي أخرى ، إذ يجوز في باب «أنَّ» إلحاق نون الوقاية وعدم إلحاقها؛ أي إني لازمته على عادة من يلازم الملوك، وسمعت منه أحاديث كثيرة، ولكن منعني من التحديث ما خشيته من معنى الحديث الذي (سَمِعْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ) .
وقد أخرجه الزبير بن بكار في كتاب «النسب» من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال عنَّاني ذلك _ أي جعلني في مشقة _ قلة رواية الزبير أبي، فسألته عن ذلك فقال يا بني كان بيني وبينه من القرابة والرحم ما علمت، وعمته أمي، وزوجته خديجة عمتي، وأمه آمنة بنت وهب وجدتي هالة بنت أهيب ابني عبد مناف بن زهرة، وعندي أمك، وأختها عائشة عنده، ولكن سمعته يقول (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) .
كذا رواه البخاري ليس فيه «متعمدًا» ، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق غُندر عن شعبة، وكذا في رواية الزبير بن بكار المذكورة، وأخرجه ابن ماجه من طريقه وزاد فيه (( متعمدًا ) )، وكذا للإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة، والاختلاف فيه عن شعبة، وقد أخرجه الدرامي من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ (( من حدث عني كاذبًا ) )ولم يذكر العمد، فدل ذلك أن المراد منه العموم.
ج 1 ص 631
وقال بعض الحفاظ المحفوظ في حديث الزبير حذف لفظة (( متعمدًا ) )، ولذلك جاء في بعض طرقه فقال ما لي لا أراك تحدث، وقد حدث فلان وفلان، وابن مسعود؟ فقال والله يا بني ما فارقته منذ أسلمت، ولكني سمعته يقول (( من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ) )والله ما قال «متعمدًا» ، وأنتم تقولون «متعمدًا» .
وقال أبو الحسن القابسي (لم يذكر في حديث علي والزبير «متعمدًا» فمن أجل ذلك هاب مَنْ سمع الحديث أن يُحدث الناس بما سمع) .
فإن قلت على هذا يلزم أن يدخل فيه الناسي؟
فالجواب نعم الحديث بعمومه يتناول العامد والساهي والناسي في إطلاق اسم الكاذب عليهم، غير أن الإجماع قد انعقد على أن الناسي لا إثم عليه، والله أعلم.
ثم إن ذلك عام في كل كذب أم خاص؟ اختلفوا فيه فقيل إنه مخصوص بالكذب في الدين من تحريم حلال أو تحليل حرام أو نحو ذلك، وقيل كان ذلك في رجل بعينه كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم.
وادعى عند قومٌ أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم؛ ليحكم فيهم، واحتجاج الزبير رضي الله عنه به ينفي التخصيص فهو عامٌ في كل كذب ديني أو دنياوي، ولو قصد الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في الواقع كذبًا يأثم أيضًا، لكن لا بسبب الكذب، بل بسبب قصد الكذب؛ لأن قصد المعصية معصية.
(فَلِيَتَبَوَّأْ) ؛ بكسر اللام كما هو الأصل، وبالسكون كما هو المشهور من التبوء، وهو اتخاذ المباءة؛ أي المنزل، يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه موضعًا لمقامه، وقال الجوهري تبوأت منزلًا أي نزلته، وقال الخطابي (تبوأ بالمكان أصله من مَبَاءَة الإبل، وهي أَعْطَانُها، والمعنى هنا فليتخذ) .
(مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي في النار، ويجوز أن تكون كلمة «من» بيانية أو ابتدائية، كما قال الكرماني، والأمر هنا بمعنى الخبر؛ أي يبوئه الله مقعده من النار، ويؤيده ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( يبنى له بيت في النار ) )، أو بمعنى التهديد، أو دعاء على معنى بوأه الله.
وقال الكرماني ويحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء، ويلزم عليه.
وقال الطيبي الأمر بالتبوء تهكُّمٌ وتغليظ، إذ لو قيل كان مقعده في النار لم يكن كذلك، قال وفيه أيضًا إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه؛ أي كما أنه قصد في الكذب التعمد،
ج 1 ص 632
فليقصد في جزائه التبوء.
وقال الخطابي وغيره ولم يخف الزبير رضي الله عنه على نفسه في الإكثار من التحديث أن يكذب فيه عمدًا، ولكنه خاف أنَ يزِلَّ ويقع في الخطأ من حيث لا يشعر؛ لأنه وإن لم يأثم بالخطأ، لكن قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدث بالخطأ، فحمل عنه، وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام؛ للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار مع أنه قد ينسب الناسي والمخطئ إلى تفريط، وقد تتعلق به بعض الأحكام الشرعية كغرامات المتلفات، وانتقاض الطهارات، فمن ثمه توقف الزبير وغيره من الصحابة رضي الله عنهم عن الإكثار من التحديث، وأما من أكثر منهم فهو محمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبيت، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، فسألوا فلم يمكنهم الكتمان رضي الله عنهم.
[1] (( قوله ومنها أن. .. إلى قوله بالتصنيف ) )ليس في (خ) .