108 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) ؛ بفتح الميمين وسكون المهملة وبالراء، عبد الله بن عمرو المنقري البصري المشهور بالمقعد؛ (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التميمي البصري، وقد تقدما في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( اللهم علمه الكتاب ) ) [خ¦75] .
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن صهيب الأعمى البصري البُناني بضم الموحدة وبالنونين، وقد مر في باب «حب الرسول من الإيمان» [خ¦15] (قَالَ) أي إنه قال (قَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك رضي الله عنه، وفي رواية سقط «قال» الأول.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم بصريون، ومنها أنه من الرباعيات، وقد أخرج متنه مسلم، والنسائي في «العلم» أيضًا.
(إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ أي الشأن (لَيَمْنَعُنِي) بلام الابتداء المفتوحة (أَنْ أُحَدِّثَكُمْ) أي تحديثكم وهو مفعول ثانٍ «ليمنعني» (حَدِيثًا) مرويًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحديث إذا أطلق في عرف الشرع يراد به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد به هنا الجنس، ولذا جاز وقوع قوله (كَثِيرًا) صفة له.
وقوله (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ) بفتح همزة «أن» فاعل قوله «يمنعني» (مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا) بفتح الكاف وكسر الذال، ويحوز كسر الكاف وإسكان الذال، وهو نكرة في سياق الشرط، فيعم جميع أنواع الكذب
ج 1 ص 633
كما يعم النكرة في سياق النفي.
(فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) وإنما خشي أنس رضي الله عنه مما خشي منه الزبير رضي الله عنه، ولهذا صرح بلفظ الكثرة، فكان التقليل منهم للاحتياط والاحتراز، ومع ذلك، فأنس من المكثرين؛ لأنه تأخرت وفاته فاحتيج إليه، ولم يمكنه الكتمان كما تقدم، ولو حدث بجميع ما عنده؛ لكان أضعاف ما حدث به، وقد وقع في رواية عتاب _ بمهملة ومثناة فوقية _ مولى هرمز سمعت أنسًا رضي الله عنه يقول لولا أني أخشى أني أخطئ لحدثتكم بأشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث أخرجه أحمد، فأشار إلى أنه لا يحدِّث إلا بما يتحققه، ويترك ما يشك، ويستفاد منه أنه لا يجوز التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشك وغالب الظن حتى يتيقن بسماعه ويعلم صحته، وحمله بعضهم على أنه كان يحافظ على الرواية باللفظ، وفيه نظر، فإن المعروف عن أنس رضي الله عنه جواز الرواية بالمعنى كما صرح به الخطيب، وقد وجد في رواياته ذلك كالحديث في البسملة، وفي قصة تكثير الماء عند الوضوء وفي قصة تكثير الطعام.
فإن قلت هذا الحديث المذكور في المتن لا يمنع الإكثار من الحديث الصادق، بل يجب التبليغ والإكثار إذا كان صادقًا فكيف جعله مانعًا؟، فالجواب أن إكثار الحديث وإن كان صادقًا ينجرُّ إلى الكذب غالبًا عادة، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه، فالتعليل للاحتراز عن الانجرار إليه، ولو كان وقوعه على سبيل الندرة.