1229 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبرة الحوضي، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة (ابْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستري (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلاَتَيِ الْعَشِيِّ) بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء؛ يعني الظهر أو العصر.
(قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين بالإسناد المذكور (وَأَكْثَرُ) بالمثلثة، ويروى بالموحدة (ظَنِّي) أنَّها (الْعَصْرَ) وفي حديث عمران الجزم بأنَّها العصر، وفي رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عند مسلم الجزم بأنَّها الظُّهر. وقد تقدَّم ما يتعلَّق بهذا المبحث [خ¦1227] .
(رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) وفي حديث عمران بن حصين المروي في مسلم «أنَّه سلَّم في ثلاث ركعات» ، وليس باختلاف في الرِّواية، بل هما قضيَّتان على ما حكاه النَّووي في «الخلاصة» عن المحقِّقين، (ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ) بتشديد الدال المفتوحة؛ أي في جهة القبلة.
(فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا) وفي رواية ابن عون، عن ابن سيرين بلفظ (( فقام إلى خشبة معروضةٍ في المسجد ) )؛ أي موضوعة بالعرض. ولمسلم من طريق ابنِ عيينة عن أيُّوب «ثمَّ أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبًا» ، ولا تنافي بين هذه الرِّوايات؛ لأنَّها تحمل على أنَّ الجذع كان ممتدًّا بالعرض، وكأنَّه الجذع الذي كان صلى الله عليه وسلم يستندُ إليه قبل اتِّخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشُّراح.
(وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) وفي رواية ابن عون (( فهاباه ) )بزيادة الضَّمير، والمعنى أنَّه غلب عليهما احترام
ج 6 ص 133
النَّبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه عن الاعتراض عليه مع علمهما بأنَّه سيبين أمر ما وقع، وأمَّا ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلُّم العلم، فلذا قال ما قال كما سيجيء.
(وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ) بالمهملات المفتوحة؛ أي أوائلهم المستبقون إلى الأمر المستعجلون منهم.
وقال ابن الأثير السَّرَعان _ بفتح السين والراء _ الذين يتسارعون إلى الشَّيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء، والمراد بهم أوائل النَّاس خروجًا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبًا.
وكذا نقل القاضي عن بعضهم، لكن الصَّواب هو الأوَّل الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللُّغة، وهكذا ضبطه المتقنون، وضبطها الأَصيليُّ في البخاري بضم السين وإسكان الراء، على أنَّه جمع سريع، كقَفِيز وقُفْزان، وكَثِيب وكُثْبان، ومن قال سِرعان _ كسر السين _ فقد أخطأ، هكذا قيل، ويقال إنَّه يمكن أن يكون جمع سَرِيع كرَعِيل ورِعْلان.
وأمَّا قولهم سرعان ما فعلتُ، ففيه ثلاث لغاتٍ الضم والكسر والفتح مع إسكان الراء والنون مفتوحة أبدًا.
(فَقَالُوا) فيما بينهم (أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ) بهمزة الاستفهام، وفي رواية ابن عون بحذفها، و «قُصِرت» على البناء للمفعول؛ أي أنَّ الله قصرها، ويروى على البناء للفاعل؛ أي صارت قصيرة، فإنَّ القصر جاء متعدِّيًا وقاصرًا. وقال النَّووي الثَّاني هذا أكثر.
(وَرَجُلٌ) أي وهناك رجل بتقدير الخبر المقدَّم (يَدْعُوهُ) أي يسمِّيه (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُو الْيَدَيْنِ) ويروى بالنصب، وفي رواية ابن عون (( وفي القوم رجل في يده طولٌ يقال له ذو اليدين ) )وهو يحتملُ الحقيقة، ويحتمل أن يكون كناية عن طولها بالعمل أو بالبذلِ، قاله القرطبي.
وجزم ابن قتيبة بأنَّه كان يعمل بيديه جميعًا، وحكي عن بعض الشُّراح أنَّه كان قصير اليدين، فكأنَّه ظنَّ أنَّه حميد الطَّويل [1] .
(فَقَالَ) للنَّبي صلى الله عليه وسلم لِمَا غلب عليه من الحرص على تعلُّم العلم (أَنَسِيتَ وَ) بالواو، وفي رواية (قَصُرَتْ) أي الصَّلاة _بفتح القاف وضم الصاد_، ويروى على البناء للفاعل، ولم ينفردْ ذو اليدين بالسُّؤال، فعند أبي داود والنَّسائي بإسناد صحيحٍ من حديث معاوية بن خديج أنَّه سأله عن ذلك طلحة بن عُبيد الله، ولكنَّه ذكر فيه أنَّه كان بقيت من الصَّلاة ركعة، ويجوزُ أن تكون العصر فيوافق حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه فيكون سأله طلحة مع الخِرْباق رضي الله عنهما.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَمْ أَنْسَ) أي في اعتقادي لا في نفس الأمر (وَلَمْ تُقْصَرْ) روي مجهولًا ومعلومًا، كذا في أكثر الطُّرق، وهو صريح في نفي النِّسيان ونفي القصر.
ج 6 ص 134
وفيه تفسير للمراد بقوله _في رواية أبي سفيان عند أبي هريرة عند مسلم _ «كل ذلك لم يكن» ، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني أنَّ لفظ «كل» إذا تقدَّم وعقبها النَّفي كان نفيًا لكلِّ فرد لا للمجموع بخلاف ما إذا تأخَّر كأن يقال لم يكن كلُّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله «قد كان بعض ذلك» ، وأجابه في هذه الرِّواية حيث. (قَالَ بَلَى، قَدْ نَسِيتَ) لأنَّه لما نفى الأمرين، وكان مقررًا عند الصَّحابي أنَّ السَّهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النِّسيان لا القصر، وفائدةُ جواز السَّهو في مثل هذا بيانُ الحكمِ الشَّرعي.
(فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بانيًا على ما سبق بعد أن تذكَّر أنَّه لم يتمَّها، كما رواه أبو داود في بعض طرقه قال ولم يسجد سجدتي السَّهو حتَّى يقَّنه الله ذلك، فلم يقلِّدهم في ذلك، وقد سبق فيما سبق وجه بنائه صلى الله عليه وسلم من غير أن يستأنف [خ¦1226] .
(ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ) للسَّهو (مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ) وظاهر هذا الحديث الاكتفاء بتكبيرة السُّجود عن تكبيرة الإحرام، وقد سبق تفصيله [خ¦1229] ، ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم بصريون، وقد سبق متنه في باب «تشبيك الأصابع في المسجد» [خ¦482] ، وسبق ما يحتاج إليه من الأشياء المتعلِّقة به فيه.
[1] قال ابن حجر بعدها فهو الذي فيه الخلاف