فهرس الكتاب

الصفحة 1963 من 11127

1241 - 1242 - (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، أبو محمَّد السِّجستاني المروزي، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (وَيُونُسُ) هو ابن يزيد كلاهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه.

(أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وسقط في رواية قوله «زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم» (أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق.

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ) بضم المهملة وسكون النون بعدها حاء مهملة، ويروى بضم النون أيضًا منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي، بينها وبين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميل، وكان أبو بكر رضي الله عنه متزوِّجًا فيهم.

(حَتَّى نَزَلَ) عن فرسه (فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَتَيَمَّمَ) أي قصد الصِّدِّيق رضي الله عنه (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى) جملة اسمية وقعت حالًا، وهو اسم مفعول من سجَّيت الميت تسجية، إذا مددت عليه ثوبًا، ومعناه هنا مغطى.

(بِبُرْدِ حِبَرَةٍ) يروى بالوصف وبالإضافة، والبُرْد _ بضم الموحدة وسكون الراء _ نوع من الثِّياب

ج 6 ص 168

معروف، والجمع أَبْراد وبُرُود، والبردة الشَّملة المخطَّطة، وحِبْرة على وزن عِنْبة ثوب يماني يكون من قطنٍ أو كتَّان مخطَّط غالي الثَّمن. وقال الدَّاودي هو ثوبٌ أخضر.

(فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ) هذا اللَّفظ من النَّوادر حيث هو لازم وثلاثيه كبَّ متعدٍّ عكس ما هو المشهور في القواعد التَّصريفية (فَقَبَّلَهُ) بين عينيه.

وقد ترجم عليه النَّسائي، وأورده صريحًا حيث قال تقبيلُ الميت وأين يقبَّل منه، وفي حديثه أن أبا بكر قبَّل بين عيني النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو ميِّت.

(وبَكَى) اقتداء به صلى الله عليه وسلم حيث دخلَ على عثمان بن مَظْعون رضي الله عنه وهو ميِّت فأكبَّ عليه وقبَّله، ثمَّ بكى حتَّى سالتْ دموعه على وجنتيهِ. رواه التِّرمذي.

وفي «التَّمهيد» لمَّا توفي عثمان رضي الله تعالى عنه كشف النَّبي صلى الله عليه وسلم الثَّوب عن وجههِ وبكى بكاءً طويلًا، وقبَّل بين عينيهِ، فلمَّا رُفِعَ على السَّرير قال طُوْبى لك يا عثمان لم تلبسْك الدُّنيا ولم تلبسها.

(فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ) أي مفدَّى بأبي، مبتدأٌ وخبر، وقيل تقديره فديتك بأبي، وفيه نظر (يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ) برفع «يجمع» (عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ) قال الدَّاودي لم يجمع الله عليك شدَّة بعد هذا الموت؛ لأنَّ الله تعالى قد عصمك من أهوال القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها _ لما قالت واكرباه _ (( لا كربَ على أبيك بعد اليوم ) )قال وقيل لا يموت موتة أُخرى في قبره، كما يحيى غيره في القبر فيسأل ثمَّ يقبض.

قال المولى علي القاري الصَّحيح أنَّه لا يموت أحدٌ في قبره ثانيًا، وإنَّما يحصل للموتى عند النَّفخة الأولى غشيان كالأولى، وأوَّل من يفيقُ من تلك الحالة هو صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن التِّين أراد بذلك موته وموتَ شريعته، يدلُّ عليه قوله «من كان يعبدُ محمَّدًا» .

وقيل إنَّما قال ذلك ردًّا لمن قال [1] إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت وسيُبعث، ويقطع أيدي رجال وأرجلهم؛ لأنَّه لو صحَّ ذلك لزم أن يموت موتة أُخرى، فأخبر رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعهما على غيره كالذي مرَّ على قريةٍ، وقيل إنَّه معارض بقوله تعالى {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر 11] .

وأجيب بأنَّ الأولى الخلقة من التُّراب ومن نطفة؛ لأنَّهما موات، والثَّانية التي تموت الخلق وإحدى الحياتين في الدُّنيا والأخرى بعد الموت في الآخرة.

وعن الضَّحاك أنَّ الأولى الموت في الدُّنيا، والثَّانية الموت في القبر بعد الفتنة والمسألة، وقيل إنَّه لا يجوز أن يقال للنُّطفة والتُّراب ميِّت، وإنَّما الميِّت من تقدمت له حياة. ورد بقوله تعالى {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} [يس 33] ولم يتقدَّم لها حياة قطٌّ، وإنَّما خلقها الله جمادًا ومواتًا، وهذا من سعة كلام العرب.

(أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ) بصيغة المجهول، وفي رواية ؛ أي قدر عليك (فَقَدْ مُتَّهَا) بضم الميم وكسرها، من مَات يَمُوت ومَات يُمَات،

ج 6 ص 169

والضَّمير فيه يرجعُ إلى الموتة.

(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن (فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَرَجَ) من حجرة النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ) ويقول والله لا أسمع أحدًا يذكر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض إلَّا ضربته بسيفي هذا، وقد سلَّ سيفه.

وكان يقول أيضًا إنَّما أُرسِل إليه صلى الله عليه وسلم كما أرسل إلى موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، فلبثَ عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطعَ أيدي رجالٍ وأرجلهم؛ أي المنافقين، أو المرتدِّين، أو المريدين للخلافة.

وفي رواية كان يقول ذهب محمَّد لميعاد ربِّه كما ذهب موسى لمناجاة ربِّه، وكأنَّ الحامل عليه ما ظنَّه أنَّ هذا من الغشيان المعتاد له صلى الله عليه وسلم، أو ذهوله عن حسِّه، فأحالَ الموت عليه صلى الله عليه وسلم.

ويحتمل أنَّ عمر رضي الله عنه ظنَّ أنَّ أجله صلى الله عليه وسلم لم يأت، وأنَّ الله تعالى منَّ على عبادهِ بطولِ حياته، وقيل وكأنَّه رضي الله عنه رأى في ذلك أن يردعَ المنافقين واليهود إلى أن يجتمعَ المؤمنون، وأمَّا أبو بكر رضي الله عنه فرأى إظهار الأمر تجلُّدًا.

(فَقَالَ) له أبو بكر رضي الله عنه (اجْلِسْ، فَأَبَى) أن يجلسَ لما حصل له من الدَّهشة والحزن (فَقَالَ اجْلِسْ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وفي رواية للمؤلِّف رحمه الله [خ¦3667] أنَّ عمر رضي الله عنه قام يقول والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه أبو بكر رضي الله عنه فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبَّله فقال بأبي وأمي طبت حيًّا وميِّتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقنَّك الله الموتتين أبدًا، ثمَّ خرج فقال أيُّها الحالف على رِسلك _ بكسر الراء؛ أي على مَهْلك _، فلمَّا تكلَّم أبو بكر رضي الله عنه جلس عمر رضي الله عنه فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه. الحديث.

(فَقَالَ) أبو بكر رضي الله عنه (أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران 144] ) فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسِّكين بدينهم بعد خلوِّهم فعليكم أن تتمسَّكوا بدينه بعد خلوه؛ لأنَّ الغرض من بعثة الرَّسول تبليغ الرِّسالة، وإلزام الحجَّة لا وجوده بين أظهر قومه، وسقط في رواية قوله « {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} » .

(إِلَى {الشَّاكِرِينَ} ) يعني تلا قوله تعالى ( {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} ) الفاء معلَّقة للجملة الشرطيَّة بالجملة قبلها، وهي قوله تعالى {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران 144] على معنى التسبب، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلوَّ الرُّسل قبله

ج 6 ص 170

سببًا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أنَّ خلو الرُّسل قبله وبقاء دينهم متمسِّكًا به، يجب أن يجعل سببًا للتمسُّك بدين محمَّد صلى الله عليه وسلم لا للانقلاب عنه، وإنَّما ذكر القتل وقد علم أنَّه لا يقتل لكونه مجوزًا عند المخاطبين.

فإن قيل أمَّا علموه من قوله تعالى {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة 67] فالجواب أنَّ هذا ممَّا يختصُّ بالعلماء وذوي البصيرة، ألا ترى أنَّهم سمعوا بخبر قتله فهربوا في غزوة أحد على أنَّه يحتمل العصمة من فتنة النَّاس وإضلالهم، والمرادُ من الانقلاب على الأعقاب الإدبار عمَّا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم به من أمر الجهاد وغيره.

وقيل الارتداد، وما ارتدَّ أحد من المسلمين ذلك اليوم في تلك الغزوة إلَّا ما كان من قول المنافقين. ويجوز أن يكون على وجه التَّغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإهماله {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} يعني فما ضرَّ إلَّا نفسه؛ لأنَّ الله تعالى لا يجوز عليه المضار والمنافع {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران 144] الذي لم ينقلبوا كأنس بن النَّضر وأضرابه. وسمَّاهم الشَّاكرين؛ لأنَّهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا.

روي أنَّه لمَّا رمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجرٍ فكسر رباعيَّته، وشجَّ وجهه أقبلَ يريد قتله، فذبَّ عنه مصعب بن عُمير وهو صاحب الرَّاية يوم بدر ويوم أحدٍ حتَّى قتله ابن قمئة، وهو يُرَى؛ أي يظنُّ أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد قتلت محمَّدًا، وصرخَ صارخٌ ألا إنَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل.

وقيل كان الصَّارخ الشَّيطان ففشا في النَّاس خبر قتله فانكفئوا؛ أي رجعوا عن موضع الحرب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إليَّ عبادَ الله، حتَّى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم، فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فرُعِبَت قلوبنا فولَّينا مدبرين فنزلت.

وروي أنَّه لما صرخ الصَّارخ، قال بعض المسلمين ليت عبد الله بن أُبي يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين لو كان نبيًّا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم، فقال أنس بن النَّضر عم أنس بن مالك رضي الله عنهما يا قوم إن كان قتل محمَّد، فإن رب محمَّد حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 6 ص 171

فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثمَّ قال اللَّهم إنِّي أعتذر إليك ممَّا يقول هؤلاء، وأبرأ إليك ممَّا جاء به هؤلاء، ثمَّ شدَّ [2] بسيفه فقاتل حتَّى قتل.

وعن بعض المهاجرين أنَّه مر بأنصاري يتشحَّط؛ أي يضطرب في دمه، فقال يا فلان أشعرتَ أنَّ محمَّدًا قد قتل؟ فقال الأنصاري إن كان قتل فقد بلَّغ، قاتلوا على دينكم، وإنَّما تلا أبو بكر رضي الله عنه هذه الآية تعزيًا وتصبُّرًا.

قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (وَاللَّهِ) وفي رواية (لَكَأَنَّ) بتشديد النون (النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ) أي الآية، وفي رواية يعني هذه الآية.

(حَتَّى تَلاَهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ) بصيغة المجهول (بَشَرٌ إِلاَّ يَتْلُوهَا) أي ما يسمع بشر يتلو شيئًا إلَّا يتلو هذه الآية.

وزاد ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ عمر رضي الله عنه إنَّما قال ما مرَّ في المنافقين؛ لأنَّهم أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم، وإنَّ أبا بكر رضي الله عنه ضمَّ إلى تلك الآية {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر 30] يعني أنَّك ستموت، وإن أعداءك أيضًا سيموتون، وقوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء 34] .

وفي الحديث استحباب تسجية الميِّت؛ أي تغطيته بثوب، وحكمتها صيانته عن الانكشاف وستر صورته المتغيِّرة عن الأعين. وفيه جواز تقبيل الميِّت لفعل أبي بكر رضي الله عنه اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم.

وفيه جواز البكاء على الميِّت من غير نوح، وفيه أنَّ الصِّدِّيق رضي الله عنه أفضل من عمر رضي الله عنه، وهذه إحدى المسائل التي ظهر فيها ثاقب علمه، وفضل معرفته، وسداد رأيه، وبارع فهمه، وحسن إسراعه بالقرآن، وَثَبَاتُ نفسه، وكذلك مكانته عند النَّاس، فإنَّه حين تشهَّد مال إليه النَّاس، وتركوا عمر رضي الله عنه، ولم يكن ذلك إلَّا لعظيم منزلته في النُّفوس وسموِّ محلِّه عندهم.

وقد أقرَّ بذلك عمر رضي الله عنه حين مات الصِّدِّيق رضي الله عنه فقال والله ما أحبُّ أن ألقى الله بمثل عمل أحد إلَّا بمثل عمل أبي بكر رضي الله عنه، ولوددت أنِّي شعرة في صدره.

وذكر الطَّبري عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال إنِّي والله لأمشي مع عمر رضي الله عنه في خلافته وبيده الدرَّة، وهو يحدِّث نفسه ويضربُ قدمه بدرَّته ما معه غيري إذ قال لي يا ابن العبَّاس هل تدري ما حملني على مَقالتي التي قلت حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ج 6 ص 172

قلت لا أدري والله يا أمير المؤمنين، قال فإنَّه ما حملني على مَقالتي تلك إلَّا قوله عزَّ وجلَّ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} إلى قوله {شَهِيدًا} [البقرة 143] فوالله إن كنت لأظنُّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى في أمَّته حتَّى يشهدَ عليها. وفيه حجَّة لمالك في قوله في الصَّحابة مخطئ ومصيبٌ في التَّأويل.

وفيه اهتمام عائشة رضي الله عنها بأمر الشَّريعة، وأنَّها لم يشغلْها ذلك عن حفظها ما كان من أمر النَّاس في ذلك اليوم. وفيه غيبة الصِّدِّيق عن وفاته صلى الله عليه وسلم. وفيه الدُّخول على الميِّت من غير استئذان، ويجوز أن يكون عند عائشة رضي الله عنها غيرها، فصار كالمحفل لا يحتاج الدَّاخل إلى إذن. وروي أنَّه استأذن، فلمَّا دخل أذن للنَّاس. وفيه جواز التَّفدية بالآباء والأمَّهات. وفيه تركُ تقليد المفضول عند وجود الفاضل.

ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مروزي وبصري وأيلي ومدني، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4454] ، وفي «فضل أبي بكر» [خ¦3668] . وأخرجه النَّسائي في «الجنائز» ، وكذا ابن ماجه.

[1] في هامش الأصل وهو عمر رضي الله عنه. منه.

[2] في هامش الأصل شد أي حمل وصال. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت