فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 11127

110 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُوسَى) هو ابن إسماعيل المِنْقري البصري التبوذكي (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح المهملة، هو الوضاح اليشكري، وقد تقدم في «الوحي» [خ¦5] .

(عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح المهملة

ج 1 ص 635

على التكبير عثمان بن عاصم بن حصين التابعي الكوفي، سمع ابن عباس وأبا صالح وغيرهما، وروى عنه شعبة والسفيانان وخلق، كان ثقة ثبتًا صاحب سنة من حفاظ الكوفة، وكان عثمانيًا، مات سنة سبع أو ثمان وعشرين ومئة، روى له الجماعة.

قال الغساني (لا أعلم في «الصحيحين» من اسمه حَصين، أو كنيته أبو حَصين _ بفتح الحاء _ إلا هذا، ومن عداه حُصين _ بفتح الحاء المهملة _ إلا حضين بن المنذر فإنه _ بالضاد المعجمة_) .

(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ؛ ذكوان السمان الزيات المدني، وقد مر في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) .

ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رواته ما بين واسطي وبصري وكوفي ومدني، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في الأدب أيضًا [خ¦6197] ، وأخرجه مسلم في مقدمة كتابه مقتصرًا على الجملة الأخيرة، وهي مقصود الباب، وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته؛ للتنبيه على أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يستوي فيه اليقظة والمنام، والله سبحانه أعلم.

(قَالَ تَسَمَّوْا) بفتح التاء والسين والميم المشددة، أمر بصيغة الجمع من التفعل (بِاسْمِي) محمد وأحمدَ وأمثالهما (وَلاَ تَكَنُّوا) بفتح التاء والكاف وتشديد النون المفتوحة من التكني، نهي من باب التفعل أصله (لا تتكنوا) بالتاءين فحذف إحداهما كما في قوله {نَارًا تَلَظَّى} [الليل 14] أو _ بضم التاء وفتح الكاف وضم النون المشددة _ من التكنية من باب التفعيل، أو _ بفتح التاء وسكون الكاف وضم النون المخففة من الثلاثي _ وفي رواية _ بفتح التاءين بينهما كاف ساكنة _ من الاكتناء من باب الافتعال وكلها من الكنية.

(بِكُنْيَتِي) ؛ وهي بضم الكاف أو بكسرها اسم مصدر بأبٍ أو أمٍّ، اعلم أن العَلَم إما أن يكون مشعرًا بمدح أو ذم، وهو اللقب، وإما أن لا يكون، فإما أن يصدَّر بنحو الأب أو الأم، وهو الكنية أو لا وهو الاسم، فاسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه رسول الله، وسيد المرسلين مثلًا صلى الله عليه وسلم، واعلم أنه قد اختلف العلماء في هذه المسألة

فقال أهل الظاهر لا يحل التكني بكنيته أبي القاسم لأحد مطلقًا سواء كان اسمه محمدًا أو أحمدَ، أو لم يكن، احتجاجًا بهذا الحديث ونحوه، وبه قال الشافعي رحمه الله.

ج 1 ص 636

قال الربيع (قال الشافعي ليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمدًا أو لم يكن) ، وقال القاضي (منع قومٌ التسمية بالقاسم كيلا يكون سببًا للتكنية) ، ويؤيد هذا قوله فيه (( إنما أنا قاسم ) ) [خ¦71] فأخبر صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي اقتضى اختصاصه بهذه الكنية.

وقال قوم يجوز التكني بأبي القاسم لغير من اسمه محمد أو أحمد، ويجوز التسمية بأحمد ومحمد ما لم يكن له كنية أبي القاسم، وقد روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم (( من تسمى باسمي فلا يتكنَّ بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي ) )، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين اسمه وكنيته) .

وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي [1] وطلحة رضي الله عنهما، وهو قول الجمهور من السلف، وقد سمت جماعة أبناءهم محمدًا، وكنوهم أبا القاسم.

وقال المازري قال بعضهم النهي مقصور بحياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما ذكر في سبب ورود الحديث من أن رجلًا نادى يا أبا القاسم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لم أَعْنِكَ وإنما دعوت فلانًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي ) ).

وبه قال مالك، وجوز أن يسمى محمدًا، ويكنى بأبي القاسم مطلقًا، وقيل إن سبب النهي أن اليهود تكنوا به وكانوا ينادون يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لم نعنك للإيذاء، وقد زال ذلك المعنى. وقال ابن جرير (إنما كان النهي للتنزيه والأدب لا للتحريم) .

(وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) ؛ تقدير الكلام هنا من رآني في حالة النوم فليستبشر، فإنه قد رأى حقيقتي على كمالها بلا شبهة ولا ارتياب فيما رأى، فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا صورةً دل ذلك على الكمال والغاية نحو قوله صلى الله عليه وسلم (( من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) ) [خ¦54] . ونحو قولهم من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى؛ أي أدرك مرعىً متناهيًا في الكمال.

(فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) مشتق إما من شاط؛ أي هلك فهو فعلان، أو من شطن؛ أي بَعُد فهو فيعال، والمراد به إبليس، إما شخصه، فاللام للعهد، وإما نوعه فاللام للجنس، ويسمى كل عاتٍ متمرد من الجن والإنس والدواب أيضًا شيطانًا، والعرب تسمي الحية شيطانًا. وقال الجوهري (نونه أصلية) ، ويقال زائدة، فإن جعلته فيعالًا صرفية، وإن جعلته فعلانًا لم تصرفه.

(لاَ يَتَمَثَّلُ) أي لا يتصور، يقال مَثَّلثُ له كذا تمثيلًا؛ أي صورت له بالكتابة وغيرها، فتصور، قال الله تعالى {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم 17] ، والتركيب

ج 1 ص 637

يدل على مناظرة الشيء للشيء ومشابهته به.

(فِي صُورَتِي) اختلف في معنى الصورة فقيل أي في صفتي، وهي صفة الهداية، وقيل هي على حقيقته؛ أي الشكل المعلوم المشاهد له صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الظاهر، ولذا وضعوا لرؤيته صلى الله عليه وسلم ميزانًا، وقالوا رؤيته عليه السلام هي أن يراه الرائي بصورة شبيهة لصورته الثابتة حليتها بالنظر الصحيح، حتى لو رآه في صورة مخالفة لصورته التي كان عليها في الحس لم يكن رآه صلى الله عليه وسلم، مثل أن يراه طويلًا أو قصيرًا جدًا، أو يراه أشعر، أو شيخًا، أو شديد السمرة، أو نحو ذلك.

وفيه حفظ الله سبحانه وتعالى كما حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم حال اليقظة من تمكُّن الشيطان منه، وإيصال الوسوسة إليه، كذلك حفظه بعد خروجه من دار التكليف، فإنه لا يقدر أن يتمثل بصورته، وأن يخيَّل للرائي أنها صورته صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يكذب على لسانه في النوم، فلا احتياج لمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بأيِّ صورة كانت أن يعبر هذا، ويظن أنه شيء آخر، وإن رآه بغير صورته في حياته صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الله تعالى خرق العادة للأنبياء عليهم السلام كذا ذكره ميرك، وقال النووي (وكذلك جميع الأنبياء والملائكة عليهم السلام لا يُتمثَّل بهم) .

اعلم أنه قد جاء في الحديث أربعة ألفاظ صحاح ما ذكره (( ومن رآني فقد رأى الحق ) ) [خ¦6996] ، وجاء (( فسيراني في اليقظة ) ) [خ¦6993] ، وجاء (( فكأنما رآني في اليقظة ) )، وفي رواية (( فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي ) )، وفي الثاني تفسير للأول، فتأمل.

قال المازري وغيره اختلف في تأويله

فقال القاضي أبو بكر بن الطيب (معنى قوله(( فقد رآني ) )أي رأى الحق، ورؤياه ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيه الشيطان وتمثيله، وقوله (( فإن الشيطان لا يتمثَّل ) )إشارة إليه)، قال (فقد يراه الرائي على غير صفته المنقولة إلينا كأبيض اللحية، أو على خلاف لونه، أو يراه اثنان في زمان واحد أحدهما بالمشرق، والآخر بالمغرب، يراه كل واحد في مكانه) .

وقال آخرون بل الحديث على ظاهره، والمراد أن من رآه فقد أدركه عليه الصلاة والسلام، ولا مانع منه، والعقل لا يحيله، وما يذكر من الاعتلال بأنه قد يراه على خلاف صفته المعروفة، أو في مكانين معًا، فذلك غلط من الرائي في صفاته، ويخيل له على خلاف ما هي عليه، وقد يرى الظان بعض الخيالات مرئيًا؛ لكون ما يتخيل مرتبطًا بما يرى في العادة، فتكون ذاته عليه الصلاة والسلام مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار، ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي مدفونًا في الأرض، ولا ظاهرًا عليها، وإنما يشترط كونه موجودًا، ولم يقم فيه دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم، بل جاء في الأحاديث ما يدل على بقاء جسمه صلى الله عليه وسلم، وأن الأنبياء لا تغيرهم الأرض.

والحاصل أن رؤيته صلى الله عليه وسلم على وجوه مختلفة من الصفات المتخيلة تدل على اختلاف أحوال الرائين، فقد ذُكِر أنه إذا راه شيخًا فهو عام سِلم، وإذا رآه شابًا فهو عام حربٍ، وإذا رآه حسن الهيئة حسن الأقوال والأفعال متبسمًا مقبلًا على الرائي فهو مستمسك بسنته، ويدل على كمال وجاهته وظفره وصلاح حاله، وإذا رآه على خلاف ذلك كان على خلاف ذلك.

ولا يلحق النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك شيء، فإنه كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها ما يقابلها باعتبار الصفات المتخيلة، وإن كان ذاته صلى الله عليه وسلم وصفاته في حد ذاته على أحسن حال.

وقد يرجع ذلك إلى محل الرؤيا كما رُوي أنه صلى الله عليه وسلم رُئِيَ في قطعة من مسجد كأنه ميت، فعبَّره بعض العارفين بأن دخول تلك

ج 1 ص 638

البقعة في المسجد ليس على طريق السنة، ففتش عنها، فوجدت أنها كانت مغصوبة.

وقال القاضي عياض، وأبو بكر بن العربي (إن رآه صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال، وتكون رؤيا تأويل، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهها، ومنها ما يحتاج إلى تأويل) .

وقال النووي (القول الثالث ضعيف، بل الصحيح هو القول الثاني) ، هذا ويقال معنى قوله (( فقد رآني ) )فقد رأى مثالي بالحقيقة؛ لأن المرئي في المنام مثال.

وقوله (( فإن الشيطان لا يتمثل. .. إلى آخره ) )يدل على ذلك ويقرب منه ما قال حجة الإسلام الغزالي (من أنه ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني، بل رأى مثالًا صار ذلك المثال آلة يتأدَّى بها المعنى الذي في نفس الأمر، وكذا قوله(( فسيراني في اليقظة ) )ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني. فالحق أن الشكل المرئي ليس روحه صلى الله عليه وسلم ولا شخصه، بل مثاله على التحقيق، وكذا رؤيته تعالى نومًا، فإن ذاته منزه عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، وهو آلة حقًا في كونه واسطة في التعريف، فقول الرائي رأيت الله نومًا، لا يعني به إني رأيت ذاته تعالى كما يقال في حق غيره، فمن قال رأيته صلى الله عليه وسلم نومًا لم يرد رؤية حقيقة شخصه المودعة في روضة المدينة بل مثاله، وهو مثال روحه المقدس عن الشكل والصورة). انتهى.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات (( فسيراني في اليقظة ) )فقد قيل إنه إشارة إلى بشارة الرائي بحصول موته على الإسلام، ووصول رؤيته في دار المقام، ويقويه ما رواه جماعة، وصححه الترمذي بلفظ (( فقد رآني في اليقظة ) ).

وقيل إنه مختص بأهل زمانه صلى الله عليه وسلم؛ أي من رآني في المنام ممن لم يهاجر يوفقه الله تعالى لرؤيتي في اليقظة، فتكون رؤيته في المنام علمًا على أنه سيهاجر إليه، ويراه في اليقظة، ولا يخفى بعده من وجوه

أما أولًا فلعموم «من» .

وأما ثانيًا فلأنه يحتاج إلى تقييده بأن لم يره قبل ذلك.

وأما ثالثًا فلأنه يحتاج إلى تقييد [2] رؤية اليقظة بالإيمان، فإن رؤيته بغيره كلا رؤيته سواء فيه الرؤيا والرؤية [3] .

وقال القاضي عياض (يحتمل أن رؤياه نومًا بصفته المعروفة موجبة لتكرمة الرائي برؤية خاصة في الآخرة إما بقرب، أو شفاعة بعلو درجته، أو نحو ذلك) ، قال(ولا يبعد

ج 1 ص 639

أن يعاقب بعض المذنبين بالحجب عنه صلى الله عليه وسلم في القيامة مدة).

وقيل معناه فسيراني في المرآة التي كانت آلة له صلى الله عليه وسلم كما حكي عن ابن عباس رضي الله عنه (أنه لما رآه نومًا دخل على بعض أمَّهات المؤمنين ـ قال الجلال السيوطي وأظنها ميمونة رضي الله عنها ـ فأخرجت مرآته صلى الله عليه وسلم، فرأى صورته ولم ير صورة نفسه) ، قال بعض الحفاظ هو من أبعد المحامل، وقال المولى علي القاري لو صح هذا فهو إما معجزة له صلى الله عليه وسلم، أو كرامة لابن عباس رضي الله عنهما.

وذكر ابن أبي جمرة عن جمع أنهم حملوا ذلك على أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم نومًا فسيراه في الدنيا يقظة، كما روي عن جماعات من الصالحين أنهم رأوه نومًا فرأوه يقظة، وفيه نظر.

ودُفِعَ في «شرح الشمائل» للمولى علي القاري، وقد أفرد الإمام السيوطي لذلك رسالة، والله أعلم.

ثم اعلم أن الرؤيا ثلاثة أقسام

رؤيا من الله وهو ما يريه الملَك الموكَّل على الرؤيا، وقد وكل عليها ملك يضرب من الحكمة الأمثال، وقد أطلعه الله سبحانه على قصص بني آدم من اللوح المحفوظ، فهو ينسخ منها ويضرب لكل على قصته مثلًا، فإذا نام يمثل له الملك تلك الأشياء على طريق الحكمة؛ ليكون له بشارة، أو نذارة، أو معاتبة؛ ليكونوا على بصيرة من أمرهم، فذلك حق.

ورؤيا من الشيطان وهو ما يريه ويمثله الشيطان.

ورؤيا تحديث نفس وهو ما يحدث به المرء نفسه.

والحديث نفى القسم الثاني منها، وأما القسم الثالث فقد قيل أنه لا يجوز أيضًا في حق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاجتماع بين الشخصين يقظة ومنامًا يحتاج إلى حصول ما به الاتحاد، وله خمسة أصول كلية الاشتراك في الذات، أو في صفة فصاعدًا، أو في حال فصاعدًا، أو في الأفعال، أو في المراتب، وكل ما يتعقل من المناسبة بين شيئين أو أشياء لا يخرج عن هذه الخمسة، وبحسب قوته على ما به الاختلاف، وضعفه يكثر الاجتماع ويقل، وقد يقوى على ضده، فتقوى المحبة بحيث يكاد الشخصان لا يتفرقان، وقد يكون بالعكس، ومن حصل له الأصول الخمسة، وثبتت المناسبة بينه وبين أرواح الماضين اجتمع بهم متى شاء، وحديث المرء نفسه ليس مما يحصل بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم مناسبة كذلك؛ ليكون سبب الاجتماع بخلاف الملك الموكل، فإنه يمثل ما في اللوح المحفوظ كما عرفت، والله أعلم.

فإن قيل إن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت حقًا، فهل يكون من رآه صحابيًا أو لا؟، فالجواب أنه لا يكون صحابيًا، إذ لا يصدق تعريفه عليه، وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم، أو رآه النبي

ج 1 ص 640

مؤمنًا به، والمراد من اللُّقيِّ والرؤية المعهود منهما، وهو الذي في حياته عليه الصلاة والسلام في الدنيا بعد ما كان مبعوثًا، ولهذا يقال مدة نبوته صلى الله عليه وسلم ثلاث وعشرون سنة.

وأما الحديث المسموع عنه صلى الله عليه وسلم، فلا يكون حجة يستدل بها أيضًا، إذ يشترط في الاستدلال أن يكون الراوي ضابطًا عند السماع، والنوم ليس حال الضبط، والله أعلم.

(وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) ؛ قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أربعة أحكام عطف بعضها على بعض الأول التسمي باسمه، والثاني عدم التكني بكنيته، والثالث رؤيته في المنام، والرابع الكذب عليه.

ووجه ذكر الحكم الثاني عقيب الحكم الأول ظاهر؛ لأنهما من واد واحد، وكذلك وجه ذكر الحكم الرابع عقيب الحكم الثالث؛ لأنه إذا كذب عليه بأنه رآه في المنام فهو داخل تحت الوعيد المذكور، وأما وجه ذكر الحكم الثالث عقيب الحكم الثاني فهو أنه عليه السلام لما نهى عن التكني بكنيته؛ لئلا يشتبه غيره به، خطر بباله الشريف أن الشيطان لا يقدر أن يتشبه به لا يقظة ولا منامًا، فلما كان عدم تشبهه به يقظة لا يشتبه على أحد اقتصر على بيان عدم قدرته على أن يتصور بصورته منامًا.

وقد أحسن المؤلف رحمه الله في ترتيب أحاديث الباب؛ لأنه بدأ بحديث علي رضي الله عنه [خ¦106] ؛ لأن فيه النهي عن الكذب عليه صريحًا وبيان الوعيد للكاذب، والمراد من عقد الباب ذلك. ثم ثنَّى بحديث الزبير رضي الله عنه [خ¦107] لزيادة فيه، وهي التنبيه على توقي الصحابة وتحرزهم من كثرة الرواية عنه المؤدية إلى انجرار الكذب والخطأ، وكذلك التابعون، حتى إن منهم من كان يهاب رفع الحديث، فيوقفه على الصحابة ويقول الكذب عليهم أهون من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولقد دار بين الزهري وربيعة معاتبة فقال ربيعة للزهري (إنما أخبر الناس برأيي إن شاؤوا أخذوا، وإن شاءوا تركوا، وأنت إنما تخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر ما تخبرهم به) .

ثم عقَّب ذلك بحديث أنس [خ¦108] ؛ للتنبيه على أن توقيهم وامتناعهم إنما كان من الإكثار المفضي إلى الخطأ لا من أصل التحديث؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، ثم ربَّع بحديث سلمة [خ¦109] ؛ لما فيه من التصريح بالقول، فإن الأحاديث التي قبله أعم من نسبة القول أو الفعل

ج 1 ص 641

إليه صلى الله عليه وسلم، ثم ختم الأربعة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦110] ؛ لما فيه من الإشارة استواء تحريم الكذب عليه في كل حال سواء كان في اليقظة أو في المنام.

ثم من فوائد أحاديث الباب أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم أنواع الكذب حرمة بعد كذب الكافر على الله تعالى، فإن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد الجويني من أصحاب الشافعي حيث قال (من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم متعمدًا كَفَر، وأُريق دمه) ، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين وجعله من هفوات والده، ومال ابن المُنيِّر إلى اختياره ووجَّهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا، لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلالهِ واستحلالُ الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر أيضًا وفيه نظر لا يخفى. والجمهور على أنه لا يكفر إلا إن اعتقد حل ذلك.

فإن قيل فما الفرق بين الكذب عليه، والكذب على غيره مع استواء الوعيد في حق الكاذبين؟، فالجواب أنه لا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحدًا أو طول إقامتهما سواء فقد دل قوله صلى الله عليه وسلم (( فليتبوأ ) )على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها؛ لأنه لم يجعل له منزلًا غيره إلا أن الأدلة القطعية قد قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين.

وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الكذب عليه، وبين الكذب على غيره كما مر، وكما سيأتي في الجنائز إن شاء الله تعالى [خ¦1291] .

ثم إن كذب في حديث واحد عمدًا، قال النووي (فُسِّقَ ورُدَّت روايته كلها) ، وقال ابن الصلاح (ولا يقبل منه رواية أبدًا، ولا تقبل توبته منه، بل يتحتم جرحه دائمًا) على ما ذكره جماعة من العلماء منهم أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من الفقهاء الشافعية، حتى قال الصيرفي (كل من أسقطنا خبره بين أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نَعُد لقبوله بتوبة تظهر منه، ومن ضعَّفنا نقله لم نجعله قويًا بعد ذلك) قال (وذلك مما افترقت فيه الشهادة والرواية) .

وقال النووي (هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة مخالف للقواعد والمختار هو القطع بصحة توبته من ذلك، وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، وقد أجمعوا على قبول رواية من كان كافرًا ثم أسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة) انتهى.

نعم قد قيل عن مالك رحمه الله في شاهد الزور إذا ثبت عليه شهادة الزور لا تسمع له

ج 1 ص 642

شهادة بعدها تاب أو لم يتب.

وقد قال إمامنا أبو حنيفة، والإمام الشافعي رحمهما الله فيمن رُدَّت شهادته بالفسق ثم تاب وحسنت حاله لا يقبل منه إعادتها؛ لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه.

قال إمامنا أبو حنيفة رحمه الله (إذا ردت شهادة أحد الزوجين للآخر، ثم تاب لا تُسمع للتهمة، فلا يبعد أن يجيء مثله هاهنا؛ لأن الرواية كنوع من الشهادة) .

ومنها أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه بين الأحكام وغيرها كالترغيب والترهيب فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع المسلمين المعتد بهم خلافًا للكرامية في زعمهم الباطل أنه يجوز الوضع في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ثبت بالقرآن والسنة، واحتجوا بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل بلسان العرب وخطاب الشرع، فإن كل ذلك كذب عندهم على الرسول وافتراء عليه صلى الله عليه وسلم وتابعهم كثير من الجهال الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد، وقد تمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت وهي ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ (( من كذب علي ليضل به الناس ) )الحديث، وفيه أنه قد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، وقد قيل إن هذه زيادة باطلة.

وقال الإمام الطحاوي ولو صحت لكانت لتخصيص بعض أفراد العالم بالذكر لتأكيد الأمر فيها، لا لاختصاص الحكم، فلا مفهوم له؛ كقوله تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ} [الأنعام 144] ، وقوله تعالى {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران 130] ، وقوله تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام 151] ، فإن قَتْل الأولاد ومضاعفة الربا والإضلال في هذه الآيات إنما هي لتأكيد الأمر فيها، لا لاختصاص الحكم.

ويقال أيضًا ليست اللام فيه للتعليل، بل للصيرورة والعاقبة، والمعنى أن مآل أمره إلى الضلال كما في قوله تعالى {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص 8] .

ومنها أن من روى حديثًا وعلم أو ظن أنه موضوع فهو داخل تحت هذا الوعيد إذا لم يتبين حال رواته وضعفهم، ويدل عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم (( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) )، قال النووي الرواية المشهورة _ ضم الياء _ في «يُرى» ، _ وكسر الباء _ في «الكاذبِين» على الجمع.

ومنها أن مَن رُوَي حديثًا ضعيفًا لا يذكره بصيغة الجزم نحو قال أو فعل أو أمر ونحو ذلك، بل يقول رُوي عنه كذا، وجاء عنه كذا، أو يُذكر، أو يُحكى، أو يُقال،

ج 1 ص 643

أو بلغنا ونحو ذلك، فإن كان صحيحًا أو حسنًا قال فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعله، ونحو ذلك من صيغ الجزم.

وقال القرطبي (استجار بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبه قولية وحكاية فعلية، فيقول في ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، قال ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين، فهؤلاء شملهم النهي والوعيد) .

ثم إنه مما يُظن دخوله في النهي اللحن وشبهه، ولهذا قال العلماء ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم به من قول ما لم يقل، وقال الأصمعي (أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم(( من كذب علي ) )الحديث؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يلحن، فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه).

وكان الأوزاعي يعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصلحها، فإذا صح في روايته كلمة غير مفيدة، فله أن يسأل عنها أهل العلم، ويرويها على ما يجوز فيه، رُوِي ذلك عن أحمد وغيره، وقال أحمد يجب إعراب اللحن؛ لأنهم كانوا لا يلحنون.

وقال النسائي فيما حكاه القابسي (إذا كان اللحن شيئًا يقوله العرب وإن كان لا يوجد في لغة قريش فلا يُغِّيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم الناس بلسانهم وإن كان لا يوجد في كلامهم فالشارع لا يلحن) .

وقال الأوزاعي (كانوا يعربون، وإنما اللحن من جملة الحديث، فأعربوا الحديث) .

وقيل للشعبي أسمعُ الحديثَ وليس بمعرب أفأعربه؟ قال نعم، ولو صح في الرواية ما هو خطأ، فالجمهور على روايته على الصواب، ولا يغيره في الكتاب، بل يكتب في الحاشية كذا وقع، وصوابه كذا وهو الصواب، وقيل يغيره ويصلحه، روي ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما.

وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال (كان أبي إذا مر به لحن فاحش غيَّره، وإن كان سهلًا تركه) ، وعن أبي زرعة أنه كان يقول (أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث إلى اليوم) .

ومما يتعلق بهذا الباب بيان أصناف الواضعين فمنهم قوم زنادقة كالمغيرة بن سعيد الكوفي، ومحمد بن سعيد المصلوب؛ أرادوا إيقاع الشك

ج 1 ص 644

في قلوب الناس فرووا أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله، ومنهم قوم متعصبون، منهم من تعصَّبَ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فوضعوا فيه أحاديث، ومنهم من تعصب لمعاوية رضي الله عنه، ورووا له أشياء، ومنهم من تعصب لأبي حنيفة رحمه الله. ومنهم قوم وضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب. وعن ابن الصلاح قال (رُوِّيت عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه قيل له من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، فقال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي أبي إسحاق، فوضعت هذا الحديث) ، وقال يحيى بن نوح (هذا ليس بشيء لا يكتب حديثه) ، وقال مسلم وأبو حاتم والدارقطني (متروك) .

هذا وقال ابن حبان (وضع الحسن بن علي بن زكريا العدوي الرازي حديث(( النظر إلى وجه علي عبادة ) )، وحدَّث عن الثقات لعله يزيد على ألف حديث سوى المقلوبات).

وقال الخطيب في «الكفاية» بسنده إلى المهدي قال (أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث فهي تجول بين الناس) .

ثم اعلم أن الحديث الموضوع يُعرف بإقرار واضعه، أو ما ينزل منزلة إقراره، أو بقرينة في حال الراوي، أو المروي، أو ركاكة لفظه، أو الرواية عمن لم يدركه، ولا يخفى ذلك على أهل هذا الشأن، قيل لعبد الله بن المبارك كيف تكون هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال (يعيش لها الجهابذة) .

وأما جهات الوضع فربما يكون من كلام نفسه، أو يأخذ كلامًا من مقالات بعض الحكماء، أو كلام بعض الصحابة فيرفعه، كما رُوي عن أحمد بن إسماعيل السهمي، عن مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا الإمام ) )، وهو في «الموطأ» عن وهب عن جابر من قوله وربما أخذوا كلامًا للتابعين فزادوا فيه رجلًا فرفعوه.

وقوم من المجروحين عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد معلومة معروفة، وضعوا لها غير تلك الأسانيد، وقوم عندهم غفلة إذا لُقَّنوا تَلقَّنوا، وقوم ضاعت كتبهم فحدثوا من حفظهم على التخمين، وقوم سمعوا مصنفات، وليست عندهم فحملهم الشره إلى أن حدثوا من كتب مشتراة ليس فيها سماع ولا مقابلة، وقوم كثير ليسوا من أهل هذا الشأن.

سئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار، ومحمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان

ج 1 ص 645

قال (ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث؛ لأنهم يكتبون عن كل من يلقون لا تمييز لهم) .

وروى الخطيب بسنده عن ربيعة الرأي قال (من إخواننا من نرجو بركة دعائه، ولو شهد عندنا بشهادة ما قبلناها) .

وعن مالك (أدركت سبعين عند هذه الأساطين _ وأشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم _ يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أخذت عنهم شيئًا، وإن أحدهم يُؤمَن على بيت المال؛ لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وكان يزدحم على باب محمد بن مسلم الزهري رحمهما الله تعالى) .

تتمة قال الحافظ العسقلاني

قد أخرج البخاري حديث «من كذب علي» من حديث المغيرة، وهو في «الجنائز» [خ¦1291] ، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في أخبار بني إسرائيل [خ¦3461] ، ومن حديث واثلة بن الأسقع، وهو في «مناقب قريش» [خ¦3509] ، لكن ليس هو بلفظ الوعيد بالنار صريحًا.

واتفق مسلم معه على تخريج حديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة، وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد، وصح أيضًا في غير «الصحيحين» من حديث عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عمر وأبي قتادة وجابر وزيد بن أرقم.

وورد بأسانيد حسان من حديث طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر، وعمران بن حُصين، وسلمان الفارسي، ومعاوية بن أبي سفيان، ورافع بن خَديج، وطارق الأشجعي، والسائب بن يزيد، وخالد بن عُرفطة، وأبي أُمامة، وأبي قِرْصافة، وأبي موسى الغافقي، وعائشة، فهؤلاء ثلاثون نفسًا من الصحابة رضي الله عنهم.

وورد أيضًا عن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، فأول مَنْ وقفت على كلامه في ذلك علي ابن المديني، وتبعه يعقوب بن أبي شيبة فقال (روي هذا الحديث من عشرين وجهًا عن الصحابة من الحجازيين وغيرهم) ، ثم إبراهيم الحربي، وأبو بكر البزار فقال كل منهما (إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة) .

وجمع طرقه في ذلك العصر أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلًا.

وقال أبو بكر الصيرفي شارح «رسالة الشافعي» (رواه ستون نفسًا من الصحابة رضي الله عنهم) ،

ج 1 ص 646

وجمع طرقه الطبراني فزاد قليلًا.

وقال أبو القاسم بن منده (رواه أكثر من ثمانين نفسًا) ، وجمع طرقه ابن الجوزي في «مقدمة كتاب الموضوعات» فجاوز التسعين، وبذلك جزم ابن دِحْية.

وقال أبو موسى المديني (يرويه نحو مئة [4] من الصحابة، وقد جمعها بعده الحافظان يوسف بن خليل وأبو علي البكري، وهما متعاصران، فوقع لكل منهما ما ليس عند الآخر، وتحصَّل من مجموع ذلك رواية مئة من الصحابة على ما فُصِّل من صحيح وحسن وضعيف وساقط، مع أن فيها ما هو من مطلق ذم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص، ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر) .

ونازع بعض مشايخنا في ذلك بأن شرط المتواتر استواء طرفيه، وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في كل طريق بمفردها.

وأجيب بأن المراد بإطلاق كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، وأيضًا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم، وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن نوفل، فلو قيل في كل منها إنه متواتر عن صحابيه لكان صحيحًا، فإن العدد المعيَّن لا يشترط في التواتر، بل ما أفاد العلم كفى والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه، كما قررته [5] في «نكت علوم الحديث» وفي «شرح نخبة الفكر» .

وبينت هناك الرد على من ادعى أن مثال المتواتر لا يوجد إلا في هذا الحديث، وبينت أن أمثلته كثيرة منها حديث (( من بنى لله مسجدًا ) )، والمسح على الخفين، ورفع اليدين، والشفاعة، والحوض، ورؤية الله في الآخرة، والأئمة من قريش، وغير ذلك والله المستعان.

وأما ما نقله البيهقي عن الحاكم، ووافقه أنه جاء من رواية العشرة المبشرة قال (وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره؛ فقد تعقبه غير واحد، لكن الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجوزي وغيره، والثابت منها ما قدَّمتُ ذكره؛ فمن الصِّحاح علي والزبير، ومن الحسان طلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة، ومن الضعيف المتمسك حديث عثمان، وبقيتها ضعيف أو ساقط) . انتهى كلام العسقلاني.

ج 1 ص 647

وقال بعضهم رواه مائتان من الصحابة، وقال بعض آخر أخرج من نحو أربعمئة طريق، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل وحديث علي رضي الله عنه أخرجه أبو داود في (( سننه ) )من حديث محمد ابن الحنفية قال قال علي رضي الله عنه يا رسول الله إن ولد لي من بعدك أنسميه باسمك ونكنيه بكنيتك، قال (( نعم ) )، هذا وقال أحمد بن عبد الله ثلاثة تكنوا بأبي القاسم رخص لهم محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله. منه.

[2] (( قوله بأن لم يره قبل ذلك وأما ثالثًا فلأنه يحتاج إلى تقييد ) )ليس في (خ) .

[3] سواء في الرؤيا_أي الحلمية_ أو الرؤية البصرية.

[4] في هامش الأصل وقد فصل تلك المئة محمود العيني في شرحه. منه.

[5] تعليق الهاء عائدة على الحافظ ابن حجر لأنه صاحب هذه الكتب والمؤلف هنا نقل عنه وسيعزو إليه في آخر النقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت