فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 11127

111 - (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلاَمٍ) أي كما في رواية، وسلام _ بتخفيف اللام _ وقد يشدده من لا يعرف كذا قيل، وقال الدارقطني بالتشديد لا بالتخفيف، هو أبو عبد الله البيكندي، وقد مر في كتاب «الإيمان» [خ¦20] .

(قَالَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) أي ابن الجراح بن مليح الرُّؤَاسي _ بضم الراء وفتح الهمزة وبالسين المهملة _ من تابعي التابعين بالكوفة، أصله من قرية من قرى نيسابور، أو سمرقند، أو أصبهان، روى عن الأعمش وغيره، وعنه أحمد وقال (إنه أحفظ من ابن مهدي) ، وقال أيضًا (ما رأيت أوعى للعلم، ولا أحفظ من وكيع، ما رأيته شك في حديث إلا يومًا واحدًا، ولا رأيت معه كتابًا ولا رقعة قط) ، قال (وهو أحب إلي من يحيى بن سعيد، فقيل له كيف؟ فقال كان وكيع صديقًا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره وكيع، وكان يحيى صديقًا لمعاذ بن معاذ، فولي القضاء ببغداد، فلم يهجره يحيى) .

وقال ابن معين ما رأيت أحفظ من وكيع، وقال حماد بن زيد لو شئت لقلت وكيع أرجح من سفيان، وكان يفتي بقول أبي حنيفة رحمه الله، وكان قد سمع منه شيئًا كثيرًا، مات بفِيْد منصرفًا من الحج، يوم عاشوراء، سنة سبع وتسعين ومئة.

(عَنْ سُفْيَانَ) قال الكرماني (يحتمل أن يراد به الثوري، وأن يراد به ابن عيينة؛ لأن وكيعًا يروي عنهما، وهما يرويان عن مطرف) ، ولا قدح بهذا الالتباس في الإسناد؛

ج 1 ص 648

لأن أيًا ما كان منهما فهو إمام حافظ ضابط، عدل مشهور، على شرط البخاري، ولهذا يروي لهما في «الجامع الصحيح» كثيرًا.

وقال الحافظ العسقلاني (هو الثوري؛ لأن وكيعًا مشهور بالرواية عنه، ولو كان ابن عيينة لنسبه؛ لأن القاعدة في كل من روى عن متفقي الاسم أن يحمل من أهمل نسبته على من يكون له به خصوصية من إكثار ونحوه، ووكيع قليل الرواية عن ابن عيينة، بخلاف الثوري) .

وتعقبه محمود العيني (بأن ما ذكره ليس يصلح مرجحًا لأن يكون سفيان هذا هو الثوري بعد أن ثبت رواية وكيع عن سفيانين كلاهما، وروايتهما عن مطرف) ، على أن أبا مسعود الدمشقي قال في (( الأطراف ) ) (هذا هو سفيان بن عيينة) ، وقال الغساني في كتابه «تقييد المهمل» (هذا الحديث محفوظ عن ابن عيينة) ، هذا فالأولى أن ينبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى.

(عَنْ مُطَرِّفٍ) هو بضم الميم وفتح المهملة وكسر الراء المشددة وبالفاء، ابن طريف _ بطاء مهملة أيضًا _ أبو بكر، ويقال أبو عبد الرحمن الكوفي الحارثي، نسبه إلى بني الحارث بن كعب، ويقال الخارفي _ بالخاء المعجمة وبالفاء _ نسبة إلى خارف بن عبد الله، وثقه أحمد وغيره، ونقل عنه أنه قال ما يسرني إن كذبت كذبة وأن لي الدنيا كلها، وقال داود بن عُلَّية (ما أعرف عربيًا ولا عجميًا أفضل من مطرف) ، مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة، روى له الجماعة.

(عَنِ الشَّعْبِيِّ) ؛ وفي «الديات» عند المؤلف «سمعت الشَّعْبي» [خ¦6903] _ بفتح المعجمة وسكون المهملة _ وقد مر في باب، «المسلم من سلم المسلمون» ؛ [خ¦10] (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) وفي «الديات» عنده أيضًا «سمعت أبا جُحَيفة» [خ¦6903] _ بضم الجيم وفتح المهملة وبالفاء _ هو وهب بن عبد الله السُّوَائي _ بضم المهملة وتخفيف الواو وبالمد _ الكوفي، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة، وكان علي رضي الله عنه يكرمه، ويحبه، ويثق به، ويسميه وهب الخير، وقد جعله على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، ونزل الكوفة، وتوفي بها سنة اثنتين وسبعين، وكان من صغار الصحابة، قيل توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يبلغ الحلم.

(قَالَ) أي إنه قال (قُلْتُ لِعَلِيٍّ) وفي رواية (هَلْ عِنْدَكُمْ) أي أهل البيت النبوي، أو الجمع للتعظيم (كِتَابٌ) أي مكتوب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوحي إليه، ويدل عليه ما رواه المؤلف في «الجهاد» [خ¦3047] (( هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله )

ج 1 ص 649

وفي روايته الأخرى في «الديات» [خ¦6903] (( هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ) ).

وفي «مسند إسحاق بن راهويه» عن جرير، عن مطرف (( هل علمت شيئًا من الوحي ) )، وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أنه صلى الله عليه وسلم خص أهل بيته، لاسيما علي بن أبي طالب بأسرار من علم الوحي لم يطلع غيرهم عليها، أو لأنه كان يرى منه علمًا لم يجده عند غيره، وقد سأل عليًا رضي الله عنه عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عُبَاد _ بضم المهملة وتخفيف الموحدة _ والأشتر النخعي، وحديثهما في «سنن النسائي» .

(قَالَ) علي رضي الله عنه (لاَ) وفي رواية المؤلف في «الجهاد» [خ¦3047] (( لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ) )أي لا كتاب عندنا، (إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ) بالرفع؛ لأنه بدل من المستثنى منه، والاستثناء متصل، إذ لو كان من غير جنسه؛ لكان قوله الآتي (أو فهم) منصوبًا؛ لأنه عطف عليه، قال الحافظ العسقلاني الظاهر أن الاستثناء فيه منقطع منظور فيه).

(وَفَهْمٌ) هو جودة الذهن، (أُعْطِيَهُ) على صيغة المجهول وفتح الياء (رَجُلٌ مُسْلِمٌ) والمراد من الفهم ما يفهمه الرجل من فحوى الكلام، ويدركه من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه، والدليل عليه ما رواه البخاري في «الديات» بلفظ (( ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يُعطَى رجل في الكتاب ) ) [خ¦6903] . فالاستثناء الأول مفرغ، والثاني منقطع، والمعنى إلا ما في القرآن من الأشياء المنصوصة، لكن إن أعطى الله رجلًا فهمًا في كتابه فهو يقدر على استنباط أشياء أخرى خارجة عن ظاهر النص، فتحصل عنده الزيادة بهذا الاعتبار.

ومن الدليل عليه أيضًا ما رواه أحمد بإسناد حسن من طريق طارق بن شهاب قال شهدت عليًا رضي الله عنه على المنبر، وهو يقول «والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة» ، فهذا يدل أيضًا على أن المراد من الفهم ليس بشيء مكتوب، فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، فسقط ما قاله ابن المُنِّير (إن فيه دليلًا على أنه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه المستنبط من كتاب الله تعالى، وهو المراد بقوله «أو فهمٌ أعطيه رجل» . انتهى.

نعم يُفهم منه أن للعالم الفَهِم أن يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسرين، لكن بشرط الموافقة لأصول الشريعة.

(أَوْ مَا) أي الذي (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ)

ج 1 ص 650

عطف على قوله (( كتاب الله ) )والصحيفة هي الورقة المكتوبة، وكانت معلقة بقبضة سيفه إما احتياطًا أو استحضارًا، وإما لكونه منفردًا بسماع ذلك، وروى النسائي من طريق الأشتر «فأخرج كتابًا من قراب سيفه» .

وقال الكرماني (والظاهر أن سبب اقتران الصحيفة بالسيف هو الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده، بل بالقتل تارة، وبالدية تارة، وبالعفو أخرى، فلا يوضع السيف في موضع الندى، بل يوضع كل في موضعه) .

وقال البيضاوي رحمه الله (كلام علي رضي الله عنه يدل على أنه ليس عنده سوى القرآن، وأنه عليه السلام لم يخص بالتبليغ والإرشاد قومًا دون قوم، وإنما وقع التفاوت بين الناس من قبل الفهم واستعداد الاستنباط، واستثنى ما في الصحيفة احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون ما فيها مما لا يكون عند غيره، فيكون منفردًا بالعلم به) .

(قَالَ) أي أبو جحيفة (قُلْتُ وَمَا) وفي رواية وكلاهما للعطف؛ أي أيَّ شيء (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ) علي رضي الله عنه فيها (الْعَقْلُ) أي الدية سميت به؛ لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل، ويربطونها بفناء دار المقتول بالعِقَال وهو الحبل، وفي رواية ابن ماجه بدل (( العقل ) ) (( الديات ) )، والمراد إحكامها ومقاديرها وأصنافها.

(وَفَكَاكُ) بكسر الكاف وفتحها، وقال الفراء الفتح أفصح، وهو ما يفك به، من فكَّه وافتكَّه بمعنى خلَّصه، والمعنى وفيها حكم تخليص (الأَسِيرِ) من يد العدو، والترغيب في ذلك، وأنه من أنواع البر الذي ينبغي أن يهتم به، وهو فعيل بمعنى المأسور من أسره إذا شده بالإسار، وهو القِد بكسر القاف وبالمهملة؛ لأنهم كانوا يشدون الأسير بالقد، ويسمى كل أخيذ أسيرًا، وإن لم يشد به.

(وَلاَ يُقْتَلُ) بضم اللام (مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) ؛ قيل وهو من عطف جملة على جملة، إذ التقدير «فيها العقل» ، وهي جملة عطفت عليها قوله و «لا يقتل مسلم بكافر» . انتهى.

وفيه نظر؛ لأن الظاهر أن يدخل قوله «ولا يقتل. .. إلى آخره» تحت «ما في الصحيفة» ، فيكون معطوفًا على العقل لا على «فيها العقل» ، فالظاهر أنه معطوف على العقل بتقدير وحرمة قتل مسلم بكافر كما في قوله تعالى فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ

ج 1 ص 651

وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا [آل عمران 97] ، إذ التقدير على ما قاله الزمخشري (وآمنٌ من دخله، فيكون في حكم المفرد فيكون من قبيل عطف المفرد على المفرد.

ويؤيده ما في رواية أخرى بلفظ «وأن لا يقتل» [خ¦3047] بزيادة (( أن ) )المصدرية، وبهذا الحديث احتج مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله على أن المسلم لا يقتل بالكافر قصاصًا، وبه قال الأوزاعي والليث والثوري وإسحاق وأبو ثور وابن شبرمة، وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وبه قال جماعة من التابعين منهم عمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب أهل الظاهر.

وقال أبو بكر الرازي قال مالك، والليث بن سعد إن قتله غيلة قُتل به، وإلا لم يُقتل.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية، ومحمد وزفر رحمهم الله يقتل المسلم بالكافر، وهو قول النخعي والشعبي وسعيد بن المسيب ومحمد بن أبي ليلى وعثمان البتِّي، وهو رواية عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، وقالوا ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد.

واستدلوا بالنصوص المطلقة في استيفاء القصاص من غير فصل، وأجابوا عن هذا الحديث بأن أصل الحديث وتمامه على ما رواه قيس بن عباد والأشتر ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»، فالمعنى على هذا لا يقتل مؤمن بسبب قتل كافر؛ أي ذي عهد، ولا خلاف لأحد في أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي، ولا الكافر الذي له عهد، ويدل لهم أنه صلى الله عليه وسلم قتل مسلمًا بكافر معاهد، وقال (( أنا أكرم من وفا بذمته ) )الحديث، رواه الدارقطني، لكنه ضعيف لا يحتج به.

وبين الفريقين مقاولات كثيرة لا يسع المقام بسطها، هذا وقد وقع في رواية الشيخين من طريق يزيد التيمي عن علي رضي الله عنه قال (ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة) ، فإذا فيها (( المدينة حرام ) ) [خ¦3179] .

ولمسلم عن أبي الطفيل عن علي رضي الله عنه ما خصَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشي لم يقم به الناس كافة، إلا ما في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة مكتوبة فيها (( لعن الله من ذبح لغير الله ... ) )الحديث، وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي رضي الله عنه فإذا فيها (( المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم ... ) )الحديث.

ولأحمد من طريق طارق بن شهاب (( فيها فرائض

ج 1 ص 652

الصدقة )) .

والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها فنقل كل من الرواة ما حفظه.

ثم من فوائد هذا الحديث أن فيه ما يقطع بدعة الشيعة المدعين على علي رضي الله عنه أنه الوصي، وأنه المخصوص بعلم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرفه غيره، حيث قال (ما عنده إلا ما عند الناس من كتاب الله) ، ثم أحال على الفهم الذي الناس فيه على درجاتهم المتفاوتة، ولم يخص نفسه بشيء غير ما هو ممكن في غيره، ومنها إباحة كتابة الأحكام وتقييدها، ومنها جواز السؤال من الإمام فيما يتعلق بخاصته، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت