فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 11127

112 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون وفتح المهملة (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بضم المهملة، وقد مر في «باب من استبرأ لدينه» [خ¦52] (قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المعجمة وسكون المثناة التحتية، ابن عبد الرحمن أبو معاوية النحوي المؤدب البصري الثقة، مولى بني تميم المؤذن سمع الحسن وغيره، وعنه ابن مهدي وغيره، وكان صاحب حروف وقراءات.

قال أحمد هو ثبت في كل المشايخ، وهو أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي، حدث عنه الإمام أبو حنيفة، وعلي بن الجعد، وبين وفاتيهما تسع وسبعون سنة، مات ببغداد ودفن بمقبرة الخيزران، أو في باب التين، سنة أربع وستين ومئة في خلافة المهدي، روى له الجماعة.

اعلم أن النحوي في هذه الترجمة نسبة إلى قبيلة، وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن تميم، وليس في هذه القبيلة من يروي الحديث سواه، ويزيد بن أبي سعيد، وأما ما عداهما، فنسبته إلى النحو علم العربية، كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره، وليس في هذا «الصحيح» من اسمه شيبان غيره، وفي مسلم هو وشيبان بن فروخ، وفي أبي داود شيبان أبو حذيفة، وليس في الكتب الستة غير ذلك.

(عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير صالح بن المتوكل، وقيل اسم أبي كثير نشيط، وقيل دينار، أبي نصر اليماني الطائي، مولاهم البصري العطار، أحد الأعلام الثقات العُبَّاد، روى عن أنس وجابر مرسلًا، وعن أبي سلمة، وعنه هشام الدستوائي وغيره، قال أيوب ما بقي على وجه الأرض مثله، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل سنة اثنتين وثلاثين بعد أيوب بسنة، وليس في الكتب الستة يحيى بن أبي كثير غيره.

نعم فيها يحيى بن كثير العنبري،

ج 1 ص 653

وفي أبي داود يحيى بن كثير الباهلي، وفي ابن ماجه يحيى بن كثير صاحب البصري، وهما ضعيفان.

(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح المهملة واللام، عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وقد مر في «الوحي» [خ¦4] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وعند المؤلف في «الديات» (( حدثنا أبو سلمة قال حدثنا أبو هريرة ) ) [خ¦6880] .

(أَنَّ خُزَاعَةَ) ؛ بضم المعجمة وبالزاي غير منصرف، وهم حي من الأزد، سموا بذلك؛ لأن الأزد لما خرجت من مكة، وتفرقت في البلاد تخلفت عنهم خزاعة وأقامت بها، ومعنى خزع فلان عن أصحابه تخلف عنهم.

(قَتَلُوا) أي قَتل واحد منهم، وهو خِراش بن أُمية الخُزَاعي، فأطلق عليه اسم القبيلة مجازًا من قبيل بنو فلان قتلوا زيدًا، والقاتل واحد منهم (رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ) وهم قبيلة أيضًا، قيل هو جندب بن الأقرع الهذلي وهو مشرك.

(عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ) أي من خزاعة (قَتَلُوهُ) أي بنو ليث في الجاهلية، واسم المقتول في الجاهلية أحمر على ما رواه ابن إسحاق، ورُوي أيضًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فمن قتل بعد مقامي هذا، فأهله بخير النظرين ) ).

(فَأُخْبِرَ) بضم الهمزة وكسر الموحدة (بِذَلِكَ النَّبِيُّ) بالرفع على أنه نائب للفاعل صلى الله عليه وسلم) فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ) هي الناقة التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق، وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عُرفت.

وقال الأزهري (الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب، والناقة النجيبة، وليست الناقة أولى بهذا الاسم من الجمل؛ لأن الهاء فيه ليست للتأنيث، بل للمبالغة كما يقال رجل داهية وراوية، وقيل سميت راحلة؛ لأنها ترحل) .

(فَخَطَبَ) بفتح المهملة؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ) عز وجل (حَبَسَ) أي منع (عَنْ مَكَّةَ) المعظمة شرفنا الله برؤيتها (الْقَتْلَ) بالقاف المفتوحة والمثناة الفوقية (أَوِ الْفِيلَ) بالفاء المكسورة وسكون الياء المثناة التحتية، وهو الحيوان المشهور الذي ذكر الله تعالى في قوله {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل 1] السورة.

وقصتها أن أَبْرَهَةَ [1] بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء، وسماها القُلَيْس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من كنانة اسمه ملكان بن كنانة، وهو من الحُمْسِ حتى قدم اليمن، فدخل الكنيسة فقعد فيها؛ أي قضى حاجته ليلًا فأغضبه ذلك، وقيل أَجَّجت رفقة من العرب نارًا فحملتها الريح فأحرقتها، فحلف ليهد منَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيل قوي اسمه محمود، وفِيَلة أخرى، قيل اثني عشر فيلًا غيره، وقيل ثمانية، وقيل كانت ألفًا، وقيل كان وحده، فلما بلغ المغتمس _ بالغين المعجمة _ وهو موضع بين مكة ومنى، خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال تِهامة ليرجع، فأبى وتهيأ للدخول، وعبأ؛ أي هيأ

ج 1 ص 654

جيشه، وقَدَّم الفيل [و] كان كلما وجَّهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى هرول، فأرسل الله تعالى طيرًا سودًا، وقيل خضرًا، وقيل بيضًا، كلٌّ في منقاره حجر، وفي رجليه حجران أكبر من العَدَسة، وأصغر من الحمصة فرمتهم، فيقع الحجر في رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففروا فهلكوا جميعًا في كل طريق ومنهل، ودَوِيَ؛ أي مرض أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه الحَجَرُ فخر ميتًا بين يديه.

وقيل كان أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقيل بثلاث وعشرين سنة؛ أي قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه فيها فجهزه وكان رجلًا جسيمًا وسيمًا، وقيل هذا سيد قريش وصاحب عير مكة، الذي يُطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، قال سقطتَ من عيني جئتُ لأهدم البيت الذي هو دينكَ ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم في قديم الدهر، فألهاك عنه ذَوْدٌ أُخِذ لك فقال أنا ربُّ الإبل، وللبيت رب سيمنعه، ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول

اللهم إن المرء يمنع؛ أي أهله ويحفظهم، فامنع حلالك جمع حلة؛ أي احفظ الموضع الذي يحل فيه، لَا يغلبن صليبهم ومحالهم أي كيدهم وحيلتهم، غَدوًا محالك، إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمرها بدا لك، يا رب لا أرجو لهم سواكا، يا رب فامنع منهم حِماكا فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال والله إنها لطير غريبة ما هي ببحرية ولا تهامية، فكان ما كان.

(شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) ؛ أي البخاري، وهو ساقط في بعض النسخ، ووقع في بعضها أي الفضل بن دكين يريد به أن الشك من شيخه بصيغة الأمر، وفي نسخة أي قال أبو نُعيم اجعلوا هذا اللفظ أي غير أبي نُعيم أي بالفاء من غير شك.

والمراد بالغير من رواه عن شيبان رفيقًا لأبي نُعيم، وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان وهو حرب بن شداد، كما سيأتي بيانه عند المصنف في «الديات» [خ¦6880] .

وفي رواية أي البخاري أي الرواة وفي نسخة بدل «القتل» وهو سفك الدم على غفلة.

قال القسطلاني (ووجهه ظاهر، لكن لا أعلم من روى كذلك، ولا يبعد أن يكون تصحيفًا) .

(وَسُلِّطَ) على صيغة المجهول (عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ) بالرفع عطف على «رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية على صيغة المعلوم؛ أي الله .

(أَلاَ) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه تدل على تحقيق ما بعدها (وَإِنَّهَا) بكسر الهمزة عطفًا على مقدر تقديره إن الله قد حبس عنها. .. إلى آخره، وإنها، وفي رواية أي مكة (لَمْ تَحِلَّ) بفتح أوله وكسر ثانيه (لأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ) بضم اللام.

(لأَحَدٍ بَعْدِي) وفي رواية البخاري في «اللقطة» من طريق الأوزاعي عن يحيى «ولن تحل» [خ¦2434] وهي أليق بالمستقبل، وأما ما في رواية الكشميهني فمعناه لم يحكم الله في الماضي بالحل في المستقبل، فلا يَرِدُ أن (لم) تقلب المضارع ماضيًا، ولفظ «بعدي» للاستقبال، فكيف يجتمعان؟

(أَلاَ) بالتخفيف مع الفتح أيضًا (وَإِنَّهَا سَاعَتِي) أي في ساعتي (هَذِهِ) أي التي أتكلم فيها وهي بُعَيْدَ الفتح (حَرَامٌ) بالرفع على أنه خبر (( إنَّ ) )وهو في الأصل مصدر يستوي

ج 1 ص 655

فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع، وهو صفة مشبهة، ولكن زالت وصفيته؛ لغلبة الاسمية عليه، فتساوى فيه التذكير والتأنيث، فلا يقال لا مطابقة بين اسم إن وخبرها تذكيرًا وتأنيثًا.

هذا قال الطبري (الذي أحل للنبي صلى الله عليه وسلم قتال أهلها ومحاربتهم ولا يحل ذلك لأحد بعده.

وقال الطحاوي (ومما أُحل له صلى الله عليه وسلم وخُصَّ به دخوله مكة بغير إحرام، ولا يجوز لأحد أن يدخله بعد النبي صلى الله عليه وسلم بغير إحرام) ، وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن البصري، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه.

ولمالك والشافعي قولان فيمن لم يُرِد الحج أو العمرة، ففي قول يجوز، وفي قول لا يجوز إلا للحطَّابين وشبههم.

(وَلاَ يُخْتَلَى) بالخاء المعجمة على صيغة المجهول؛ أي لا يجز ولا يقطع، قال الجوهري تقول خليت الخلاء واختليته؛ أي جززته وقطعته فانخلى، والمِخْلَى ما يجز به الخلاء، والمخلاة ما يجعل فيه الخلاء (شَوْكُهَا) هو جمع شوكة وشجر شائك وشاكٍ، وقال ابن السكيت (يقال هذه شجرة شاكة؛ أي كثيرة الشوك، وذكر الشوك دال على منع قطع سائر الأشجار بالطريق الأولى) .

وقال في «شرح السنة» المؤذي من الشوك كالعوسج لا بأس بقطعه كالحيوان المؤذي، فيكون من باب تخصيص الحديث بالقياس، وكذا لا بأس بقطع اليابس كما في الصيد الميت. ويجوز عند الشافعي رحمه الله رعي البهائم في كلأ الحرم، خلافًا لإمامنا أبي حنيفة، والإمام أحمد رحمهما الله.

(وَلاَ يُعْضَدُ) أي لا يقطع على صيغة المجهول أيضًا (شَجَرُهَا) وقد استوفي هذا المبحث في باب «ليبلغ الشاهد الغائب» [خ¦104] [خ¦105] (وَلاَ تُلْتَقَطُ) على صيغة المجهول أيضًا من الالتقاط وهو أخذ الشيء من الأرض (سَاقِطَتُهَا) أي ما سقط فيها بغفلة المالك، أراد بها اللقطة، وجاء في رواية (إِلاَّ لِمُنْشِدٍ) أي لمعرِّف، قال أبو عبيد المنشد المعرف، وأما الطالب فيقال له ناشد، يقال نشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها، وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر.

وفي رواية فقيل ليس لواجدها غير التعريف أبدًا، ولا يملكها بحال، ولا يتصدق بها إلى أن يظفر بصاحبها، بخلاف لقطة سائر البقاع، وهو أظهر قولي الشافعي.

وذهب مالك والأكثرون إلى أنه لا فرق بين لقطة الحل والحرم، وقالوا معنى قوله (( إلا لمنشد ) )أنه يعرِّفها كما يعرِّفها في سائر البقاع حولًا كاملًا، حتى لا يتوهَّم أنه إذا نادى عليها وقت الموسم فلم يظهر مالكها جاز تملكها.

ج 1 ص 656

وقال المازري (معناه المبالغة في التعريف؛ لأن الحاج قد لا يعود إلا بعد أعوام فيدعو الضرورة إلى إطالة التعريف فوقَ حول كامل؛ لأن الناس ينتابون إلى مكة بخلاف غيرها من البلاد) ، ويقال جاء الحديث ليقطع وهم من يظن أنه يستغنى عن التعريف هنا، إذ الغالب أن الحجيج إذا تفرَّقوا مشرِّقين ومغرِّبين مَدَّتِ المطايا أعناقها فيقول القائل لا حاجة إلى التعريف، فذكر صلى الله عليه وسلم أن التعريف فيها ثابت كما في غيرها من البلاد.

ومنهم من قال التقدير إلا من سمع ناشدًا يقول من أضل كذا، فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها ليردها على صاحبها، وهذا مروي عن إسحاق بن راهويه، والنضر بن شُميل، وقيل معناه لا تحل إلا لربها الذي يطلبها.

قال أبو عبيد (هو جيد في المعنى، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب منشد) .

وقال القاضي عياض في «المشارق» (ذكر الحربي اختلاف أهل اللغة في الناشد والمنشد، وأن بعضهم عكس فقال الناشد المعرف، والمنشد الطالب، والله أعلم) .

(فَمَنْ قُتِلَ) ؛ على صيغة المجهول، (فَهُوَ) ؛ قال الكرماني أي أهله، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه هو السبب، وقال الخطابي فيه حذف تقديره فمن قتل له قتيل، وسائر الروايات تدل عليه، [و] رواية المؤلف في «الديات» [خ¦6880] ، وإلا لم يصح قوله

(بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) فإن المقتول لا يتصور أن يكون كذلك، وقال العيني كل من التوجيهين منظور فيه، أما الأول فلأنه يلزم منه الإضمار قبل الذكر، وأما الثاني فلأنه يلزم منه حذف الفاعل، والتحقيق هنا أن يقدر مبتدأ؛ أي فمَن أهله قُتِلَ فهو بخير النظرين.

أقول وكل منهما مدفوع بأدنى تأمل، وليس ما اختاره أدنى تكلفًا من التوجيهين المذكورين، فافهم، والمعنى فهو ملابس أو مرضي أو عامل بأفضل النظرين له، وهو مفسر بقوله صلى الله عليه وسلم

(إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ) على صيغة المجهول من العقل وهو الدية، يقال عقلته؛ أي أعطيته ديته (وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ) بالقاف على صيغة المجهول أيضًا من القود بمعنى القصاص، يقال أقدت القاتل بالمقتول؛ أي اقتصصته منه، والمعنى [2] وإما أن يمكن من القصاص.

(أَهْلُ الْقَتِيلِ) بالرفع على أنه نائب عن الفاعلين للفعلين على سبيل التنازع، ووقع في رواية مسلم (( وإما أن يُفادي ) )بالفاء من المفادات، وزيادة ياء بعد الدال، والصواب أن الرواية على وجهين

ج 1 ص 657

من قالها بالقاف قال فيما قبلها إما أن يُعقل من العقل، وهو الدية، ومن قالها بالفاء قال فيما قبلها إما أن يُقتل _ بالقاف والمثناة _ لئلا يلزم التكرار.

والحاصل أن خير النظرين إما القصاص أو الدية، وقد سبق ما يتعلق بأن الاقتصاص في الحرم يجوز أو لا يجوز [خ¦104] .

(فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ) ؛ هو أبو شاه، وجاء به مبينًا في «اللقطة» [خ¦2434] ، وهو _ بشين معجمة وهاء بعد الألف _ في الوقف والدرج، ولا يقال بالتاء قالوا ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يعرف بكنيته وهو كلبي يمني.

وفي «المطالع» (أبو شاه مصروفًا ضبطته وقرأته أنا معرفةً ونكرة) ، وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبًا.

وقال النووي هو بهاء في آخره درجًا ووقفًا، قال وهذا لا خلاف فيه، ولا يعتبر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه ومن مظانه.

(فَقَالَ اكْتُبْ لِي) ؛ أي هذه الخطبة التي سمعتها منك (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَال اكْتُبُوا لأَبِي فُلاَنٍ) أي لأبي شاه، وفي مسلم «فقال الوليد _ يعني ابن مسلم _ راوي الحديث قلت للأوزاعي ما قوله اكتب لي يا رسول الله، قال هذه الخطبة التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم» ، وهذا هو المقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب.

(فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كما يأتي في «اللقطة» [خ¦2434] إن شاء الله تعالى، ووقع في رواية لابن أبي شيبة (( فقال رجل من قريش يقال له شاه ) )، وهو غلط.

(إِلاَّ الإِذْخِرَ) أي قل يا رسول الله لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها إلا الإذخر، فيكون المستثنى منه محذوفًا مقدرًا في كلام العباس رضي الله عنه، ويكون الاستثناء من المعاد لا من الأول حتى يقال تقع الفاصلة بين المستثنى والمستثنى منه، ويجاب بأنه جائز عند أبي عباس المبرد، أو بأن الفصل كان يسيرًا وهو جائز اتفاقًا، وهو من قبيل قوله تعالى {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء 66] في جواز الوجهين النصب على الاستثناء، والرفع على البدلية.

وقال الحافظ العسقلاني في روايتنا بالنصب، ويجوز رفعه على البدل مما قبله وهو _ بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة _ نبت معروف طيب الرائحة، واحده إذخرة.

(فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا) لأنه يسقف به البيوت فوق الخشب، وقيل كانوا يخلطونه بالطين كالتبن؛ لئلا يتشقق إذا بُني به (وَقُبُورِنَا) لأنه يسد به فُرَج اللحد المتخللة بين اللبنات

ج 1 ص 658

(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) باجتهاده أو بوحي في الحال أو قبله بأنه إن طلب أحد استثناء شيء منه فاستثنه (إِلاَّ الإِذْخِرَ) وفي رواية بالتكرار فتكون الثانية للتأكيد.

وفي نسخة هنا زيادة وهي أي البخاري .

ومن فوائد هذا الحديث إباحة كتابة العلم وكره قوم ذلك؛ لأنها سبب لضياع الحفظ واستحبوا أن يؤخذوا عنهم كما أخذوا حفظًا والحديث حجة عليهم، ومن الحجة أيضًا ما اتفقوا عليه من كتابة المصحف الذي هو أصل العلم، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم كُتَّابٌ يكتبون الوحي. وقال الشعبي (إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط) ، وقيل محل الخلاف كتابة غير المصحف، ففي «صحيح مسلم» (( لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن، ومن كتب عني [3] غير القرآن فليمحه ) )فما اتفقوا عليه لا يكون من الحجة عليهم.

وقال القاضي عياض إنما كره من كره من السلف من الصحابة والتابعين كتابة العلم في الصحف وتدوين السنن؛ لأحاديث رويت فيها، منها حديث أبي سعيد «استأذنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة فلم يأذن لنا» . وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه «أمرنا عليه الصلاة والسلام أن لا نكتب شيئًا» ، هذا ولئلا يُكتَب مع القرآن شيءٌ، وخوف الاتكال على الكتاب، ثم جاءت أحاديث بالإذن في ذلك منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال رضي الله عنه «استأذنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابة ما سمعته منه قال فأذن لي، فكتبته» ، فكان عبد الله يسمِّي صحيفته الصادقة.

قال وأجازه معظم الصحابة والتابعين، ووقع عليه الاتفاق بعد ما دعت إليه الضرورة، وأجمعوا على جوازها بل على استحبابها كما مر؛ لانتشار الطرق وطول الأسانيد واشتباه المقالات مع قلة الحفظ وكلال الفهم.

وقال النووي (وأجابوا عن أحاديث النهي إما بالنسخ فإن النهي كان خوفًا من الاختلاط بالقرآن، فلما أمن ذلك بسبب اشتهار القرآن أَذِن في الكتابة، أو بأن النهي كان على التنزيه لمن وثق بحفظه، أو بأنه إنما هو عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يشتبه فيختلط على القارئ، والله أعلم) . انتهى.

ثم لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دوَّنوه، وأوُل من دوَّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، ولله الحمد.

ومنها أن الخطبة يستحب أن تكون على موضع عال منبر أو نحوه في جمعة أو غيرها، ومنها أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن له إجبار الجاني

ج 1 ص 659

على أيِّ الأمرين شاء، وبه قال الشافعي وأحمد.

وقال مالك في المشهور عنه ليس له إلا القتل أو العفو، وليس له الدية إلا برضى الجاني، وبه قال الكوفيون، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، وكذا قول إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وعبد الله بن ذكوان، وعبد الله بن شبرمة، والحسن بن حي.

قال الطحاوي ما حاصله إن قوله «إما أن يعقل» كما في رواية وقوله «وإما أن يفادى» كما في رواية أخرى، يجوز أن يكون على ما قال أهل المقالة الأولى، ويجوز أن يكون معناه له ذلك إن أُعطِيها، كما يقال للرجل خذ بدَينك إن شئت دراهم، وإن شئت دنانير، وإن شئت عروضًا، وليس المراد بذلك أن تأخذ أيا ما شئت رضي الذي عليه الدين أو كره، بل المراد بذلك إباحة ذلك له إن أُعطِيه.

هذا وقال محمود العيني (التحقيق في هذا المقام إن قوله «بخير النظرين» متعلق بما يناسب المقام مما يتعدى بالباء، فيقدر إما عامل أو مرضي، أو مأمور بخير النظرين للقاتل، إشارة إلى أن الرفق له مطلوب حتى كان العفو مندوبًا إليه، ويجوز أن يكون تأويله فهو بخير النظرين من رضى القاتل ورضى نفسه، فإن كان رضى القاتل خيرًا له، وقد اختار الفداء فله ذلك وإن كان رضى نفسه بالاقتصاص خيرًا له فعل ذلك، وينبغي أن لا يقف عند رضى نفسه البتة، وأما تقدير التخيير فليس بواجب حتى يكون حجة لأهل المقالة الأولى) .

ومنها أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص أو الدية، وهو أحد قولي الشافعي وأصحهما عنده أن الواجب القصاص والدية بدلٌ عند سقوطه وهو مشهور مذهب مالك.

وعلى القولين للولي العفو عن الدية ولا يحتاج إلى رضى الجاني ولو مات الطرف المستحق وجبت الدية، وبه قال أحمد رحمه الله.

وعن إمامنا الأعظم أبي حنيفة ومالك رحمهما الله أنه لا يُعدل إلى المال إلا برضى الجاني، وأنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قولٌ قديم للشافعي، ورجحه الشيخ تقي الدين في «شرحه» .

[1] في هامش الأصل (( لقب أبرهة ) ).

[2] في هامش الأصل وإلا لكان المعنى وإما أن يقتل أهل القتيل وهو باطل قطعًا. منه.

[3] في الأصل و (خ) مني، ولعل الصواب ما أثبتناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت