113 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن المديني الإمام، وكان ابن عيينة يقول مع أنه شيخه تعلمت منه أكثر مما تعلم مني، وقد مر في باب «الفهم في العلم» [خ¦72] .
(قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة، وقد تقدم في أول الكتاب [خ¦1] (قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو) ؛
ج 1 ص 660
هو ابن دينار، أبو محمد المكي الجُمَحي [1] _ بضم الجيم وفتح الميم وبالمهملة _ الأثرم من الثَّرَم بالتحريك، وهو سقوط الثنية، أحد الأئمة المجتهدين من التابعين.
قال ابن عيينة حديث أسمعه منه أحب إلي من عشرين من غيره، مات سنة ست وعشرين ومئة.
(قَالَ أَخْبَرنِي) بالإفراد (وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشددة، ابن كامل بن سَيج _ بفتح السين المهملة وقيل بكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم _ الصنعاني اليماني الأبناوي الذماري، التابعي الجليل المشهور بمعرفة الكتب الماضية، قال قرأت من كتب الله اثنين وسبعين كتابًا، وهو من أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، وقيل أصله من هراة، مات سنة أربع عشرة ومئة، روى له الجماعة إلا ابن ماجه.
(عَنْ أَخِيهِ) هو هَمَّام بن منبِّه _ بفتح الهاء وتشديد الميم _ وهو أيضًا تابعي، وكان أكبر من وهب، وكانوا أربعة إخوة وهب ومعقل وهمام وغيلان، وكان آخرهم موتًا همام، مات وهب، ثم معقل، ثم غيلان، ثم همام، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة، روى له الجماعة.
(قَالَ) أي إنه قال (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ مَا) نافية (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) الجار والمجرور في محل النصب على أنه حال من قوله (أَحَدٌ) قُدِّمت عليه؛ لكونه نكرة وهو بالرفع على أنه اسم «ما» .
وقوله (أَكْثَرَ) بالنصب على أنه خبرها (حَدِيثًا) نصب على التمييز مرويًا (عَنْهُ) صلى الله عليه وسلم (مِنِّي إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أي ابن العاص رضي الله عنهما (فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ و) أنا (لاَ أَكْتُبُ) . هذا الاستثناء إما منقطع، والتقدير لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو وهو الكتابة لم يكن مني، فالخبر محذوف بقرنية ما في الكلام سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا بناء على أن العادة جارية على أن شخصين إذا لازما شخصًا مثلًا، وسمعا منه الأحاديث يكون الكاتب أكثر حديثًا من غيره، أو لا يلزم.
وإما متصل نظرًا إلى المعنى إذ قوله «حديثًا» وقع تمييزًا، والتمييز كالمحكوم عليه، فكأنه قال ما أحاديث أحد من الصحابة رضي الله عنهم أكثر من أحاديثي إلا أحاديث حصلت من عبد الله.
فإن قلت يفهم من ذلك أن أبا هريرة رضي الله عنه كان جازمًا بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم [2] منه إلا عبد الله بن عمرو
ج 1 ص 661
رضي الله عنه مع أن المروي عنه أقل من المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه بأضعاف مضاعفة، فإنه روي عنه خمسة آلاف وثلاثمئة حديث، ووجد لعبد الله بن عمرو سبعمئة حديث اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بمئة، ومسلم بعشرين، فالجواب أنه على تقدير انقطاع الاستثناء، فلا يخفى ارتفاع الإشكال واندفاعه، وأما على تقدير اتصاله، فيمكن أن يدفع من وجوه
إحداها أن عبد الله رضي الله عنه كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلَّت الرواية عنه بخلاف أبي هريرة، فإنه كان متصديًا للفتوى والتحديث إلى أن مات.
ثانيها أنه كان أكثر مُقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف وكان الواردون الراحلون إليهما قليلًا بخلاف أبي هريرة رضي الله عنه فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة، ويظهر ذلك من كثرة من حمل عن أبي هريرة رضي الله عنه فقد ذكر المؤلف رحمه الله أنه روى عنه ثمان مئة نفس من التابعين ولم يقع هذا لغيره.
ثالثها ما اختص به أبو هريرة رضي الله عنه من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا ينسى ما يحدثه به كما سيذكر قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦119] .
رابعها أن عبد الله رضي الله عنه كان قد ظفر في الشام بحِمْل جَمَل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما كان من أفاضل الصحابة رضي الله عنهم، وكان يكتب ما كان يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم تكن الكتابة جائزة لما كان يفعل ذلك.
فإذا قلنا فعل الصحابي حجة فلا نزاع فيه وإلا فالاستدلال على جواز الكتابة يكون بتقرير الرسول صلى الله عليه وسلم كتابته، وقد رُوي عنه أنه قال (استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة ما سمعت منه فأذن لي) ، كما مر.
تتمة قيل قول أبي هريرة رضي الله عنه «ولا أكتب» قد يعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية قال تحدثت عند أبي هريرة بحديث فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتبًا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقال (هذا هو مكتوب عندي) .
وقال ابن عبد البر (حديث همام أصح، ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبوي ثم كتب بعده) .
ج 1 ص 662
وقال الحافظ العسقلاني (وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبًا عنده أن يكون بخطه، وقد ثبت أنه لم يكتب، فتعين أن المكتوب عنده كان بغير خطه، والله أعلم) .
(تَابَعَهُ) أي تابع وهب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همام (مَعْمَرٌ) هو ابن راشد، وقد مر في «الوحي» [خ¦42] (عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
قال الكرماني (هذه متابعة ناقصة سهلة المأخذ، حيث ذكر المتابع عليه؛ يعني همامًا، ثم إنه يحتمل أن يكون بين البخاري وبين معمر الرجالُ المذكورون بأعينهم، ويحتمل أن يكون غيرهم، كما يحتمل أن يكون من باب التعليق عن معمر) .
هذا وقال الحافظ العسقلاني (والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق عن معمر، وأخرجها أبو بكر بن علي المروزي في «كتاب العلم» له، عن حجاج ابن الشاعر عنه) .
وروى أحمد والبيهقي في «المدخل» من طريق عمرو بن شعيب عن مجاهد والمغيرة بن حكيم قالا سمعنا أبا هريرة يقول (ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده، ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة عنه فأذن له) ، إسناده حسن، قال ولا يلزم منه أن يكونا في الوعي سواء؛ لما مر من اختصاص أبي هريرة رضي الله عنه بالدعاء بعدم النسيان.
ويحتمل أن يقال يحمل أكثرية عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عليه على ما قارنه عبد الله من الكتابة قبل الدعاء لأبي هريرة؛ لأنه قال في حديثه (( فما نسيت شيئًا بعد ) )فجاز أن يدخل عليه النسيان فيما سمعه قبل، بخلاف عبد الله، فإن الذي سمعه مضبوط بالكتابة، ومع ذلك الذي انتشر عن أبي هريرة أضعاف ما انتشر عن عبد الله بن عمرو؛ لتصدي أبي هريرة لذلك، وإقامته بالتربة النبوية، بخلاف عبد الله في الأمرين رضي الله عنهما.
[1] في هامش الأصل الجُمَحي بضم الجيم وفتح وبالحاء المهملة نسبة إلى جمح بن عمرو، والصنعاني نسبة إلى صنعاء مدينة باليمن وصنعاء أيضًا قرية بدمشق، ووهب ينسب إلى صنعاء اليمن، وزيدت فيه النون في النسبة على غير القياس، واليماني نسبة إلى يمان، ويقال اليمنى أيضًا، قال الجوهري اليمنى بلاد العرب والنسبة إليها يمني ويمان مخففة والألف عوض عن ياء النسبة فلا يجتمعان، قال سيبويه وبعضهم يقول يماني بالتشديد، والأَبناوي بفتح الهمزة منسوب إلى الأبناء بباء موحدة ثم نون، وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزن، والذِّماري بكسر الذال المعجمة، وقيل بفتحها نسبة إلى ذمار على مرحلتين من صنعاء. منه.
[2] في هامش الأصل وروي عنه أنه قال حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم ألف مثل. منه.