114 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى بن سعيد أبو سعيد الجعفي الكوفي الذي سكن مصر، ومات بها سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، (ابْنُ وَهْبٍ) أي عبد الله بن وهب بن مسلم أبو محمد المصري، وقد مر في باب «من يرد الله به خيرًا» [خ¦71] .
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيلي القرشي مولى معاوية
ج 1 ص 663
رضي الله عنه (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بصيغة التصغير (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بصيغة التكبير، ابن عُتبة، أحد الفقهاء السبعة، وقد مر ذكرهم في باب «الوحي» [خ¦6] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.
وقد أخرج متنه المؤلف في «المغازي» [خ¦4432] ، وفي «الطب» [خ¦5669] ، وفي «الاعتصام» أيضًا [خ¦7366] ، وأخرجه مسلم في «الوصايا» ، والنسائي في «العلم» ، وفي «الطب» أيضًا.
(قَالَ) ؛ أي إنه قال (لَمَّا اشْتَدَّ) أي قوي (بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ) أي مرضه الذي توفي فيه، وفي رواية المؤلف في المغازي (( لما حضر ) ) [خ¦4432] ، وفي رواية الإسماعيلي (( لما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاة ) )، وللمؤلف من حديث سعيد بن جبير رضي الله عنه أن ذلك كان يوم الخميس، وهو قبل موته بأربعة أيام [خ¦3053] .
(قَالَ) جواب «لما» (ائْتُونِي بِكِتَابٍ) فيه حذفٌ، إذ حق الظاهر أن يقال ائتوني بما يكتب به الشيء كالدواة والقلم، والكتاب بمعنى الكتابة، والتقدير ائتوني بأدوات الكتابة، وقد صرح بالتقدير المذكور في رواية مسلم حيث قال (( ائتوني بالكتف والدواة ) )، والمراد بالكتف عظم الكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيه، أو المراد بالكتاب ما من شأنه أن يُكتب فيه نحو الكاغد والكتف.
(أَكْتُب لَكُمْ) بالجزم جوابًا للأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف، وفيه مجاز أيضًا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميًا، والمعنى آمُر من يكتب لكم، فهو من قبيل قولهم كسى الخليفةُ الكعبةَ؛ أي أمر بالكسوة، ويحتمل أن يكون على حقيقته؛ لأن الأمي من لا يحسن الكتابة لا من لا يقدر على الكتابة، وقد ثبت في هذا «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده، ولكن ورد في (( مسند أحمد ) )من حديث علي رضي الله عنه أنه المأمور بذلك، ولفظه (أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيه بطبق؛ أي كتف يكتب ما لا تضل أمته من بعده) .
(كِتَابًا) فيه بعد قوله «بكتاب» الجناس التام بين الكلمتين، لكن أحدهما حقيقة والآخر مجازًا (لاَ تَضِلُّوا) بكسر الضاد من الضلال ضد الرشاد، وأهل العالية [1] يقولون ضللت _ بالكسر أضل بالفتح _ والأول هو الفصيح، وجاء يضِل _ بالكسر _ بمعنى ضاع وهلك، وهو نفي لا نهي، وسقطت النون؛ لأنه بدل من جواب الأمر، وقد جوز بعض النحاة تعدد جواب الأمر من غير حرف العطف، وفي بعض النسخ (بَعْدَهُ) بالنصب على الظرفية.
واختلف العلماء في المراد بالكتاب الذي همَّ عليه الصلاة والسلام
ج 1 ص 664
بكتابته فقيل إنه أراد أن ينص على الأئمة بعده؛ لئلا يختلف الناس ويتنازعوا تنازعًا مؤديًا إلى الضلال، فترتفع الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين، أو أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تعالى، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم قال في أوائل مرضه حين قال (( وارأساه وهو عند عائشة رضي الله عنها ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنِّ ويقول قائل ) )ثم ترك الكتاب وقال (( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ) )، ثم قدمه في الصلاة.
وقيل أراد أن يكتب لهم كتابًا ينص فيه على مهمات الأحكام الدينية ليرتفع الاختلاف ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه شفقة على أمته وتخفيفًا عنهم، ثم ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن المصلحة تركه، أو أُوحي إليه بذلك، ورأى اختلاف الصحابة في ذلك فقال (( قوموا من عندي ) )وتركهم على ما هم عليه، وهذا القول أظهر لقول عمر رضي الله عنه «كتاب الله حسبنا» ؛ أي كافينا مع أنه يشمل القول الأول؛ لأنه بعض أفراده.
(قَالَ عُمَرُ) أي ابن الخطاب رضي الله عنه لمن حضره من الصحابة (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَ) الحال (عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ) هو (حَسْبُنَا) ؛ أي كافينا، فلا نكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشق عليه في هذه الحالة من إملاء هذا الكتاب، أو مباشرة الكتابة، وكأنه رضي الله عنه فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل، وظهر له أنه أن الأمر في «ائتوني» ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه ذلك في هذه الحالة مع استحضارهم قوله تعالى {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام 38] ، وقوله تعالى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل 89] . ولهذا قال عمر رضي الله عنه (كتاب الله حسبنا) ، وإلا فما كان يسوغ لعمر رضي الله عنه الاعتراض على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد استصوب رأيه حيث ترك صلى الله عليه وسلم الإنكار عليه.
ويؤيده أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قد عاش بعد ذلك أيامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان ذلك واجبًا لم يتركه عليه السلام لاختلافهم؛ لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف.
(فَاخْتَلَفُوا) أي الصحابة رضي الله عنهم، فقالت طائفة مثل ما قال عمر رضي الله عنه لما ظهر لهم مثل ما ظهر له، وقالت طائفة أخرى الأولى أن يكتب لما فيه
ج 1 ص 665
من امتثال أمره، وزيادة الإيضاح.
(وَكَثُرَ) بضم المثلثة (اللَّغَطُ) بتحريك اللام والغين المعجمة؛ أي الصوت والجلبة بسبب ذلك، وقال الكسائي سكون الغين لغة فيه، والجمع الألغاط، وقال الليث اللغط أصوات مبهمة لا تفهم، فلما رأى ذلك صلى الله عليه وسلم، (قَالَ) وفي رواية ، وفي أخرى بالواو (قُومُوا عَنِّي) أي قوموا متبعِّدين عني، ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار لا على الوجوب كما مر (وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي) وفي بعض النسخ أي عن جهتي.
(التَّنَازُعُ) وفيه إشعار بأن الأَولى كان المبادرة إلى امتثال الأمر، وإن كان ما اختاره عمر رضي الله عنه صوابًا، إذ لم يتدارك ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بَعْدُ كما سبق.
قال القرطبي (واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم(( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) ) [خ¦946] فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عزَّر أحدًا منهم من أجل الاجتهاد المسوغ، والمقصد الصالح. انتهى).
وقال الخطابي (في وجه ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه إنه لو نص بما يزيل الخلاف؛ لعدم الاجتهاد في طلب الحق، ولاستوى الناس، ولبطلت فضيلة العلماء على غيرهم) .
وتعقبه ابن الجوزي بأنه لو نصَّ على شيء أو أشياء لم يلزم أن يبطل الاجتهاد؛ لأن الحوادث لا يمكن حصرها، وإنما خاف عمر رضي الله عنه أن يكون ما يكتبه في حال علة المرض من نوع ما يتكلم به المريض مما لا عزيمة له فيه؛ لأنه بشر يعتريه من الآلام ما يعتري البشر، فيجد به المنافقون سبيلًا إلى التلبيس في أمر الدين، والطعن في ذلك المكتوب، وقد أكمل الله الدين، وتمم شرائعه، فلا حاجة إلى ما يكتبه، لا أنه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال، وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور قبل أن يجزم به ويعزم عليه، كما راجعوه يوم الحديبية فيما كتب بينه وبين قريش من المصالحة، فإذا أمر بشيء أمر عزيمة لم يراجع فيه، ولم يخالف عليه.
وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه الوحي، بل اجتهد فيه، ولكنهم مجمعون على أنه لا يُقرَّر عليه، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان قد رفع درجته
ج 1 ص 666
فوق الخلق كلهم، لكنه لم يتنزه عن العوارض البشرية، فقد سها في الصلاة فلا ينكر أنه يُظنُّ به بعض هذه الأمور في مرضه، فيتوقف في مثل هذه الحال حتى يتبين حقيقته، فلذلك رأى عمر رضي الله عنه المصلحة في التوقف.
قال النووي (إن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته، وحال مرضه، ومِنْ تَرْكِ بيان ما أُمر ببيانه، وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس هو معصومًا من الأسقام والأمراض العارضة للأجسام مما لا نقص فيه ولا عيب، ولا فساد في شريعته) .
وقال أيضًا (كلام عمر رضي الله عنه هذا مع علمه وفضله؛ لأنه خشي أن يكتب أمورًا يعجزون عنها، ويستحقون العقوبة عليها؛ لكونها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها) .
هذا وقال المازري (لا خلاف أن الأوامر قد تقترن بها قرائن تصرفها عن الندب إلى الوجوب، أو بالعكس، فلعله ظهر منه من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم، بل جعله إلى اختيارهم، ولهذا اختلف الصحابة في هذا الكتاب، ولعل عمر رضي الله عنه اعتقد أنه صدر ذلك منه صلى الله عليه وسلم من غير قصد جازم، والله أعلم) .
(فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَقُولُ) ظاهره أن ابن عباس رضي الله عنهما كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر، بل المعنى خرج من المكان الذي كان فيه عندما حدث بهذا الحديث؛ لأن عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنه ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة طويلة، ثم سمعها من ابن عباس رضي الله عنهما بعد ذلك بمدة.
(إِنَّ الرَّزِيَّةَ) هي بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشدد الياء، ومعناها المصيبة، وفي «العباب» الرزء المصيبة، والجمع الأرزاء، وكذلك المرزئة، وجمع الرزيئة الرزايا، وقد رزأته رزيئة أي أصابته مصيبة.
(كُلَّ الرَّزِيَّةِ) بالنصب على التأكيد (مَا) أي الذي (حَالَ) من الحيلولة؛
ج 1 ص 667
أي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتَابَتِهِ) وزاد في رواية معمر «لاختلافهم ولغطهم» [خ¦7366] ؛ أي إن الاختلاف كان سببًا لترك كتابة الكتاب، قيل وقد كان عمر رضي الله عنه أفقه من ابن عباس رضي الله عنهما حيث اكتفى بالقرآن.
وقال النووي (وكان النبي صلى الله عليه وسلم همَّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ. انتهى) .
ومن فوائد هذا الحديث بطلان ما يدَّعيه الشيعة من وصاية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإمامة؛ لأنه لو كان عند علي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو وصية لأحال عليها، ومنها ما يدل على فضيلة عمر وفقهه رضي الله عنه، ومنها أن للإمام أن يوصي عند موته بما يراه نظرًا للأمة حيث همَّ صلى الله عليه وسلم بالكتابة، ومنها إباحة الاجتهاد حيث ترك الكتابة، ووكلهم إلى أنفسهم واجتهادهم، ومنها جواز الكتابة والباب معقود عليه، ومنها أن الاختلاف قد يكون سببًا لحرمان الخير كما وقع في قصة الرجلين اللذين تخاصما فرفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك [خ¦49] ، ومنها وقوع الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه وحي.
تتمة قدَّم المؤلف رحمه الله حديث علي رضي الله عنه [خ¦111] أنه كتب عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويطرقه احتمال أن يكون كتب ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغه النهي، وثنى بحديث أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦112] ، وفيه الأمر بالكتابة، وهو بعد النهي فيكون ناسخًا، وثلَّث بحديث عبد الله بن عمرو [خ¦113] ، وقد بين أن في بعض طرقه إذن النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك، فهو أقوى في الاستدلال للجواز من الأمر بالكتابة لأبي شاه؛ لاحتمال اختصاص ذلك بمن يكون أميًا أو أعيى، وختم بحديث ابن عباس رضي الله عنه [خ¦114] الدال على أنه صلى الله عليه وسلم همَّ أن يكتب لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف وهو لا يهم إلا بحق.
[1] تعليق في الكواكب وأما الغالبة